في
الخميس 24 يوليو 2014

جديد الصور
جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو

سعودي عقار

المقالات
المقالات العلمية
التجربة السوسيولوجية في الجزائر

التجربة السوسيولوجية في الجزائر
04-27-2012 12:07 AM

عنوان المقال:


التجـــربة السوسيولوجية في الجزائـــر


إعداد الأستاذ: بن عودة محمد
المركز الجامعي خميس مليانة
قسم العلوم الاجتماعية
البريد الإلكتروني:benouda1@live.fr








2011/2012
مقدمة:
ظهر علم الاجتماع في القرن الرابع عشر على يد العلامة العربي المسلم عبد الرحمن ابن خلدون الذي عاش في الشمال الإفريقي خلال القرن الرابع عشر، وبدأت ملامح هذا العلم تتشكل عنده لما بحث في أحوال المجتمعات الإنسانية في ذلك الوقت والتي كانت تعيش في الشمال الإفريقي وحلل خصائص ومميزات كل مجتمع كالعرب والبربر وبني ميزاب والبدو والحظر وتطرق بالتحليل المفصل إلى أسباب رقي بعضها وانحطاط البعض الآخر،كما درس بعض الأنماط السلوكية التي تميز كل مجتمع كالعصبية والخشونة والإغارة..التي كانت تميز بعض المجتمعات البدوية دون غيرها، وتوصل إلى نتائج عظيمة في هذا الشأن وأراد أن يضع القوانين التي تتحكم في ازدهار الحضارات ثم اندثارها عبر مر الأزمنة أو كما سماه "دورة الحياة" وبهذا الموضوع والمنهج المتميز أسس علما قائما بذاته سماه بعلم العمران البشري، ونجد الآن الكثير من النظريات الحديثة قد توصلت إلى نتائج كان هو قد توصل إليها قبل 5 قرون مضت، وبالتالي يعد ابن خلدون أول من أنشأ هذا العلم وهذا ما نفتخر به نحن العرب، بل الذي يجب أن نفتخر به أكثر نحن الجزائريين هو أن معظم الدراسات التي أقامها ابن خلدون كانت في المجتمعات الجزائرية، بل وحتى كتابه الشهير الموسوم: "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر من أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" كتبه في الجزائر وبالتالي حديثه عن المجتمعات في ذلك الوقت كان المقصود منه المجتمعات الجزائرية.
وإذا تكلما الآن عن التجربة السوسيولوجية في الجزائر فإننا نتحدث عن أقدم تجربة سوسيولوجية في التاريخ حيث كنا السباقين إلى هذا العلم الذي وضعه ابن خلدون وأسقطه على المجتمعات الجزائرية، ثم مع مرور السنين والأزمنة شهدت الجزائر أحداث كثيرة شكلت منعطفات حاسمة في سيرورة هذا العلم في الجزائر رغم أنه لم يصلنا منها إلا الشيء القليل بسبب الاحتلال الفرنسي للجزائر طيلة قرن و30 سنة حيث قام بإعادة دراسة كل أحوال المجتمع الجزائري ولكن خدمة للكولونيالية الفرنسية من أجل بسط سيطرته على المجتمع الجزائري بنفس العلم الذي درس به ابن خلدون المجتمعات القديمة غير أن اسمه فقط هو الذي تغير من علم العمران البشري إلى علم الاجتماع.
مراحل سيرورة علم الاجتماع في الجزائر
على الرغم من أن ابن خلدون يعد السباق إلى إنشاء علم الاجتماع تحت اسم علم العمران البشري في القرن الرابع عشر إلا أن الكثير من الجاحدين رفضوا الاعتراف بذلك وانسبوه إلى العالم الفرنسي أوغست كونت الذي تحدث عن نفس العلم ولكن جاء متأخرا بأربعة قرون كاملة، وسماه باسمه الجديد Sociologie وذلك بين سنتي 1830-1843 عندما كان يلقي سلسلة من المحاضرات في تلك الفترة(1،ص59)، بهذا أسس أوغست كونت علم الاجتماع الذي جاء متزامنا مع الاحتلال الفرنسي للجزائر ودخل هذا العلم إلى الجزائر في فترة الاستعمار الفرنسي مع العديد من الباحثين والسوسيولوجيين الكلونياليين ليس من أجل تنوير الشعب الجزائري بهذا العلم، بل لخدمة المطامع الاستعمارية الفرنسية وبسط الاحتلال الفرنسي عبر ربوع البلاد وهذا ما يطلق عليه اسم السوسيولوجيا الكلونيالية.
المرحلة الأولى: السوسيولوجيا الكلونيالية:
السوسيولوجية الكلونيالية هي تلك الدراسات والأعمال التي أجريت خلال المرحلة الاستعمارية في الجزائر والتي عملت على دراسة المجتمع الجزائري والتنقيب في بناياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وذلك محاولة منها لفهم الميكانيزمات التي تتحكم في البنى الاجتماعية والثقافية سواء لخدمة الإيديولوجيا الكلونيالية أو لخدمة البحث العلمي(2،ص7)، إذ عملت السلطات الفرنسية على دراسة البناء الاجتماعي للشعب الجزائري والتنقيب عن مواطن القوة ومواطن الضعف في هذا البناء عن طريق جيش من العملاء والباحثين السوسيولوجيين والانثروبولوجيين والضباط والأكاديميين وذلك بغية تفكيكه ومحو مقوماته الروحية والوطنية وزرع الأفكار الهدامة بأن الجيش الفرنسي لا يقهر وزرع البدع والخرافات وانتهاج سياسة التجهيل لأن الاستعمار الفرنسي كان يدرك أن الشعب الجزائري لا يمكن هزمه إلا من خلال هدم بنائه الاجتماعي وهذا ما حصل حيث قامت السلطات الفرنسية بدراسة كل المقومات الروحية والدينية والوطنية والثقافية من عادات وتقاليد مستمدة من أصالة الشعب الجزائري الذي كان متعاونا ومتآزرا ومترابطا بثقافته وهويته وشخصيته القومية الوطنية دون إقصاء فالعربي والقبائلي والمزابي والترقي كلهم ينتمون تحت راية الإسلام والعروبة، وفرنسا أدركت أن هذا هو موطن القوة في الشعب الجزائري فقامت بتفكيك تلك الروابط من خلال الإيقاع بين العروش والقبائل حتى يتناحروا فيما بينهم وينصرفوا عن عدوهم ليستمر في سياسته الاستعمارية، والأخطر من ذلك هو محاولتها محو الهوية الإسلامية التي تعتبر أقوى عدو للاستعمار لأنه يفرض الجهاد ضد الأعداء، ولكي تصرف الشعب الجزائري عن الجهاد قامت باستغلال رجل يدعي الإسلام من السعودية بإصداره فتوى موجهة إلى الشعب الجزائري تحرم محاربة الاستعمار الفرنسي لأنه جيش قوي مجهز بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة والجزائريين لا يملكون سوى العصي والسيوف وإذا حاربوه سوف يلقون بأيديهم إلى التهلكة والمولى عز وجل قد حرم ذلك في كتابه الكريم "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" وعملت السلطات الفرنسية على نشر تلك الفتوى في أوساط المجتمع الجزائري وبالتالي نجد أن السياسة السوسيولوجية الكلونيالية قد نجحت إلى حد ما حيث أخرت استقلال الجزائر إلى أكثر من قرن و30 سنة .
غير أنه في الحقيقة لم تكون كل الدراسات السوسيولوجية في الحقبة الكولونيالية موجهة لخدمة مصالح الاستعمار فقط بل منها من كانت دراسات سوسيولوجية أكاديمية بحتة قام بها مجموعة من الباحثين الأكاديميين الذين قاموا بدراسات جادة في هذا المجال، ومن بين الدراسات السوسيولوجية الجادة نذكر ما قام به عالم الاجتماع "جاك بيرك"Jacques Berque وهو من مواليد 1910 وتوفي سنة 1995 وترك ما يزيد عن 43 مؤلف وما يقارب 200 مقال ورغم قيامه بمهام في الإدارة الكولونيالية إلا أنه استطاع أن يقوم بالقطيعة مع الإيديولوجية الكولونيالية(2،ص11).
ومن بين العلماء الذين أصّلوا لعلم الاجتماع في الجزائر نجد ماسكراي (Masqueray)* الذي عاش في الفترة ما بين (1883-1994) والذي كان يدير مدرسة الآداب العليا في الجزائر، وقد كان ماسكراي رائدا من رواد المدرسة الانقسامية التي جمعت بين تحليل الميكانيزمات الداخلية والظاهراتية للمجتمعات وعلى العلاقات القبلية واعتبرتها خصوصية اجتماعية مغاربية ويتميز هذا التحليل الانقسامي بحيويته في تبسيط المعطيات واستخدام الرسوم البيانية والرموز والأشكال التخطيطية، فظلا عن استعمال الاحصائيات والمقارنات(2،ص16).
لقد قام ماسكراي بدراسة مختلف القبائل والعروش الجزائرية من عرب وقبائل وميزاب وذلك بالتقرب منها والإقامة مع سكّانها كمنطقة ميزاب التي مكث فيها لأكثر من شهرين، باستعمال أسلوب المخادعة بلبس لباسهم وتكلم لغتهم وهذا ما سمح له بفهم طبيعة هذا المجتمع المتميز بالانغلاق، حيث قام بجمع مادة علمية هائلة عن بني ميزاب متمثلة في الكتب التاريخية والدينية والتّشريعية لميزاب، كما عمل على تأليب بني ميزاب على القبائل العربية الأخرى بحجة أن بني ميزاب هم خوارج كما قال ابن خلدون وذلك بغرض إيقاع العداوة بينهم حتى لا يتحالفوا ضد المستعمر ويسهل احتلالهم، أما الأطروحة التي قام بها تحت اسم Formation des cites فتعد من أشهر أعماله وقد بين فيها أن المجتمع البربري متكون من طبقات ترتكز أساسا على التضامن كما حللت أسباب التلاحم وقوة المقاومة للاستعمار وأنجع حل هو القاعدة التي تقول: "فرق تسد".
ومن بين الباحثين الذين اهتموا بالأولياء والكرامات وكذلك الدراسات المونوغرافية للمدن الجزائرية نجد العقيد "كورنيل تريملي" Corneille Trumelet والذي يعد بمثابة مؤرخ السوسيولوجية الكلونيالية بالجزائر وإفريقيا عامة وقد قامة بدراسة حول مدينتي البليدة وبوفاريك من خلال الطابع العمراني للمدينتين وطبيعة سكان المنطقة والقبائل التي ينتمون إليها وهذا خدمة للمصالح الإستطانية.(2،ص22)
وبهذا دخلت السوسيولوجيا إلى الجزائر عن طريق الكلونيالية الفرنسية بغض النظر عما إذا كانت هذه الدراسات موجهة لخدمة الاستعمار الفرنسي أو لخدمة الدراسات الأكاديمية البحتة، كما تتلمذ على يد هؤلاء الباحثين الكلونياليين عدد كبير من الطلبة الجزائريين والمغاربة الذين كانوا يدرسون علم الاجتماع ضمن الفلسفة في المعهد الذي تم إحداثه في جامعة الجزائر سنة 1952 وهم الذين تابعوا المسيرة السوسيولوجية في الجزائر وشمال إفريقيا خاصة بعد الاستقلال وهذا ما يقودنا إلى التحدث عن المرحلة الثانية من المراحل الحاسمة في التجربة السوسيولوجية في الجزائر التي انطلقت غداة الاستقلال.
المرحلة الثانية: مسيرة علم الاجتماع في الجزائر(1963-1970).
وهي المرحلة التي عقبت استقلال الجزائر وكان علم الاجتماع يدرس بجامعة الجزائر ضمن كلية الآداب والعلوم الاجتماعية من طرف مجموعة من الأساتذة منهم د.عبد الرحمن بوزيدة، د.فاروق عطية، د. عبد الغني مغربي، د.كلودين شولي ، د. نور الدين حقيقي، د.سيدي بومدين، د.محفوظ سماتي هؤلاء الرواد لعلم الاجتماع في الجزائر ويطلق عليهم اسم الجيل الأول حيث تتلمذوا على يد مجموعة من الباحثين الكلونياليين.
ومن الصفات التي تميزت بها هذه المرحلة من مسيرة علم الاجتماع في الجزائر هو أن الجامعة الجزائرية كانت تابعة للمدرسة الفرنسية موضوعا ومنهجا، وكان النظام التعليمي الجزائري مرتبطا ارتباطا وثيقا بالجامعة الفرنسية من حيث البرامج والغايات والاستراتيجيات، كما ظل التوجه الفرانكفوني للخطاب السوسيولوجي قائما حتى عام 1971، وهو توجه كرس لهذا الخطاب كعلم كتبي يعني بالتنظير، وهو يفتقر للدراسات الميدانية الواقعية، ويعمل على نقل الإرث السوسيولوجي الفرانكفوني إلى الطلبة، ويصب جل اهتماماته على أعمال المدرسة الدوركايمية غالبا، ويكاد يقتصر على النقل دون التأصيل وعلى التحصيل دون التحليل، وعلى الرغم من انتصار الثورة الجزائرية وإعلان الاستقلال عام 1962 إلا أن المقررات الفرنسية في السوسيولوجيا ظلت تعالج مسألة الاستعمال على أنها مسألة إنسانية جاءت لخدمة الشعب الجزائري ونقل الحضارة من الضفة الأوروبية إلى ضفة شمال إفريقيا (3،ص81).
ومنه نستخلص أن هذه المرحلة من مسيرة علم الاجتماع في الجزائر كانت متأثرة جدا من حيث المناهج والبرامج بالمدرسة الفرنسية وظلت السوسيولوجيا الكلونيالية تدرس في الجامعات الجزائرية رغم الاستقلال وبدا ذلك واضحا في الأعمال والكتابات التي تمت في تلك المرحلة من طرف العديد من السوسيولوجيين الجزائريين من الجيل الأول وحتى الثاني، من حيث اللغة المستعملة (الفرنسية) والخطاب الفرانكفوني الذي طغى عليه الطابع الدوركايمي، وهذا نظرا لتتلمذ العديد من السوسيولوجيين الجزائريين على الباحثين والسوسيولوجيين الفرنسيين، وبالتالي لم يستطيعوا أن يحدثوا القطيعة مع ذلك الامتداد السوسيولوجي الكلونيالي.
المرحلة الثالثة: مسيرة علم الاجتماع في الجزائر(1971. 1984).
وهي المرحلة التي شهدت تحولات كثيرة في الدولة الجزائرية والمجتمع بشكل عام، حيث توالت العديد من الإصلاحات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، و التي مست قطاع التعليم العالي كباقي القطاعات الأخرى، لهذا كانت الممارسة السوسيولوجية التطبيقية في الجزائر جد غنية وثرية في هذه الحقبة وكان لها الأثر البارز والتدخل الفاعل في متابعة حجم التغيرات الحاصلة في الجزائر، وكانت الدولة الجزائرية تشعر بأن ذلك الاختيار هو اختيارها الاستراتيجي(4،ص146) وهنا تم رد الاعتبار للسوسيولوجيا الجزائرية من حيث القرارات والإجراءات المتخذة في حق هذا التخصص، وذلك بمحاربة كل ما هو تقليدي مورث والعمل على تحريك البحث العلمي لدراسة أسباب دفع عجلة النمو الاقتصادي والرقي الاجتماعي وهذا ما يختص به علم الاجتماع .
كذلك نجد أن علم الاجتماع والمنشغلين به في تلك المرحلة قد جندوا للدفاع عن الإيديولوجية الاشتراكية، أي إيديولوجية الحزب الحاكم، وعليه نجد أن علم الاجتماع في هذه المرحلة قد تحول من علم أكاديمي إلى علم إيديولوجي أي تنفيذا لسياسة الحزب الحاكم، وأصبح محتوى الدروس في علم الاجتماع كله خطاب إيديولوجي يعمل على تمجيد الاشتراكية وتدنيس الرأسمالية والتوجه الإسلامي، كما أن كل التخصصات في علم الاجتماع التي كانت تمارس في تلك المرحلة لم تأتي صدفة أو لأغراض علمية بحتة، بل جاءت لتساير المشروع الاشتراكي الذي تبنته الدولة الجزائرية، فهكذا نجد مثلا تخصص علم اجتماع الريفي ـ حضري جاء تجاوبا مع الثورة الزراعية، ونفس الشيء لعلم الاجتماع الصناعي الذي جاء خدمة للثورة الصناعية التي أطلقها النظام أنا ذاك، وعلى هذا الأساس انقسمت الساحة السوسيولوجية إلى قسمين: فأصبح هناك علم اجتماع ثوري تقدمي المتشبع بالإيديولوجية الاشتراكية الماركسية، وقسم آخر وقف في وجه الاشتراكية وأخذوا عن المعسكر الرأسمالي تكوينهم السوسيولوجي وهم الرجعيين البورجوازيين وأصحاب الممتلكات من أراضي ورؤوس أموال، (3،ص90)وبالتالي انقسمت الساحة السياسية والاجتماعية وفق هاذين التوجهين وسار علم الاجتماع في اتجاهين متناقضين.
وفي المقابل نجد نسبة ضئيلة من المنشغلين بعلم الاجتماع الذين عملوا على ممارسة السوسيولوجيا بشكل علمي محض بالرغم من المضايقات والتهميش والإقصاء الذي تعرضوا له من طرف النظام، بل العديد منهم قرر الهجرة، كما أن أعمال الطلبة المتعلقة بإعداد الرسائل الجامعية للتخرج كالليسانس، دكتوراه، لم تنجوا من تلك الضغوطات والتوجيهات القهرية فكل المواضيع التي كانت تدرس كانت تعالج القضايا المشار إليها سابقا.
المرحلة الرابعة: مسيرة علم الاجتماع في الجزائر(1984 إلى يومنا هذا).
شكلت هذه المرحلة منعطفا حاسما بالنسبة للمسيرة السوسيولوجية في الجزائر، فبعدما كان هذا العلم في المرحلة التي سبقت علما نقديا إيديولوجيا ثوريا، أصبح مع التوجه الليبرالي الجديد للدولة علما منبوذا، فاقد لكل المكاسب التي حققها في المراحل السابقة، وهذا بالرغم من ضآلتها، فنجد أن الخطاب الرسمي في هذه الفترة قد تغير موقفا وعملا اتجاه العلوم الاجتماعية عامة وعلم الاجتماع خاصة، وأصبحت كل الأنظار متجهة نحو العلوم الطبيعية والتكنولوجية، وذلك باسم التنمية والتغيير(3،ص97).
كما تميزت هذه المرحلة من السيرورة التاريخية لعلم الاجتماع في الجزائر بتغيرات وتحولات اجتماعية كبيرة لم تشهدها الدولة الجزائرية من قبل أولها أحداث أكتوبر 1988 حيث خرج الشعب الجزائري إلى الشوارع مطالبا بالتغيير والديمقراطية رافضا للواقع الاجتماعي المزري الذي يعيشه غير أن النظام السياسي في ذلك الوقت قام بقمع تلك التظاهرات فراح العديد من الأبرياء ضحية العنف السياسي وقد كان لهذا الحدث الأثر البالغ على سياسة الدولة إما على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وقد كان الفرصة مواتية ليظهر علم الاجتماع في هذه المرحلة الحرجة بالذات ليحلل أسباب الانتفاضة وانعكاساتها على الصعيد الاجتماعي والسياسي، غير أن المنشغلين بهذا العلم لم يبذلوا جهدا يذكر في الكتابة أو الدراسة عن هذا الحدث البالغ الأهمية رغم أن هذا الحدث يدخل في صميم انشغالاتهم، وهذا ما زاد من انتكاسة علم الاجتماع في الجزائر.
أما الحدث الثاني الذي يعد كنتاج لأحداث أكتوبر 1988 وهو إعلان التعددية الحزبية في الجزائر وبهذا الإعلان شكلت الجزائر منعطفا حاسما في تاريخها المعاصر، وتوجهت كل أنظار العالم نحو التجربة الديمقراطية الجزائرية الجديدة رغم ما وجه لها من انتقادات، وشهدت الجزائر في هذا الشأن حركية حزبية وسياسية لم يشهد لها مثيل وظهرت على الساحة السياسية أحداث عديدة متتالية ومتشابكة، انعكست بصورة مباشرة على الصعيد الاجتماعي وتشكل وعي فكري قومي لدى الشعب الجزائري الذي أصر على ضرورة التغيير، غير أنه وللأسف الشديد لم يتم التطرق لهذه الأحداث من طرف الأخصائيين الاجتماعيين ولم تنل تلك الأحداث اهتمام السوسيولوجيين الجزائريين بالدراسة والتحليل وأضيفت انتكاسة أخرى للسوسيولوجيا الجزائرية.
أما الحدث الثالث والمتمثل في بما يسمى العشرية السوداء وهي الفترة التي حدث فيها الانفلات الأمني وظهر فيها الإرهاب الذي أخذ في القتل والتدمير وأصبحت الجريمة والعنف يمارسان جهارا نهارا، ودمرت كل المكاسب التي حققتها الجزائر المستقلة طيلة سنوات عديدة وشلت كل القطاعات بما في ذلك قطاع التعليم العالي ، وكغيرهم من شرائح المجتمع نجد أن المنشغلين بعلم الاجتماع قد قدموا ثمنا باهظا جراء تلك الأوضاع الأمنية فمنهم من قتل ومنهم من سجن ومنهم من هاجر الوطن.
وبعد سياسة المصالحة الوطنية التي أعلنتها الدولة الجزائرية عادت المياه إلى مجاريها وبدأت كل القطاعات تتحرك شيئا فشيئا بما في ذلك قطاع التعليم العالي وأنشئت الجامعات والأقطاب والمراكز الجامعية وبدأ تخصص علم الاجتماع يدرس في كل جامعة تقريبا، وتضاعف أعداد الطلبة والأساتذة المنشغلين بهذا العلم وأقيمت المئات من الدراسات السوسولوجية في المجتمع الجزائري سواء الميدانية منها أو النظرية، فالكم موجود، ولكن تبقى مشكلة النوعية، فمعظم تلك الدراسات لم ترقى إلى المستوى المطلوب وذلك إما لضعف التكوين أو لنقص التمويل، وقلة المخابر السوسيولوجية التي تعنى بدراسة الظواهر الاجتماعية في البلاد.
لذلك فالمطلوب من المنشغلين بعلم الاجتماع أن يحدثوا ثورة علمية سوسيولوجية وذلك من خلال القيام بدراسات سوسيولوجية ميدانية في مختلف الفروع واستدراك ما فاتنا من أحداث سابقة والعودة إليها بالتحليل والتفسير من أجل إعادة الاعتبار لهذا العلم وإثبات الوجود على الساحة الأكاديمية، وكل المقومات موجودة والوسائل متوفرة والتأطير حاضر بوجود أساتذة أكفاء وعلى أعلى مستوى كما أن الظواهر الاجتماعية منتشرة في كل مكان لم يبقى سوى بذل الجهد وغزو كل القطاعات الأخرى بالدراسة والتحليل والمشاركة الفعالة في التنمية الاجتماعية.
الخاتمة:
لقد مر علم الاجتماع في الجزائر بمراحل مختلفة ومتنوعة من الكلونيالية إلى الإيديولوجية، ثم إلى التهميش والإقصاء، وعلى الرغم من الإصلاحات التي تمت في قطاع التعليم العالي من أجل تطوير البحث العلمي وقد شمل ذلك جميع التخصصات بما فيها تخصص علم الاجتماع، غير أن هذا العلم في الجزائر لم يرقى إلى المستوى المطلوب ولم يثبت وجوده على الساحة الأكاديمية من خلال إقامة الدراسات وتوجيه البحوث في خدمة المجتمع، لهذا من واجبنا إعادة الاعتبار لهذا العلم من خلال تكوين أساتذة وطلبة على أعلى مستوى وإنشاء المخابر المتخصصة ونشر البحوث والدراسات الأكاديمية الجادة التي ترقى إلى المستوى الأكاديمي المطلوب، وكل الإمكانيات موجودة ومتوفرة ويبقى على الباحث السوسيولوجي أن يقدم دراسات جادة ترقى إلى المستوى المطلوب لتساهم في التنمية الاجتماعية .
إذن كل المؤشرات تدل على أن علم الاجتماع في الجزائر يسير نحو الأفضل مما كان عليه سابقا حتى وإن كان بوتيرة بطيئة إلا أن المستقبل لهذا العلم ينبئ بخير، ويبق الأمر مرهون بالمنشغلين بعلم الاجتماع ليثبتوا وجودهم على الساحة الأكاديمية و يدفعوا علم الاجتماع ليواكب العلوم الأخرى ويساهم في التنمية الاجتماعية.
وحتى نبلغ رسالتنا إلى المسؤولين وإلى المجتمع بوجه العام التي تفيد بأنه لا تنمية بدون علم الاجتماع، علينا نحن المنشغلين بهذا العلم أن نؤدي دورنا كباحثين سوسيولوجين على أكمل وجه.

قائمة المراجع:
عبد الباسط عبد الصمد، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، منشورات عالم المعرفة، الكويت 1998.
جمال معتوق، السوسيولوجية الكلونيالية من أجل قراءة نقدية جديدة، مجلة أفاق لعلم الاجتماع، العدد الأول (1)، البليدة،2007.
جمال معتوق، علم الاجتماع في الجزائر: من النشأة إلى يومنا هذا، بدون دار نشر، الجزائر،ط1،2006.
سعيد عيادي،التجربة السوسيولوجية في الجزائر: الممارسة والتأويل، ، مجلة أفاق لعلم الاجتماع، العدد الأول (1)، البليدة،2007.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1712



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


إعداد الأستاذ: بن عودة محمد
تقييم
8.51/10 (13 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة العلوم الاجتماعية www.swmsa.net

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |راسلنا | للأعلى
get firefox
Copyright © 2014 swmsa.net - All rights reserved