في
السبت 1 نوفمبر 2014

جديد الصور
جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو

سعودي عقار

الاغتصاب
07-14-2009 03:58 PM


مقدمة:لو حاولنا أن نضع كلمة الاغتصاب في سلم الجرائم لاحتلت هذه الكلمة وبجدارة متناهية قمة سلم الجرائم الاخلاقية واكثرها بشاعة من بين تلك الجرائم التي يرتكبها الانسان بحق الانسان والمجتمع، والاغتصاب لا يقتصر على المراة فقط رغم انها تشكل الهدف الاول لهذه الجريمة الا ان هناك ايضا من هذه الجرائم ما يرتكب بحق الاطفال القاصرين وحتى البالغين احيانا، وعلي الرغم من ان جريمة الاغتصاب جريمة عالمية ولا تقتصر على مجتمع دون آخر ولا على فئة دون اخرى إلا أنها تزداد بشاعة في مجتمعاتنا العربية والتي تولي قوانينها أهمية كبيرة للمحافظة على الاعراض. كما أنها من اشد الجرائم قبحا والتي يمكن أن تتعرض لها الأنثى في العالم بشكل عام وفي منطقتنا بصورة خاصة لان ذلك يلحق بالأنثى ضررا جسديا ونفسيا بالغا ناهيك عن الإضرار بمستقبلها من جهة الإقلال من فرص زواجها إذا كانت عذراء أو حرمانها من حياة زوجية مستقرة وسعيدة إذا كانت متزوجة ويتضاعف الأذى إذا نجم عن ذلك الاغتصاب حمل الضحية والتي قد تقدم على الانتحار تخلصا من الفضيحة والعار في ظل مفاهيم اجتماعية قد تحمل الضحية المسئولية عن هذا الفعل.




وهذا بالإضافة إلى صدمة الرأي العام التي تتولد عن حوادث الاغتصاب التي تطالعنا بها وسائل الإعلام وحالة الريبة والشك التي سوف تحيط بالأخلاقيات العامة والخاصة. وهناك بعض الآراء التي تتحدث عن الاغتصاب وتصفه بجريمة ناتجة عن الخلل الذي اصاب البنية الاجتماعية لمجتمعاتنا والاسرة على وجه الخصوص التي تشاهد تفككا ملحوظا وهي نسبة قابلة للارتفاع في ظل غياب المنهجيات الصحيحة لعلاج مثل هذه الظاهرة التي تغزو مجتمعنا وتكاد لا تخلو وسائل الاعلام العربية الجادة منها والصفراء من ذكر بعض حالات الاغتصاب في هذه الدولة او تلك وبصورة يومية.


تعريف الاغتصاب:


الاغتصاب في اللغة افتعال من غصب .


والغصب: أخذ الشيء ظلماً. يقال غصبه منه وغصبه عليه .


وغصب فلاناً على الشيء : قهره.

وغصب الجلد: أزال عنه شعره نتفاً.
جرى تعريف الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي ضمن \"عناصر الجرائم للمحكمة الجنائية الدولية\" بحيث يتم التركيز على الأفعال الإكراهية للجناة، بما في ذلك التهديدات والقمع النفسي، عوضاً عن التركيز على العنف الجسدي وحده. وعوضاً عن تعريف الاغتصاب على أنه إيلاج عضو الرجل قسراً في مهبل المرأة فحسب، فإن تعريف الاغتصاب محايد من حيث شموله للنوع الاجتماعي (حيث يعترف بأن الرجال والصبيان يمكن أن يغتصبوا أيضاً)، ويشير على نحو عام إلى اقتحام جسد الضحية، بما في ذلك عن طريق استخدام الأدوات أو الجنس القسري عن طريق الفم.

وفي لسان العرب: ورد ذكرُ الغصب، وهو أخذ مال الغير ظلماً وعدواناً. وفي الحديث أنّه غصبها نَفْسَها: أراد أنّه واقعها كرهاً، فاستعاره للجماع. وهذا المعنى الأخير هو الذي شاع استعماله حتى غلب في العرف فصار الإكراه على الجماع يسمى اغتصاباً. وعليه فإن الاغتصاب هو الإكراه على الزنا واللواط. والاغتصاب هو اتصال رجل بامرأة اتصالا جنسيا كاملا دون رضاها. ويطلق علي لفظ الاغتصاب في القانون المواقعة. وتتكون جريمة الاغتصاب من ثلاث أركان لابد من توافرهم حتى يمكننا القول بواقع جريمة اغتصاب وهم الاتصال الجنسي الكامل وانعدام رضا المجني عليها واتجاه إرادة المتهم لارتكاب الجريمة مع علمه بذلك. وهناك من يصف مجرد ملامسة الأنثى في بعض أجزائها الحساسة ودون رضاها هو عملية اغتصاب.


وتقول منظمة العفو الدولية انه لا يوجد تعريف قانوني دولي لما يشكل اغتصاباً، فهو يختلف من نظام قانوني جنائي إلى آخر. وتُعرِّف منظمة العفو الدولية الاغتصاب بأنه دخول جسم الإنسان \"الاتصال الجنسي\" قسرياً أو دون رضا صاحبه بواسطة القضيب أو أداة مثل هراوة أو عصا أو زجاجة.


تمثل المواقعة الركن المادي في جريمتي الاغتصاب والمواقعة بالرضا. وقد قدمت محكمة التعقيب التونسية تعريفا للمواقعة في القرار التعقيبي عدد 6417 الصادر بتاريخ 16 جوان 1969 (١&#1640، والذي بالرغم من كونه قدم تعريف للمواقعة بالرضا للاتحاد الجريمتين في هذا الركن وقد جاء في هذا القرار \"أن معنى لفظة المواقعة لا تنصرف بمجرد الفعل الفاحش ولا تقوم إلا إذا كان هناك وطئ بالمكان الطبيعي للأنثى وبطريق الإيلاج\".

وينجر عن هذا التعريف بروز اتجاهين لمفهوم المواقعة وهما المفهوم الضيّق والمفهوم الموّسع.
يتمثل المفهوم الأول في أنه لا يمكن الحديث عن مواقعة حسب فقه القضاء التونسي إلاّ متى وجد وطئ بالمكان الطبيعي من الأنثى وعن طريق الإيلاج.
إن هذا التعريف للمواقعة مع حصر الإيلاج في إدخال عضو الذكر من الرجل في فرج المرأة يعطي مفهوما ضيقا للمواقعة ويؤدي إلى نتائج تضييقية على مستوى الحماية خصوصا في جريمة الاغتصاب التي يتم فيها فعل الوقاع دون إرادة المجني عليها.
والجدير بالإشارة هو أن هذا التضييق في مفهوم الاغتصاب يؤدي مباشرة إلى التضييق في حماية الأشخاص ذلك أن حماية المتضرر ولاسيما إذا كان طفلا تقتضي توسيع مفهوم الاغتصاب ليشمل الذكر والأنثى مادامت الغاية النهائية هي حماية المجني عليه.
في حين أن الالتزام بالمفهوم الذي قدمته الدوائر المجتمعة للمواقعة يؤدي بنا إلى نتائج لا تخلو من تضييق لمجال الحماية وخصوصا وأنها تحصر الجاني في الذكر والمجني عليها هي دائما أنثى إضافة إلى كون الجريمة لا تقوم إلا متى وقع إيلاج عضو الذكر في فرج الأنثى.
يمكن محور الجدل بين الاتجاه التضييقي والاتجاه التوسيعي لمفهوم المواقعة في مدى اعتبار ممارسة الجنس بواسطة الدلك مواقعة أم لا. ففي حين يعتبره الشق الأول مجرد الاعتداء بفعل الفاحشة نظرا لغياب ركن الإيلاج فإن الشق الثاني التوسيعي يرى أن ممارسة الجنس مع الأنثى عن طريق دلك عضو الذكر بفرجها مواقعة لأن الدلك يستوجب بطبيعته إيلاجا ولو جزئيا بالفرج.
ومنذ ذلك التاريخ استقر فقه القضاء على هذا المفهوم للمواقعة وهو مفهوم تضييقي إلى أن صدر في 1996 قرار تعقيبي يمكن اعتباره تحولا في فقه القضاء وهو القرار عدد 50370 المؤرخ في 26 جوان (٢&#16321996 حيث اعتبرت محكمة التعقيب التونسية أن \"دلك العضو التناسلي للذكر بمستوى الفرج يترتب عنه حتما إيلاج ولو جزئي وتحصل معه جريمة المواقعة \". هذا القرار أعطى مفهوما جديدا للمواقعة شكّل تحولا في موقف كانت قد استقرت عليه منذ 27 سنة.
استمدت المحكمة حجية موقفها من الناحية العلمية ومن روح التشريع ذلك أنه وبالنظر إلى المفهوم الفني والعلمي للمواقعة يتضح أن التكوين البيولوجي للفرج يؤدي إلى أن دلك أي عضو بالفرج ينتج عنه إيلاج جزئي في البداية طالما أن تركيبة ذلك العضو الخلقية تجعل الشفتين البارزتين من الفرج تنتفخ لمجاملته بصورة آلية إلى ذلك العضو الدالك وتمكنه من الولوج وبالتأسيس على ذلك فإن دلك عضو التذكير من الرجل على فرج الأنثى سينتج عنه حتما إيلاج جزئي بالفرج.
في الواقع يقع إثبات الإيلاج بواسطة الفحص الطبي الذي إذا عاين تمزيقا في غشاء البكارة فإن ذلك يسهل عليه إثبات وقوع الإيلاج وذلك سواء كان التمزق كليا أو جزئيا وهذا ما ذهبت إليه محكمة التعقيب في قرارها عدد 180 المؤرخ في 17 جويلية 1976.
غير أنه في بعض الحالات وبالنظر إلى الخصوصية الفيزيولوجية للغشاء لا يتمزق بالرغم من حصول الإيلاج وهذا الغشاء هو الذي يصطلح على تسميته في الطب الشرعي ( الغشاء المجامل (un complaisant hymen) ).
وقد أثبت الطب الشرعي وجود هذا النوع من غشاء البكارة الذي له قابلية التمطط دون تمزق وأقرت محكمة التعقيب بهذه الإمكانية حيث اعتبرت في قرارها عدد 61971 المؤرخ في ماي 1995
أن جريمة مواقعة قاصرا برضاها متوفرة رغم أن الفحص الطبي أثبت أن بكارتها سليمة وقد جاء في هذا القرار أن المواقعة تصبح تامة الأركان مادام ثبت اتصال المتهم بالمجني عليها جنسيا بالإيلاج وبالمكان الطبيعي وهو أمر غير مرتبط بتمزيق غشاء البكارة وبالتالي نلاحظ أن سلامة غشاء البكارة لا يصح اعتباره دليلا على عدم حصول المواقعة فمن المسلم به في الطب الشرعي أن المواقعة قد تحدث دون حصول تمزق في غشاء البكارة ويذكر بعض علماء الطب الشرعي أنهم شاهدوا مومسات في الدعارة لسنوات وسيدات متزوجات دون أن يتمزق عنهن غشاء البكارة.



القصد الإجرامي:

يعتبر القصد الإجرامي الركن الثاني الذي تشترك فيه جرائم المواقعة والتعريف المتداول للقصد الإجرامي هو الذي يعرفه بكونه انصراف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع العلم بأركانها التي يتطلبها القانون وبالتأسيس على ذلك يمكن القول بأن القصد الإجرامي هو الشكل القانوني الذي تتخذه الإرادة الإجرامية(٢&#1636.
وينقسم القصد الإجرامي إلى نوعين: قصد إجرامي عام يتوفر في كل الجرائم ما عدى المخالفات والقصد الإجرامي الخاص وهو الذي ينتهي إليه المشرع صراحة.
وتستوجب جرائم المواقعة كغيرها من الجرائم في القانون التونسي توفر القصد الإجرامي من ناحية الجاني .
ففي خصوص جريمة مواقعة قاصر برضاها يجب أن تتجه نية الجاني إلى فعل المواقعة بمعني نيته إلى الاتصال الجنسي الطبيعي بالأنثى عن طريق إيلاج عضو الذكر منه في المكان المعد للوقاع في جسمها سواء كان ذلك من خلال إيلاج كلي او جزئي وهذا يعني أن الفعل الذي ينوي الفاعل أن يرتكبه في جريمة المواقعة بالرضا يجب أن لا يكون مجرد اعتداء بالفاحشة بل يجب أن يكون مكوّنا للركن المادي لجريمة المواقعة.
أمّا في خصوص القصد الإجرامي في جريمة المواقعة بدون رضا فقد يبدو الحديث عنه غريبا إذ المفروض أن هذا العنصر أمر بديهي، فمن الصعب أن نتصور شخصا يواقع أنثى غصبا بدون أن يكون متعمدا(٢&#1637 ولكن هذا الأمر قد يطرح إشكالا ذلك أنه حتى يتوفر القصد الإجرامي في حق الجاني يجب أن يرتكب هذا الأخير جريمته وهو متيقن من أنه يقوم بفعل غير مشروع وأن المرأة التي واقعها غير راضية بذلك.
يبقى إثبات توفر القصد الإجرامي من عدمه في جريمة المواقعة بدون رضا موكولا لتقدير المحكمة بالاعتماد على وقائع القضية وهذا ما ذهبت إليه محكمة التعقيب عندما اعتبرت أن القصد أو عدم القصد هي من الأمور الباطنة التي يسشفها أو يستنتجها القاضي في نطاق اجتهاده المطلق من ملابسات أو ظروف الواقعة لكن شريطة أن يكون استنتاجه قائما على أساس قانوني من الدلائل والقرائن التي تساعده على استنتاج القصد لدى الجاني(٢&#1638.
ولعل هذه المسألة لا تطرح بشكل أكثر صعوبة في خصوص موضوع اهتمامنا وهو وقوع هذه الجريمة على طفل. فالطفل أكثر تأثيرا من غيره من الأشخاص الطبيعيين فقد لا تكون مقاومته ظاهرة بشكل جلي ولكن ذلك لا يعد نابعا من إرادته بل يكون نابعا من شعور الخوف لديه. إلاّ أنه وبالنسبة للأطفال يمكن الاعتماد على قرينة تتراوح في قوّتها بتراوح سنّ الضحية كلما صغر سنّ الطفل كلما كان القصد الإجرامي لدى الجاني مفترضا، فلا يمكن بحال التعلّل بسوء فهم رضا طفل في الثانية عشر من عمره من عدمه بوقوع الفعل الجنسي عليه وإنما يظهر سوء نية الجاني من مجرد سنّ المتضرر.
هذا في خصوص الأركان المشتركة بين جرائم المواقعة فكما سبق بسطه تشترك جريمتي المواقعة بالرضا والاغتصاب في جزء من الركن المادي وهو ركن المواقعة إضافة إلى اتحادهما في وجوب توفر القصد الإجرامي في كليهما ولكن هذا الاتجاه في بعض العناصر لا يخفي عنا وجود الاختلاف بين الجريمين وسيتم التعرض إليه من خلال تناول العوامل المؤثرة في جرائم المواقعة.
الفقرة الثانية : العوامل المؤثرة في جرائم المواقعة : تمثل العوامل المؤثرة في جرائم المواقعة في المعطيات الواقعية والقانونية الخاصة بجريمة المواقعة والتي تعطيها خصوصية عن بقية الجرائم إضافة إلى كونها تميز بين جرائم المواقعة من حيث طبيعتها إن كانت جرائم مواقعة بالرضا أو مواقعة بدون رضا أي الاغتصاب وتنقسم العوامل المؤثرة إلى صنفين صنف مؤثر في تكييف الجريمة من أساسها (أ) وهي العوامل التي تؤسس لتكييف الجريمة كمواقعة بالرضا أو الاغتصاب وصنف لا يمس التكييف بل يشمل العقاب ( ب) فيؤثر فيه من حيث تراوحه بين الشدة والمرونة .


أ- العوامل المؤثرة في تكييف الجريمة :
يعتبر تكييف الجريمة أول مرحلة يمر بها الفعل الإجرامي عن التتبع فتسليط العقاب على من يأتي فعلا يجرمه القانون يستوجب إدخال الأعمال المرتكبة تحت طائلة نص من النصوص التي وضعها المشرع بشكل سابق لارتكاب الفعلة وذلك خضوعا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وهذا ما يصطلح بتسميه بعملية التكييف التي تتأثر بجملة من المعطيات الواقعية وهذا ينسحب على جميع الجرائم بما في ذلك جرائم المواقعة التي يتوقف تكييفها على مجموعة من المعطيات أهمها سن المجني عليها ومدى رضاها بوقوع الفعل الجنسي عليها .
يعتبر سن المتضررة في جرائم المواقعة من أهم العناصر المؤثرة في تكييف ذلك إذ آن هذه الجرائم تهدف أساسا إلى حماية الصغير خاصة منها جريمة المواقعة بالرضا التي وضعت خصيصا لحماية القصر والتي حدد مجال تطبيقها بعامل السن فجعل النص يطبق على القصر الذين لم يبلغوا بعد سن العشرين عاما.
بذلك يظهر أن المسألة الأساسية في جرائم المواقعة يجب ضبطها في بقية التفاصيل نظرا لما لها من تأثير على تكييف الجريمة وتحديد النص المنطبق عليها.
ففي جريمة المواقعة بالرضا يكون سن المتضررة أقل من عشرين سنة ذلك أن مواقعة أنثى برضاها سنها فوق العشرين لا يكون جريمة في القانون التونسي بإستثناء حالات البغاء أو الزنا. أما في خصوص الطفلة التي لم تتجاوز عمرها 10 سنوات فإن حصول المواقعة ولو تمت برضاها تغير وصف الجريمة فتحولها من جريمة مواقعة أنثى برضاها الخاضعة للفصل 227 مكرر إلى جريمة مواقعة أنثى بدون رضاها طبقا للفصل 227 الفقرة الثانية من نفس المجلة.
وبالنظر إلى ما حدده المشرع بشكل صريح في الفصول نجد أنه تحدث صراحة عن مواقعة البنت التي لم تبلغ العاشرة من ناحية، وتحدث بشكل عام عن الأنثى التي لم تتجاوز سن العشرين من عمرها وتكفل بحمايتها، وفي هذا المستوى يطرح إشكال حول وضعية البنت التي لم تبلغ العاشرة من ناحية، وتحدث بشكل عام عن الأنثى التي لم تتجاوز بعد سن الثالثة عشر فإذا ما واقع رجل طفلة سنها أكثر من 10 سنوات واقل من 13 سنة برضاها هل تعتبر جريمة مواقعة بالرضا أم لا ؟
بالرجوع إلى الفصل 227 مكرر من المجلة الجنائية نرى أن جريمة المواقعة بالرضا يمكن أن تقع على فتاة لم تبلغ سن الخامسة عشر بشكل مطلق على أن تعتبر الجريمة من قبل الجنايات الخطيرة ويتواصل هذا الفصل مع الفصل 227 من نفس المجلة فبقراءة متوازية لكلا الفصلين نجد أن مَن واقع أنثى سنها دون العاشرة وبرضاها يُعد مرتكبا لجريمة الاغتصاب على معنى الفقرة الثانية من الفصل 227 جنائي. وهذا يعني أن المشرع لم يشرط بالنسبة لمواقعة الطفلة التي لم تبلغ العاشرة من عمرها أن تكون المواقعة غصبا بل إنّ هذه المواقعة تُعد اغتصابا وتدخل تحت طائلة هذه الفقرة من الفصل 227 م ج حتى وإن كان المواقعة برضاها.
وبمواصلة الاطلاع على الفصل 227 جنائي في فقرته الأخيرة نجده ينص على أنه \"يعتبر الرضا مفقودا إذا كان سن المجني عليها دون الثلاثة عشر عاما كاملة\".
وهذا راجع إلى كون الصغير الذي لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره يُعد في القانون التونسي طفلا غير مميز وعدم التمييز يجعله قاصرا عن إبداء رضا صحيحا بالموافقة مما يجعل الجريمة الواقعة في حقه تنقلب من مواقعة بالرضا إلى جريمة المواقعة بدون رضا. وهذه القرينة غير قابلة للدحض وضعها المشرع حماية للطفل غير المميز من الإعتداءات الجنسية المرتكبة ضده.
بذلك يظهر أنّ للسنّ دور في غاية الأهمية في تكييف الجريمة بل لعلّه يمكن القول أنه معيار أساسي للتكييف في جرائم المواقعة على أساسه نميز بين جرائم المواقعة بالرضا وجرائم المواقعة بدون رضا حسب الجدول التالي :
سن الفتاة المتضررة تكييف الجريمة
طفلة اقل من العاشرة من عمرها جريمة المواقعة بدون رضا ( مشددة )
طفلة سنها أكثر من عشر سنوات واقل من الثالثة عشر جريمة المواقعة بدون رضا ( مجردة )
طفل جاوز الثالثة عشر واقل من الخامسة عشر جناية المواقعة بالرضا
قاصرا أكبر من الخامسة عشر من عمرها واقل من العشرين جنحة المواقعة بالرضا

ونجد معطى ثانٍ لا يقل أهمية عن عامل السنّ وهو رضا المتضررة بوقوع الفعل الجنسي عليها وهذا المعطي يعتبر أهم عامل في تأثيره على تكييف جرائم المواقعة فالرضا هو معيار تكييف الجريمة الواقعة على الطفل بكونها جريمة مواقعة بالرضا أو جريمة اغتصاب.
فإن لم يتوفر رضا المجني عليها بالفعل الجنسي الذي تتحمله مستجمعا شروط صحته يكون هذا الفعل قد وقع دون رضا المجني عليها ويكون بالتالي مشكلا لجناية الاغتصاب(٢&#1639 وأمّا إذا ثبت رضاها بهذا الفعل فإن الجريمة لا تدخل في إطار الاغتصاب المنظم بالفصل 227 جنائي وإنما تدخل في إطار الفصل 227 مكرر من نفس المجلة الذي يُعني بجريمة مواقعة أنثى قاصر برضاها وبالتالي فإن ركن الرضا هو الركن المميز بين جريمتي المواقعة بالرضا أو بدونه وهو الأساس المادي لتكييف هذه الجرائم.
ولكن ولئن كان هذا الركن واضح فإنه من أدق العناصر وأكثرها تشعبا إذ أنه في بعض الحالات يصعب على المحكمة معرفة ما إذا كان هذا الركن متوفرا أو منعدما وذلك خاصة في جريمة الاغتصاب لأنه غالبا ما ترتكب الجريمة في ظروف غير واضحة وقد تتضارب الادعاءات والتصريحات وتنعدم وسائل الإثبات والإقناع أو تكاد فيصبح الكشف عن الحقيقة عسيرا خاصة وأن الأحكام الجزائية ينبغي أن تبنى على الجزم واليقين(٢&#1640. لذا يجب قبل كل شيء، وحتى يتسنى التكييف، التأكد من وجود رضا المجني عليها من عدمه.
ويرجع تقدير وجود الرضا أو انعدامه إلى محكمة الموضوع التي تعلل استنتاجها بالوقائع المطلع عليها بأوراق الملف هذا ما أقرته محكمة التعقيب وأكدت عليه في مناسبات عدّة من ذلك القرار التعقيبي عدد 9805 بتاريخ 13/11/1979 الذي جاء فيه \"يرجع تقدير توّفر ركن الإكراه من عدمه لاجتهاد محكمة الموضوع المطلق ولا رقابة عليها في ذلك محكمة التعقيب مادام حكمها معللا تعليلا سابقا قانونا أو مأخوذا من واقع الأوراق\"(٢&#1641.
وهكذا يظهر أن فقه القضاء في تونس قد استقر على إسناد مهمة تقدير وجود الرضا من عدمه إلى محكمة الموضوع غير انه و في هذا المستوى يجب ابداء ملاحظتين:
أولا : إن المشرع قد وضع قرينه على انعدام الرضا في جرائم المواقعة تتمثل في استعمال العنف ضد المجني عليها أو استعمال السلاح أو التهديد به.
ثانيا : قرينة السن فقد حاول المشرع التونسي تركيز حماية للطفل الذي لم يبلغ بعد سن الثالثة عشر وهي سنّ التمييز نظرا لكون هذا الطفل هو طفل غير مميز فإن المشرع لم يأخذ برضاه واعتبر الرضا الصادر عنه بمثابة المعدوم ومواصلة في الاتجاه الحمائي للطفل وضع المشرع التونسي إطار خاصا للطفلة إذ لم تبلغ بعد العاشرة من عمرها فجعل مواقعتها جناية اغتصاب مشددة يعاقب عليها بالإعدام حتى ولو لم يستعمل ضدها وسائل العنف أو التهديد.
ب- العوامل المؤثرة في العقاب:
يتأثر العقاب في جرائم المواقعة بجملة من المعطيات المادية والمتمثلة خاصة في سنّ المجني عليها والوسائل المستعملة للإكراه في جريمة الاغتصاب وصفة الجاني وخاصة بالنسبة لجريمة المواقعة بالرضا بزواج الجاني من المجني عليها.


سن المجني عليها :
يعد سن المجني عليها في القانون التونسي عاملا مؤثرا في العقاب بالنسبة لجرائم المواقعة، ذلك أن المشرع جعل منه معيارا للعقوبة التي تزيد شدّة كلما صغر سنّ المجني عليها.
والفصل 227 من المجلة الجنائية خلق درجتين في العقاب مؤسسة على سن المتضررة فجعل العقوبة المقررة للاغتصاب الإعدام إذا ما كان سن المجني عليها اقل من 10 سنوات ولو وقعت المواقعة بدون استعمال العنف. أما في خصوص المواقعة بالرضا على طفل يتجاوز الثالثة عشرة من العمر فإن الفصل 227 مكرر قد التجأ إلى تقصي السياسة التدريجية حسب العمر الذي تكون عليه المتضررة وقت ارتكاب الجريمة. فجريمة مواقعة أنثى برضاها قد تكون جناية موجبة للعقاب بالسجن مدة 6 أعوام وإذا كان عمرها فوق الخامسة عشرة ودون العشرين سنة كاملة فهي جنحة والعقاب المستوجب هو السجن 5 سنوات والمحاولة موجبة للعقاب(٣&#1632.


استعمال العنف أو السلاح أو التهديد به في جريمة الاغتصاب:
اقر الفصل 227 من المجلة الجنائية عقوبة الإعدام لكل من واقع أنثى غصبا استعمال العنف أو السلاح أو التهديد به وبالتالي فقد أُعتبر استعمال هذه الوسائل ظرفا مشددا للعقاب ينتقل به من السجن بقية العمر إلى الإعدام لكن المشرع التونسي لم يعرّف العنف ولم يعطي تعريفا شاملا للسلاح بالمجلة الجنائية.
فأما بالنسبة للعنف فقد أكد الفصل 227 المذكور على استعمال العنف وهذا يعني أن العنف يجب أن يسلط على ذات المتضررة وهكذا فإنه لا يمكن الاكتفاء بمجرد التهديد بإستعمال العنف ففي هذه الحالة إذا ما واقع رجل امرأة مهددا باستعمال العنف فإن هذه الجريمة تدخل ضمن الفقرة الأولى من الفصل 227 م.ج.
ولكن ما الذي قصده المشرع التونسي بمصطلح العنف ؟
لم يحدد المشرع اتجاهه بوجه صريح غير أنه وبالاطلاع على مختلف الفصول في المجلة الجنائية والمتحدثة عن العنف نجد أن المجلة تميز فقط بين العنف الخفيف والعنف الشديد وجاء اللّفظ فيها شاملا. فمفهوم العنف في الفصل 218 م.ج مثلا هو مفهوم واسع يجمع في كنهه كل اعتداء بالقوة مسلط مباشرة على جسد المجني عليه سواء خلّف له كدوما أو جروحا أو رضوضا. وهذا المفهوم نفسه ينطبق على العنف في جرائم المواقعة.
أما السلاح فإن المشرع لم يفرض استعماله بل إنه تجاوزه حتى إلى مجرد التهديد به وذلك لما يدخله من خوف وهلع في نفس المتضرر خصوصا ونحن نعلم هشاشة نفسية الطفل فإذا كان التهديد بالسلاح يريع الراشدين من الناس فما بالك بالأطفال وقد أورد المشرع تعريفين للسلاح واردين في فصول خاصة وهي أولا حالة العصيان المدني بالفصل 116 م جنائية وحالة السرقة بالفصل 270 من نفس المجلة.


صفة الجاني كظرف مستند في جريمة المواقعة الرضا :
تشكل صفة الجاني في جريمة المواقعة بالرضا ظرف تشديد في القانون التونسي حيث نصّ الفصل 229 م.ج على أنه \" يكون العقاب ضعف المقدار المستوجب إذا كان الفاعلون للجرائم المشار إليها الفصل 227 مكرر من أصول المجني عليه من أي طبقة أو كان لهم السلطة عليه أو كانوا معلميه أو خدمته أو جراحيه أو أطباء الأسنان أو على الاعتداء بإعانة عدة أشخاص\".
وقد أورد المشرع قائمة حصرية لا يمكن التوسع فيها في الصفات التي تعبر ظرف تشديد للعقوبة إذا ما توفرت في الجاني .
ويكمن سبب هذا التشديد في كون هذه الصفات يمكن أن تسهل على الفاعل عمله أكثر من غيره باعتبار أنها صفات يمكن أن تأثر في نفس الضحية وتجعلها تخشى عاقبة الرفض والمقاومة إذ هي لم تستسلم متظاهرة بالرضا الزائف(٣&#1633. وبذلك إذا ما ارتكب احد هؤلاء جريمة المواقعة بالرضا فان العقاب المسلط عليه يتحول من ستة أعوام إلى اثني عشر عاما سجن إذا كان سن المجني عليها دون خمسة عشر عاما كاملة ومن خمسة أعوام إلى عشر سنوات سجنا إذا كان سن المجني عليها أكثر من الخامسة عشر واقل من العشرين عاما والصفات التي نص عليها المشرع هي :
أصول المجني عليها؛
من له سلطة على المجني عليها؛
صفة المعلم؛
من تربطهم علاقة خدمة بالمجني عليها؛
صفة الطبيب وطبيب الأسنان.
لقد أجمعت اغلب التشاريع على تجريم الاغتصاب والمحاولة في جرائم الاغتصاب ولكن هذا الاتجاه التجريمي للمحاولة في إطار المفهوم الموسع لعنصر البدء في تنفيذ الجريمة لا يخفي صعوبة البت في مسألة اتجاه نية الجاني الحقيقية إلى ارتكاب المواقعة فقد تختلط الأمور أحيانا ويبدو التمييز عسيرا بين جريمة محاولة مواقعة أنثى بدون رضاها وجريمة الاعتداء بفعل الفاحشة وهي النوع الثاني من الجرائم الجنسية المباشرة التي تسلط على جسد الطفل.
المبحث الثاني : المحاولة في جرائم المواقعة
جرّم المشرع التونسي الاعتداء بالفاحشة في الفصول 228 و228 مكرر من المجلة الجنائية المنقحين بالقانون عدد 93 لسنة 1995 المؤرخ في 9 نوفمبر 1995، وقبل التنقيح كان الفصلان يعاقبان كل اعتداء بالفاحشة على طفل لم يبلغ الخامسة عشر من عمره ولكن انسجاما مع التزاماته الدولية المتمثلة في المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل وإصداره لمجلة حماية الطفل أولى المشرع التونسي تنقيح الفصلين المذكورين بالترفيع في سن الحماية المشددة من خمسة عشر عاما إلى ثمانية عشر عاما(٣&#1634* ذلك أن الغاية من الفصلين هو حماية الطفل من الجرائم الجنسية المرتكبة ضده وبما أن سن الطفولة حدد في الثمانية عشر فانه من البديهي أن ترفع الحماية إلى هذه السن تدعيما للحماية المخصصة للطفل .
وفي هذا الإطار سنتعرض في فقرة أولى إلى جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة وفي فقرة ثانية إلى العقاب الذي يتطلبه هذا الاعتداء.


الفقرة الأولى : جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة
لم يعرف المشرع التونسي جريمة الاعتداء بالفاحشة بل اكتفى بوضع النص التجريمي شأنه في ذلك شأن أغلب التشاريع الأجنبية وهذا ما دفع فقه القضاء للسعي إلى وضع مفهوم خاص لهذه الجريمة وفي هذا السياق صدر قرار عن الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب تحت عدد 6417 مؤرخ في 16 جوان 1969 جاء فيه \" الفعل الفاحش الذي جاء بعقابه الفصل 228 قانون جزائي هو كل فعل مناف للحياء يقع قصدا أو مباشرة على جسم الذكر والأنثى أو على عورتهما\"(٣&#1635. وهذا الاتجاه ليس بجديد فلطالما أقرته محكمة التعقيب قي قرارات سابقة(٣&#1636 لقرار الدوائر المجتمعة وهو أيضا سارت عليه في قراراتها اللاحقة(٣&#1637.
وبالتأسيس على هذا التعريف الذي استقر عليه فقه القضاء يمكن لنا استنتاج أركان جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة (أ) غير أن هذه الجريمة هي جريمة قصدية ولا توفر إلا بتوفر القصد الجنائي لدى الجاني (ب) .


أ - أركان جريمة الاعتداء بالفاحشة :
تقوم جريمة الاعتداء الفاحشة على ركنين أساسيين هما :
-الركن الأول وهو توفر الفعل الفاحش؛
-الركن الثاني يمثل في وجود رضا المجني عليه أو انعدامه.


الركن الأول : الفعل الفاحش :
من خلال تعريف فقه القضاء للجريمة بأنها كل فعل مناف للحياء يقع قصدا أو مباشرة على جسم ذكر أو أنثى أو على عورتهما، يمكن تحديد طبيعة الأفعال المكوّنة لجريمة الاعتداء بالفاحشة بالإضافة إلى تحديد أطرافها، فالفعل الفاحش يسلط على جسد المجني عليه مباشرة فيخدش عاطفة الحياء عنده(٣&#1638. ومن الضروري أن يكون في الفعل مساسا بجسم المتضرر وهذا ما يميز جريمة الاعتداء بالفاحشة عن غيرها من الجرائم الجنسية حتى أن محكمة التعقيب التونسية ذهبت في هذا الاتجاه بقرارها عدد 50370 المؤرخ في 26 جوان 1996 عندما رأت أنه يكفي لقيامها مجرد \"اللمس والتلمس\". غير أنه يجب الإشارة إلى أن هذا المساس يجب أن يكون فيه خدش لعاطفة الحياء عند المتضرر(٣&#1639 وبالتالي فإن عنصري المساس بالجسم وخدش الحياء هما عنصرين متكاملين لا تتوفر دونهما الجريمة.
هكذا وقد اجمع الفقهاء على أن الفعل المكوّن لجريمة الفاحشة يجب أن يكون ماسا بعرض المتضرر حتى أن هذه الجريمة تُسمى في أغلب البلدان العربية بجريمة هتك العرض وقد اعتمد فقه القضاء معيارا لتحديد ماهية هذا الفعل فلجأ أولا إلى معيار العورة، ونظرا لما للعورة من أهمية في تحديد أركان جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة فإنه وجب تحديد مفهوم العورة.
العورة لغة جمع عورات وهي مكمن السرّ وكل أمر يستحى منه وهي أيضا كل شيء يستره الإنسان من أعضائه أنفة وحياء.
وحاول فقه القضاء التوسع في تقدير الأفعال الداخلية في الاعتداء الفاحشة فلم يكتفي بلمس العورة بل تجاوز ذلك إلى اعتبار حتى الكشف عنها.
وزيادة في التوسع وبهدف مزيد حماية المتضررين خصوصا الأطفال منهم اعتبر فقه القضاء أن الفعل المنافي للآداب الذي يمتد إلى جسم المجني عليه ويخدش حيائه يعد اعتداء بفعل الفاحشة ولو لم يقع الفعل على عورته. وهكذا اكتفت محكمة التعقيب بعنصر المساس بجسم المتضرر وعنصر الإخلال بالحياء وترك أمر تقدير إخلال الفعل بالحياء إلى قاضى الموضوع كي يحدد مستعينا بجميع الظروف التي ارتكب فيها الفعل ما إذا كانت درجة إخلاله بالحياء جسيمة وترتقي به إلى أن يكون هتك عرض (اعتداء بالفاحشة) أم يسيرا فتبقيه فاضحا.
كل هذا السعي في توسيع مجال جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة الغرض منه حماية المتضررين من مثل هذه الجريمة خصوصا منهم الأطفال لعجزهم عن تقدير قيمة الاعتداء المسلط عليهم وتأثيره في نفسيهم بما قد يُصيبهم باضطرابات نفسية مستقبلا.
ولكن مسألة وقوع الفعل على الأطفال يطرح إشكالا غاية في التعقيد وهو كيفية التوّصل إلى حقيقة الفعل المسلط عليهم. فمن ناحية أولى قد لا يبلّغ الطفل خصوصا إذا ما كان في سن مبكرة والديه بما حصل له إما خوفا أو خجلا أو لعدم تفطنه لقيمة الفعل في حد ذاته.
هذا من ناحية أما من ناحية ثانية فان الإشكال يصبح أكثر تعقيدا إذا ما كان الجاني هو نفسه احد الأبوين أو الوليّ أو شخص ذي سلطة على المتضرر. لذلك فإن العدالة قد تحتاج إلى مساعدة من الأفراد والمؤسسات الصحية ليبلغها مثل هذه الاعتداءات لذا كرّس المشرع التونسي واجب الإشعار. وحماية على كل من يبلغ إلى علمه تعرض طفل إلى مثل هذه الاعتداءات.
وبالنظر إلى ما لمثل هذه الاعتداءات من تأثيرات جسيمة على نفسية الطفل وسلامته الجسدية وجب بذل العناية اللازمة للتوسيع من مجال الحماية سواء إن كان ذلك من خلال تحديد مفهوم الفعل المكوّن لجريمة الاعتداء بفعل الفاحشة أو من خلال سن القوانين اللازمة وبعث الهيئات والمصالح الخاصة لحماية الأطفال من مثل هذه الاعتداءات الجنسية عليهم .


الركن الثاني الرضا :
يميز المشرع التونسي بين الاعتداء بالفاحشة بدون رضا المجني عليه والاعتداء بالفاحشة بدون قوّة وذلك منذ تنقيح 9 نوفمبر 1995 بموجب القانون عدد 93 لسنة 1995.
فقد نص الفصل 228 من المجلة الجنائية على أنه \"يعاقب السجن مدة 6 أعوام لكل من اعتدى بالفاحشة على شخص كان ذكرا أم أنثى بدون رضاه\". فأساس التجريم بالنسبة لهذه الجريمة هو حصولها دون إرادة المتضرر فيها والهدف إذن هو حماية الحرية الجنسية للأشخاص. فما المقصود بعبارة بدون رضاه ؟
حتى يعتبر الرضا معمولا به يجب أن يكون صحيحا مستوفيا لجميع شروطه التي من أهمها أن يكون الشخص مميزا فإذا ما كان الرضا معيبا اعتبر منعدما وبالتالي يصير الفعل مرتكبا بدون إرادة المجني عليه ويمكن لانعدام الإرادة أن يكتسي مظهرا آخر كأن يسلط الفعل على جسد المجني عليه باستعمال العنف سواء أن كان عنفا ماديا أو معنويا وفي كل الأحوال يعد عنفا كل ما من شأنه أن يخلّ برضاء المجني عليه ولو كان إكراها أدبيا.
وعلى كل حال فإن تقدير انعدام الرضا هو من مشمولات محكمة الموضوع تستشفه من وقائع القضية وملابسات تنفيذ الفعل وعليها تأييد استنتاجها بقرائن وأدلة من الملف وهذا ما ذهبت إلى إقراره محكمة التعقيب في عدة قرارات منها القرار عدد 9805 المؤرخ في 13/11/1975 والذي جاء فيه \"إن تقدير ركن الإكراه من عدمه يرجع لاجتهاد محكمة الموضوع المطلقة ولا رقابة عليها في ذلك لمحكمة التعقيب مادام حكمها سائغا قانونا ومأخوذا من واقع الأوراق\".
ومن بين العناصر التي يستدل بها على انعدام الرضا في جريمة الفاحشة آثار العنف العالقة على جسد المتضرر أو ثبوت تهديده بواسطة السلاح إلى غير ذلك من الوسائل الدالة على العنف المادي ولكن قد يحصل اعتداء دون عنف مادي ويعتبر رغم ذلك اعتداء بالفاحشة بدون رضا من ذلك حالات العته أو السكر أو النوم أو المفاجأة وفي كل الحالات يبقى تقدير الإكراه من مشمولا قاضي الموضوع.
وتجدر الإشارة إلى صعوبة إثبات الإكراه في حالة الإكراه المعنوي حيث أنه في هذه الحالة قد لا يكون بإمكان الضحية تقديم دليل على وجوده فتصبح المواجهة بين ادعاء المتضرر وإنكار الجاني.
وهكذا نستنتج أن جريمة الاعتداء بالفاحشة على طفل بدون رضاه تكون قائمة كلّما توفر عنصر الإكراه سواء في شكله المادي أو المعنوي أو المفاجأة أو استغلال حالات الجنون أو العته أو السكر أو عدم التمييز التي يكون عليها المتضرر.


ب- توفر القصد الإجرامي :
تُعتبر جريمة الاعتداء بالفاحشة جريمة قصديه لا تتوفر إلا بتوفر القصد الإجرامي لدى الجاني ويتمثل هذا القصد في علم الجاني أنه يرتكب فعلا مخلا بالحياء إما على طفل دون الثامنة عشر من عمره أو على أيّ شخص دون رضاه ولا يهم في القصد الإجرامي الغاية التي يهدف الجاني إلى تحقيقها من خلال إتيانه للفعل الفاحش.
فأمّا بالنسبة لانصراف نيّة الجاني إلى ارتكاب الفعل الفاحش فإنه قد يصعب أحيانا تصور وقوع الاعتداء بفعل الفاحشة عن غير قصد وهذا ما أدى ببعض الفقهاء إلى القول أنه متى كان الفعل في حد ذاته مخل بالحياء افترض علم الجاني بذلك ولا يقبل منه إثبات عكسه .
ولعله يمكن القول أن في هذا الموقف شطط إذ أن الجريمة هي جريمة قصدية يجب إثبات العمد في ارتكاب الفعل وطالما أن المبدأ في الإنسان هو سلامة النية فانه يجب إثبات سوء النية لدى الجاني ولكن قد يمكن استنتاج التعّمد من خلال جسامة الفعل المرتكب فلا يعقل أن يقوم شخص بإيلاج إصبعه أو ذكره في دبر شخص آخر وأما في خصوص التفرقة بين العمد والدفع فإن الدافع لا قيمة له في إثبات قيام جريمة الاعتداء بالفاحشة حيث أنه صحيح أن الأصل في مثل هذه الاعتداءات يكون هدف الجاني هو تحقيق اللذة الجنسية لكن تغيير الهدف إلى الناحية الانتقامية أو التنكيل لا ينفي في شيء قيام الجريمة من ذلك أن محكمة التعقيب رأت في قرارها عدد 756 المؤرخ في 16 جوان 1976 أن الكشف عن عورة المجني عليه ودلك دبره بكمية من الهندي يشكل جريمة اعتداء بالفاحشة بما فيه من مس بالكرامة وخدش بالمروءة(٤&#1635.وفي نفس الاتجاه سار فقه القضاء الفرنسي الذي اعتبر أن الاعتداء بالفاحشة قائم في صورة تعمد لمس الأعضاء التناسلية أثناء معركة نسائية.
وهكذا يمكن القول أن جرائم هتك العرض هي من الجرائم العمدية المقصودة فهي لا تقع خطأ لذا يتوفر فيها القصد الإجرامي العام بعنصريه العلم والإرادة فيجب أن يكون الجاني عالما أنه يقوم بهتك عرض شخص وعلى الرغم من ذلك فإنه يقوم بارتكاب فعله بإرادته الحرة وباختياره(٤&#1637 فمن لمس عورة غيره عن غير قصد أثناء الزحام في الشارع مثلا لا يعتبر مرتكبا لجريمة الاعتداء بالفاحشة نظرا لغياب الركن القصدي لديه(٤&#1638.


الفقـرة الثـانية: الــعقــاب :
لقد أفرد المشرع التونسي لكل من جنحة الاعتداء بفعل الفاحشة أو جناية الاعتداء بفعل الفاحشة على طفل لكل منهما عقاب خاص ثم اعتمد ظروف التشديد على جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة على طفل(ب).


أ- العقاب المخصص لكل من جنحة وجنايةالاعتداء بفعل الفاحشة على طفل
الجنحة :
ينص الفصل 228 مكرر من المجلة الجنائية على أن كل اعتداء بفعل الفاحشة على طفل لم يبلغ من العمر 18 عاما كاملة يعاقب بالسجن لمدة خمسة أعوام \"خصص المشرع التونسي عقوبة قدرها خمس سنوات لكل اعتداء على طفل بدون استعمال القوة وذلك بغرض حمايته من مثل هذه الممارسات ولم يستعمل المشرع عبارة \"برضاه\" في الفصل. فالفعل الفاحش المسلط على الطفل لا يلزم فيه أن يكون قد تم برضاء الطفل بل يكفي أن يكون قد سًلّط عليه دون استعمال القوة ذلك أن استعمال وسيلة من وسائل العنف يجعل الفعل يدخل تحت إطار الفصل 228 فقرة ثالثة.
ولم ينفرد المشرع التونسي في تجريم الاعتداء بفعل الفاحشة على الأطفال وتخصيص عقاب صارم لمرتكبيه. فالمشرع الفرنسي خصص عقابا بالسجن لمدة سبعة سنوات مع خطية مالية قدرها 700 ألف فرنك فرنسي لكل مرتكب لجريمة الفاحشة على طفل وذلك صلب الفصل 222/29 من المجلة الجزائية الفرنسية.
ولم يعتمد المشرع التونسي سياسة التدرج في تشدد العقوبة على أساس السن بل حدد سنا للحماية هي الثامنة عشر وعاقب كل اعتداء على من هو دون هذه السن بدون قوة بعقاب سجني موّحد هو خمس سنوات ولكن التطبيق القضائي تولى هذه المهمة بأن تدرج بالعقوبة بحسب الحالات والقضايا ووقائع كل جريمة وهو لا يتوانى على التشدد كلما صغر سنّ المجني عليه من ذلك الحكم الابتدائي عدد 2262 الصادر في 21/12/2001 عن المحكمة الابتدائية بتونس والقاضي بسجن المتهم لمدة أربعة سنوات لاعتدائه على طفلة بالفاحشة دون قوة.
وقد تمثلت وقائع القضية في أن المتهم استدرج البنت المتضررة وعمد إلى دلك ذكره بين فخذيها مما أدى إلى احمرار على مستوى جهازها التناسلي وانجر عن هذه العملية أيضا صدمة نفسية للطفلة المجني عليها. وأمّا إذا أما استعمل الجاني القوة فإن الجنحة تتحول إلى جناية.
الجـناية :
ينص الفصل 228 من المجلة الجنائية على عقاب الاعتداء بالفاحشة ويرفع العقاب إلى اثني عشر عاما إذا كان المجني عليه دون الثامنة عشر عاما كاملة.
ويظهر من خلال العقاب المخصص لهذه الجريمة التشديد الذي لجأ إليه المشرع لردع استغلال ضعف الأطفال لإجبارهم رغما عن إرادتهم على قبول تسليط الفعل الفاحش على أجسادهم ومن أهم العناصر المكونة لهذه الجريمة هي انعدام الرضا وسن المجني عليه.
وقد ذهب التشريع الأردني من جهة إلى تجريم هتك العرض بالقوة أو العنف أو التهديد فنصت المادة 296 /1/2 من قانون العقوبات الأردني على هذه الجريمة بما يلي: \"كل من هتك بالعنف أو التهديد عرض إنسان عوقب بالأشغال الشاقة مدّة لا تنقص عن أربعة سنوات ويكون الحد الأدنى للعقوبة سبع سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشر من عمره\" .
وعلى خلاف المشرع التونسي حدد المشرع الأردني حالات العقاب في هتك الأعراض بالقوة أو العنف أو التهديد. وينصرف لفظ العنف إلى الإكراه المادي الذي يقع على المجني عليه أما لفظ التهديد فيعني الإكراه المعنوي وقد أجمع القضاء والفقه في الأردن وفي مصر على نطاق جريمة هتك العرض التي تشمل جميع الحالات التي يُرتكب فيها الفعل بدون رضا صحيح من المجني عليه.
وفي هذا الاتجاه سارت محكمة التعقيب الفرنسية بأن اعتبرت الجريمة تقوم بإتيان فعل مخل بالحياء على شخص المجني عليه ضد إرادته سواء من ذلك أن يكون مصدر انعدام رضاه إكراها ماديا أو معنويا أو أية وسيلة إكراه أو مباغتة يبلغ بها الجاني غايته.
وعلى كل فإن المشرع التونسي إعتمد لفظ \"بدون رضاه\" وهذا اللفظ أكثر شمولية فهو يعني كل الحالات التي يغيب فيها رضا الطفل أو يكون غير صحيح.
المصادر:
http://www.amanjordan.org/english/index.htm1-


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 5646



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


اعدادأ/ محمود عبدالعليم
تقييم
2.54/10 (53 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة العلوم الاجتماعية www.swmsa.net

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |راسلنا | للأعلى
get firefox
Copyright © 2014 swmsa.net - All rights reserved