في
الثلاثاء 23 ديسمبر 2014

جديد الصور
جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو

سعودي عقار

المقالات
أقلامهم
اقتصاد المعرفة والتنمية في الدول العربية

اقتصاد المعرفة والتنمية في الدول العربية
03-07-2011 05:20 PM

اقتصاد المعرفة والتنمية في الدول العربية
اعداد :حسين عبد المطلب الأسرج
مقدمة:
أصبح من المسلم به اليوم أن التقدم والابتكار في المجال التكنولوجي هما محركا النمو الاقتصادي على المدى البعيد. ففي سياق اقتصاد المعرفة العالمي الذي تحركه الوتيرة السريعة للابتكار التكنولوجي يجدر بالدول العربية إرساء أسس متينة لبناء قدرتها على اكتساب وإيجاد معارف وتكنولوجيا من أجل الإفادة من الفرص إلي تتيحها العولمة وفي الوقت نفسه مواجهة التحديات العالمية المستجدة. وبالتالي يكمن التحدي في تسخير المعارف لأغراض التنمية ، وذلك بتهيئة مناخ مؤات لاستحداث أفكار وابتكارات، فضلا عن نشرها واستخدامها من قبل مختلف الأطراف الفاعلة المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عملية الاستحداث هذه.
إن الإشكالية الاقتصادية اليوم تصبح مبنية على وفرة المعلومات وليست وفرة الموارد النادرة ذلك أن تأثير المعرفة يغدو حاسما على كامل النشاط الاقتصادي،وأصبحت المعرفة من أهم الأصول الرئيسية لأي نمو اقتصادي أو اجتماعي، ومنه تحول العالم من البحث و التصادم من أجل مصادر الموارد النادرة إلى البحث و التصادم من أجل السيطرة على اكبر قدر ممكن من مصادر المعرفة.
لهذا فإنه من الضروري أن تتكيف الاقتصاديات العربية مع الأوضاع الجديدة.فإذا أريد لها أن تملك القدرة على المنافسة في ظل هذه الظروف الإقليمية والدولية الجديدة، فلا بد لها أن تتحلّى بالابتكار في إيجاد السبل والأدوات التي تساعدها على التعامل مع هذا التغيير، وأن تتبين الفرص وتستغلها، وتخلق الأسواق الجديدة وتطورها، وأن تتكيف مع التكنولوجيات الجديدة وتطبيقاتها. ويهدف هذا البحث إلى إلقاء الضوء على مفهوم وخصائص اقتصاد المعرفة وكيفية تعظيم استفادة الدول العربية منه.

أولا: مفهوم اقتصاد المعرفة
ففي حين كانت الأرض، والعمالة، ورأس المال هي العوامل الثلاثة الأساسية للإنتاج في الاقتصاد القديم، أصبحت الأصول المهمة في الاقتصاد الجديد هي المعرفة الفنية، والإبداع،والذكاء، والمعلومات . وصار للذكاء المتجسد في برامج الكمبيوتر والتكنولوجيا عبر نطاق واسع من المنتجات أهمية تفوق أهمية رأس المال، أو المواد، أو العمالة. وتقدر الأمم المتحدة أن اقتصادات المعرفة تستأثر الآن 7 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتنمو بمعدل 10 ٪ سنويا. وجدير بالذكر أن 50 ٪ من نمو الإنتاجية في الاتحاد الأوروبي هو نتيجة مباشرة لاستخدام وإنتاج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وقد شهد مفهوم اقتصاد المعرفة تطورا كبيرا في العقود القليلة الماضية مع اتساع استخدام شبكة الانترنت والتجارة الالكترونية والدفع الالكتروني ، ويقوم هذا الاقتصاد على وجود بيانات يتم تطويرها إلى معلومات ومن ثمة إلى معرفة وحكمة في اختيار الأنسب من بين الخيارات الواسعة التي يتيحها اقتصاد المعرفة
وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح اقتصاد المعرفة و مجتمع المعرفةknowledge society and knowledge economy كان أول استخدام له فى الفصل الثاني عشر من كتاب The Age of Discontinuity لـ Peter F. Drucker . وكثيرا ما تستخدم مصطلحات متعددة للتأكيد على جوانب مختلفة لاقتصاد المعرفة منها مجتمع المعلومات والاقتصاد ، والاقتصاد الرقمي ، وشبكة الاقتصاد الجديد أو اقتصاد المعرفة وثورة المعلومات .

ويمكن تعريف اقتصاد المعرفة بأنه هو الاقتصاد الذي تحقق فيه المعرفة الجزء الأعظم من القيمة المضافة، وهذا يعني أن المعرفة في هذا الاقتصاد تشكل مكونا أساسيا في العملية الإنتاجية كما في التسويق، وأن النمو يزداد بزيادة هذا المكون القائم على تكنولوجيا المعلومات والاتصال باعتبارها المنصة الأساسية لهذا الاقتصاد .ويمكن تعريفه أيضا بأنه هو نمط اقتصادي متطور قائم على استخدام واسع النطاق للمعلوماتية وشبكات الانترنت في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي وخاصة في التجارة الالكترونية، مرتكزا بقوة على المعرفة والإبداع والتطور التكنولوجي خاصة ما يتعلق بتكنولوجيا الإعلام والاتصال.

وبناء على ما تقدم فان اقتصاد المعرفة فى الأساس يقصد به أن تكون المعرفة هى المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي . واقتصادات المعرفة تعتمد على توافر تكنولوجيات المعلومات والاتصال واستخدام الابتكار و الرقمنه .وعلى العكس من الاقتصاد المبني على الإنتاج، حيث تلعب المعرفة دورا أقل، وحيث يكون النمو مدفوعا بعوامل الإنتاج التقليدية، فإن الموارد البشرية المؤهلة وذات المهارات العالية، أو رأس المال البشري، هي أكثر الأصول قيمة في الاقتصاد الجديد، المبني على المعرفة.وفي الاقتصاد المبني على المعرفة ترتفع المساهمة النسبية للصناعات المبنية على المعرفة أو تمكينها، وتتمثل في الغالب في الصناعات ذات التكنولوجيا المتوسطة والرفيعة، مثل الخدمات المالية وخدمات الأعمال.
ثانيا:خصائص اقتصاد المعرفة
عند وصف الاقتصاد العالمي الحالي يتكرر استخدام مصطلحين أساسيين هما : العولمة و اقتصاد المعرفة . فلقد ظل العالم يشهد تزايد عولمة الشئون الاقتصادية وذلك بسبب عدة عوامل من أهمها ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وكذلك التخفيف من القيود التجارية على المستويين الوطني والدولي . كما ظل العالم يشهد بالتوازي مع ذلك ً ارتفاعا حاداً في الكثافة المعرفية بالأنشطة الاقتصادية مدفوعاً بثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتسارع خطى التقدم التكنولوجي.
والاقتصاد المبني على المعرفة والاقتصاد القائم على المعرفة يعتمد على عدد من ركائز أهمها:
1. الابتكار : فهو نظام فعال من الروابط التجارية مع المؤسسات الاكاديميه وغيرها من المنظمات التي تستطيع مواكبة ثورة المعرفة المتنامية واستيعابها وتكييفها مع الاحتياجات المحلية
2. التعليم أساسي للانتاجيه والتنافسية الاقتصادية. فيتعين على الحكومات إن توفر اليد العاملة الماهرة والابداعيه أو رأس المال البشري القادر على إدماج التكنولوجيات الحديثة في العمل. وتنامي الحاجة إلى دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فضلا عن المهارات الابداعيه في المناهج التعليمية وبرامج التعلم مدى الحياة.
3. البنية التحتية المبنية على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات:فهي تسهل نشر وتجهيز المعلومات والمعارف وتكييفه مع الاحتياجات المحلية.
4. حوافز تقوم على أسس اقتصادية قوية: بحيث تستطيع توفير كل الأطر القانونية والسياسية التي تهدف إلى زيادة الإنتاجية والنمو. وتشمل هذه السياسات التي تهدف إلى جعل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أكثر إتاحة ويسر، وتخفيض التعريفات الجمركية على منتجات تكنولوجيا و زيادة القدرة التنافسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

ثالثا:القوى الدافعة الرئيسية فى ظل اقتصاد المعرفة
وتوجد عدد من القوى الدافعة الرئيسية التى تؤدى إلى تغيير قواعد التجارة والقدرة التنافسية الوطنية فى ظل اقتصاد المعرفة وهى:
• العولمة: أصبحت الأسواق والمنتجات أكثر عالمية.
• ثورة المعلومات المعلومات / المعرفة :أصبحت تشكل كثافة عالية فى الإنتاج بحيث زاد اعتماده بصورة واضحة على المعلومات والمعارف ؛ فنحو أكثر من 70 فى المائة من العمال في الاقتصادات المتقدمة هم عمال معلومات information workers ؛ فالعديد من عمال المصانع صاروا يستخدمون رؤوسهم أكثر من وأيديهم.
• انتشار الشبكات: شبكات الحاسوب والربط بين التطورات مثل الانترنت جعل العلم بمثابة قرية واحدة أكثر من إي وقت مضى.
وكنتيجة لذلك ازدادت الحاجة إلى تطوير السلع والخدمات بصفة مستمرة، وفي كثير من الحالات أصبحت تباع وتشترى من خلال الشبكات الالكترونية. وهو ما يعظم ضرورة الإلمام بتطبيقات التكنولوجيا الجديدة حيث يتوقف عليها تلبية الطلب الاقتصادي.وقد ساهمت هذه القوى فى توسع الإنتاج الدولي بتحفيز من العوامل التالية طويلة الأمد :
• تحرير السياسات وتلاشى الحدود بين البلدان، الأمر الذي أفسح المجال أمام كل أنواع الاستثمار الأجنبي المباشر والترتيبات الرأسمالية المختلفة.
• التغير التكنولوجي السريع وانخفاض تكاليف النقل والاتصالات جعل من الأوفر اقتصاديا إجراء تكامل بين العمليات المتباعدة جغرافياً ونقل المنتجات والمكونات عبر أرجاء العالم بحثا عن الكفاءة.
• المنافسة المتزايدة أجبرت الشركات على اكتشاف طرق جديدة لزيادة كفاءتها، بما في ذلك استخدام أسواق جديدة وتغيير أماكن أنشطة إنتاجية معينة لتقليل التكاليف.

رابعا: معايير دليل اقتصاد المعرفة Knowledge Economy Index ودليل المعرفة Knowledge Index
لقد اتجه برنامج الأمم المتحدة الخاص بتقييم مستويات إدارة المعرفة في مجتمعات بلدان العالم المختلفة إلى اعتبار أربعة عوامل رئيسية بوصفها العناصر الرئيسية التي تعد معايير أساسية في تحديد مستوى سعى الاقتصادات الوطنية باتجاه بلوغ مجتمع المعلومات المرتكز فى جل أنشطته إلى المعرفة. وشملت هذه العوامل أربعة محاور جوهريه هي:-
المحور الأول: منظومة الاقتصاد الوطني
‏تضم عناصر هذا المحور جملة من المتغيرات التي تنضوي تحت ثلاثة محاور رئيسية هي: العوائق ذات الصلة بوجود التعريفة الجمركية أو عدمها والتي تعد مقياسا لدرجة التنافس القائمة في السوق، ومستوي التنظيم الذي يعد مقياسا لحالات سياسات السوق التي تحاول التحكم بالأسعار، أو غياب المراقبة المناسبة للمصارف، والمحددات الصارمة التى تعتمد في مجالات ذات صلة بالتجارة الخارجية، وآليات التطور في التجارة والأعمال. وأخيرا يأتي دور القانون الذي يعد مقياسا لمقدار الثقة التي يعدها العميل مؤشرا على قدرته على العمل والاستثمار ضمن قوانين المجتمع في ظل حوادث تنشب عن جرائم اعتيادية، أو ناشئة عن مظاهر العنف، ومدى فاعلية السلطة القضائية إزاءها، وإمكانية تنفيذ العقود والالتزام بمضامينها.

المحور الثاني: التعليم والموارد البشرية
‏يتم تقييم مستوى هذا العامل في ضوء متغيرات تعنى بمستوى التحاق المواطن بمراحل التعليم المختلفة، التي يمكن أن تعد معيارا لمستوى الإلمام بالقراءة والكتابة لدى البالغين، وتوفر في الوقت نفسه مقياسا لحجم الالتحاق بالمراحل الدراسية، ومستوى الثقافة السائدة في المجتمع. من جهة أخرى، يؤخذ بنظر الاعتبار مستوى الإنفاق عل التعليم بمراحله المختلفة، وحجم الموارد البشرية الماهرة في المجتمع، ومستوى التدريب الذي قد نالته الموارد البشرية، وهل أن العقول تعاني مسألة الهجرة نتيجة عدم توفر الظروف المناسبة في المجتمع لاحتضانها؟
المحور الثالث: الابتكار والقدرة التنافسية
‏لما كان الابتكار يعتمد في جل انشطته على البحث والتطوير، فقد اعتمدت متغيرات هذا المحور على عدد الباحثين لكل مليون نسمة، وبراءات الاختراع التي تسجل بواسطة الباحثين، والبحوث والمقالات العلمية المنشورة في مجالات العلوم الصرفة، والتقنيات التطبيقية. ويضاف إليها حجم الاستثمارات المخصصة لأنشطة البحث والتطوير في كل من القطاع الحكومي والخاص، ومدى توفر الدعم المالي للمشاريع الفتية التي ترعرعت في الحاضنات التقنية الوطنية.
‏ المحور الرابع: البنية التحتية للمعلومات والاتصالات
تعذ البنية التحتية للمعلومات والاتصالات الأرضية الصلبة التي تنمو عليها أنشطة الاقتصاد المرتكزة إلى المعرفة. وتتألف عناصر هذا المحور من أدوات المعلومات والاتصالات حيث الهواتف التقليدية، والمحمولة، وعدد الحاسبات الشخصية المتوفرة في البيئة الوطنية، والتي تعد معيارا على مقدار توظيف تقنية المعلومات في الدخول إلى الإنترنت، أو التطبيقات الميدانية. يضاف إلى ذلك أنواع تقنيات المعلومات السائدة في البيئة الوطنية التي تسهم في الاستثمار الأمثل لتدفق المعلومات. كذلك، يؤخذ بعين الاعتبار مستوى سيادة خدمات الحكومة الإلكترونية، وحجم الإنفاق عل البنية التحتية للمعلومات.
ولقد قام البنك الدولي أيضا باعتماد هذه المحاور فى منهجه في تحديد معالم الإطار العام لقياس دليل اقتصاد المعرفة،حيث ‏يقاس دليل اقتصاد المعرفة Knowledge Economy Index بواسطة نموذج رياضي يوظف سلسلة من الحسابات التي يقاس من خلالها متوسط قيمة الدليل لبلد ما، أو منطقة ما، على أ‏ساس قيم متغيرات الأركان الأربعة لاقتصاد المعرفة . أما دليل المعرفة Knowledge Index فتعتمد معادلته على قيم متغيرات ثلاثة بعد استبعاد متغيرات المنظومة الاقتصادية .


وقد أسفرت حسابات البنك عن أربعة مستويات لقيم هذين الدليلين على مستوى مناطق العالم المختلفة:
‏1- مستوى مرتفع: تزيد قيمة الدليلين فيه على 7 تتميز بلدان هذا المرتبة بسيادة مستوى رصين من أنشطة اقتصاد المعرفة، مع البدء بترسيخ جذور مجتمع المعرفة.
2-مستوى جيد: تتراوح فيه قيمة الدليلين بين 6-7 تتميز بلدان هذه المرتبة بمستوى مقبول في ميدان اقتصاد المعرفة، مع بدء التحول من مجتمع المعلومات باتجاه مجتمع المعرفة.
3-مستوى متوسط: تزيد فيها قيمة الدليلين عن 5 ‏وتقل عن6 وتشمل البلدان التي نجحت في توسيع اقتصاد المعلومات، وبدأت بالتحول نحو إرساء اللبنات الأساسية لاقتصاد المعرفة، مع توفر مقومات مجتمع المعلومات.
‏4- مستوى منخفض: تقل فيها قيمة الدليلين عن 5 وتشمل البلدان التي ما زالت تلهث بالسعي للوصول إلى مجتمع المعلومات تمهيدا للوصول إلى مجتمع المعرفة وتحديد معالم سياستها المستقبلية باتجاه اقتصاد المعرفة.
خامسا: تأثير اقتصاد المعرفة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات على السياسات الانمائية:
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هي تكنولوجيا للأغراض العامة، وهي بذلك ذات أثر على الاقتصاد بأسره. وهي تدخل نموذجا جديدا لتشكيل الأنشطة الاقتصادية، محدثة تغييرا جذريا في نهج التكنولوجيا من أجل التنمية. ويمكن تلخيص الجوانب الرئيسية لهذا النموذج الجديد على النحو التالى:

أولا: أن الأثر الاقتصادي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات يمكن أن يكون من حيث المؤثرات الخارجية والآثار غير المباشرة بفعل استخدامها وتطبيقها في مختلف قطاعات الاقتصاد أكبر من مساهمتها المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي كقطاع من قطاعات الإنتاج.

ثانيا: أن أحد أهم المؤثرات الخارجية هو النمط الجديد لتنظيم الإنتاج والاستهلاك الذي يفضي إلى خفض التكاليف وتسريع الاتصالات بين الوكلاء الاقتصاديين وتحسينها. وفيما يتعلق بالدول النامية فإن هذه الابتكارات تكون قد أتاحت فرصا جديدة للاندماج في سلاسل القيمة العالمية ولتنويع أنشطة الإنتاج والصادرات. وفي الوقت ذاته تسهل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات استحداث شبكات وزيادة تبادل المعلومات محليا وعالميا.
ثالثا: أن وتيرة الاختراعات المتسارعة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ذاته قد قلصت بشكل كبير تكاليف الحصول على هذه التكنولوجيات.وقد سمح ذلك بإضفاء طابع ديمقراطي على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بما في ذلك من قبل الفقراء الذين يستخدمونها لتحسين سبل عيشهم كما سهل الأخذ بهذه التكنولوجيات في برامج الحد من الفقر.

رابعا:أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أوجدت خدمات جديدة في شكل التجارة الإلكترونية والتمويل الإلكتروني والإدارة الإلكترونية وهلم جرا. وهذه الخدمات الجديدة يمكن أن تساهم في زيادة الفعالية الاقتصادية. بيد أن تحديات أخرى قد تنشأ فيما يخص مسألتي الثقة والأمان في المعاملات إلي تولدها هذه الخدمات الإلكترونية الجديدة.

خامسا: أن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يتطلب مهارات وأن التعليم والتدريب يكتسيان مزيدا من الأهمية في بناء اقتصاد المعرفة الذي تمثل فيه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أداة لا غنى عنها.

وأخيرا: أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أدت إلى ظهور أنماط جديدة لتقاسم المعارف والإنتاج الجماعي للأفكار والابتكارات،عادة ما تتخطى نظام تسجيل الملكية الذي تتيحه حقوق الملكية الفكرية. ونماذج "الوصول المفتوح" هذه،سواء في أنشطة من قبيل المصادر المفتوحة للبرمجيات،أو الابتكارات المفتوحة، أو اقتران المعارف المشتركة،أصبحت منتشرة جدا وواعدة من حيث نشر المعارف بسرعة إل البلدان الأقل تقدما.

إن ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات آخذة في التوسع والانتشار في العالم النامي حاملة معها الأمل في تحقيق طفرة تكنولوجية كبرى ستساهم في تحديث اقتصادات الدول النامية بسرعة ومنها الدول العربية. ولجني ثمار الفرص إلي تتيحها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، قد ترى هذه الدول أن من الضروري تحديد مجموعة من السياسات الرامية للتشجيع على استحداث المعارف ونشرها واستخدامها،وهو ما ينبغي أن يشكل الأساس لإستراتيجية ترمي إلى تحقيق النمو المستدام.

سادسا: ملاحظات ختامية:
بعد الاستعراض السابق نخلص إلى عدد من الملاحظات:
1. لانبالغ لو قلنا أن موضوع العولمة والمعرفة سيكون موضوع اهتمام العلماء والمفكرين في العقود المقبلة‏,‏ ويرد ذلك لسبب بسيط مؤداه أن أهم مظاهر العولمة يتمثل في سرعة تدفق المعلومات والأفكار ورءوس الأموال والسلع والخدمات من بلد إلي آخر بغير حدود ولا قيود‏,‏ وأنها قد فتحت الفضاء المعلوماتي علي مصراعيه أمام تدفق المعلومات وتراكم المعرفة‏.‏وتدفق المعلومات السياسية والاقتصادية والثقافية عبر شبكة الانترنت‏,‏ هو أول ملمح من ملامح مجتمع المعلومات العالمي‏,‏ غير أن المشكلة تتمثل في أن المعلومات بذاتها بحكم تناثرها ومشكلات ثباتها وصدقها وموضوعيتها‏,‏ لاتمثل معرفة‏,‏ لأن المعرفة هي جماع التفكير التحليلي والنقدي القادر علي صياغة البني المعرفية المترابطة‏,‏ وتشبيك المعلومات للوصول إلي استبصارات حقيقية بمشكلات الواقع في الوقت الحاضر‏,‏ وإلي استشرافات دقيقة بآفاق المستقبل‏.‏
وإذا كان تحول المعلومات إلي معرفة هو التحدي الأكبر أمام مستخدمي ثورة الاتصالات وشبكة الانترنت‏,‏ فإن الخطوة التالية في التطور تتمثل في الانتقال من نموذج مجتمع المعلومات إلي نموذج مجتمع المعرفة‏.‏
2. مجتمع المعرفة ، لا يمكن أن يقوم بغير ترسيخ قواعد اقتصاد المعرفة‏,‏ الذي تتمثل نظريته الأساسية في تحويل المعرفة بكل أنواعها إلي سلع يمكن تداولها‏,‏ وهذا المجتمع الجديد لايمكن له أن ينهض بغير تشجيع الإبداع بكل صوره‏,‏ وتدعيم البحث العلمي الأصيل والمترابط‏,‏ وفق إستراتيجية بحثية تفيد من شبكة الانترنت في مجال التواصل بين العلماء‏,‏ وتداول نتائج الأبحاث العلمية المحققة في أسرع وقت‏,‏ مما يسمح بتسريع وتيرة التراكم المعرفي العالمي‏.
3. أن إحدى السمات الأساسية في اقتصاد المعرفة العالمي الجديد تتجسد في التزايد الأسي لتركيز القيمة المضافة بعيدًا عن حلقات الإنتاج)لاسيما الإنتاج المعتمد على كثافة العمالة(، لصالح الحلقات أو المراحل المعتمدة على الكثافة التكنولوجية والمعرفية في سلسلة القيمة. وبناء على ذلك، حينما يتعلق الأمر بتحديد موقع مشروع أو اقتصاد كامل من الاقتصاد العالمي، ترتبط العائدات الاقتصادية بالارتقاء من خلال البحث والتطوير و الابتكار، والتطور التكنولوجي،والتحسين المستمر في المنتجات، ووجود قاعدة موارد بشرية تتمتع بدرجة عالية من المهارات المتعددة وتدعمها الإمكانيات الفنية والتكنولوجية الضرورية، من ضمن عوامل أخرى.أصبحت هذه العوامل تشكل الطريق الحديث high road للمنافسة، المصحوبة بزيادة القيمة. ومن جهة أخرى، نجد أن الأساليب التقليدية لزيادة القدرة التنافسية المستندة إلى عوامل مثل العمالة غير الماهرة، والموارد الطبيعية، والتكنولوجيات البسيطة بدأت تفقد أهميتها بشكل سريع ومتزايد. وقد أصبحت هذه العوامل)التي يمكن من خلالها فقدان الميزة التنافسية للمنافسة بسهولة) ، في تمثل الطريق التقليدي low roadللمنافسة الذي يكشف عن نفسه في تخفيض الأسعار التي تؤدي في نهاية الأمر إلى سباق نحو القاع. أيضًا فهناك متغيرات رئيسية أخرى تتضمن وجود نظام عام، إلى جانب النظام المالي، يؤدي إلى نمو المشروعات وزيادة قدرتها التنافسية، من خلال توفير العوامل والموارد اللازمة بكفاءة وفعالية.
4. في عالم اليوم، تعتمد القدرة على المنافسة على قوة عمل جيدة التعليم وماهرة فنيا وتكون قادرة على اعتماد تكنولوجيات جديدة وبيع سلع وخدمات متقدمة. وعند المقارنة على مؤشر اقتصاد المعرفة الذي يقيس درجة نجاح البلدان في الانخراط في اقتصاد المعرفة بالبلدان والمناطق الأخرى تقع معظم البلدان العربية تحت النطاق الأوسط للتوزيع. فهي تسجل بشكل عام درجات أدنى من الدرجات التي تحصل عليها البلدان الأعضاء في منظمة التنمية و التعاون الاقتصادي ومعظم البلدان السائرة على طريق التحول إلى اقتصاد السوق، وبعض بلدان شرق آسيا.ويلاحظ أن البلدان التي تسجل درجات أعلى تدرج عادة موضوعات دراسية جديدة وتوفر مجموعات جديدة من المهارات المتقاطعة (التي تصلح للاستخدام في قطاعات عديدة.( ومع أن تعليم مبادئ القراءة والكتابة والحساب لا يزال أساسيا )مع وجود مستويات إجادة أعلى باطراد(، فإن اللغات الأجنبية والعلوم لهما أهمية متساوية تقريبا وآخذة في التزايد. إضافة إلى ذلك، أصبحت مهارات حل المشاكل والاتصالات، وليس القدرة على أداء مهام روتينية، أمورا جوهرية لزيادة الإنتاجية. وأساليب التدريس المعتمدة في كافة أنحاء العالم تدمج التعلم المستند إلى طرح الأسئلة وتطوع التدريس ليلائم قدرات التعلم لدى الطلاب الأفراد. أما معظم العربية فإنها لا تزال تستخدم نموذجا تدريسيا أكثر ميلا إلى التقليدية على سبيل المثال، النقل من السبورة، وانخفاض درجة التفاعل بين المدرسين الطلاب.
5. ان البلدان التي تتيح فرصا متعددة للتعلم تسجل أيضا درجات أعلى على مؤشر اقتصاد المعرفة. وبدلا عن التعليم الذي يتخذ شكل الهرم (حيث تنتقل مجموعة متناقصة من الطلاب إلى المراحل التعليمية الأعلى)، بدأت الأنظمة التعليمية تصبح أكثر إشراكا وتنوعا، خاصة بعد مرحلة التعليم الإلزامي(أي المرحلتين الثانوية والعالية). ولكن التعليم اللاحق للمرحلة الإلزامية في المنطقة العربية لا يتسم بهذا النوع من المرونة. فحالما يتم اتخاذ قرار بشأن مجال الدراسة،فليس هناك سبيل للرجوع عنه. والفرص المتاحة قليلة أمام أي شخص لمواصلة دراساته بعد دخول سوق العمل لفترة محدودة؛ ويمثل التعليم المهني الرسمي عادة طريقا مسدودا في معظم الأنظمة. وتركز أنظمة الامتحانات على الاختبار لمواصلة الدراسة أكثر مما تركز على منح شهادات الاعتماد و إدخال آليات لضمان الجودة، وزيادة درجة استقلال المدارس، والالتزام بالتعلم مدى الحياة.
6. تحاول الأمم المختلفة الاندفاع في مضمار التقدم‏,‏ لاكتساب المعرفة التي علي أساسها يمكن تطوير المجتمعات وجعلها أكثر قدرة علي إشباع حاجات الإنسان المادية والروحية‏.‏ونحن كعرب قادرون علي دخول هذا المضمار،و ذلك لو حشدنا الطاقات الخلاقة التي تزخر بها مجتمعاتنا العربية‏,‏ وفق إستراتيجية متكاملة تقوم علي أساس الفهم العميق لتحولات المجتمع العالمي‏,‏ وأكثر من ذلك معرفة منطق كل تحول من هذه التحولات واتجاهاته المستقبلية‏.‏

7. يتمثل دور حكومات بلدان المنطقة في خلق بيئة تشجع للاستفادة من اقتصاد المعرفة. ومساعدة المشروعات العربية على الاستمرار في النجاح، وتشجع إنشاء مشروعات جديدة في بلدانها. وفي ظل الظروف التنافسية الجديدة الناتجة عن العولمة، يجب على الحكومات أن تضع سياسات جديدة، تعزّز الابتكار، وتشجع المشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة على بناء القدرات الابتكارية. وتزويدها بالخدمات المناسبة غير المتيسرة حالياً، كخدمات المجمعات الصناعية، والتدريب، والبحث التطبيقي، والمساعدة الفنية، ونشر المعلومات، وقواعد البيانات، ومراقبة النوعية، ونقل التكنولوجيا، والأنظمة الإدارية، وخدمات أخرى. وينبغي استحداث هيئات الابتكار الوطنية بمشاركة ممثلين عن القطاع الخاص كجمعيات المنتجين، والمراكز التربوية، والمصارف المحلية، وغيرها.
8. كما ينبغي للمجتمع الدولي، أن يساعد الحكومات على القيام بمزيد من الأنشطة حول نقل التكنولوجيا والتدريب وتطوير القدرات البشرية في المنطقة وخلق البيئة المناسبة لتعميم الاستفادة من اقتصاد المعرفة. ويمكن أن تشمل تلك الأنشطة أيضا إجراء دراسات إضافية حول انتشار الابتكار، وتحليل العوامل التي تعوق انتشار الأفكار والابتكارات الجديدة في بلدان المنطقة ، وإعداد توصيات حول سياسة عامة من شأنها تعزيز الاستفادة من اقتصاد المعرفة.

hossien159@gmail.com

المراجع:-
1. السيد ياسين ،الإدراكات العربية لعصر المعلومات،جريدة الأهرام المصرية ،الخميس 21 من المحرم سنة1431 هـ-7 يناير 2010،السنة 135 العدد 44957
2. اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا،قدرة المشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة على الابتكار في بلدان مختارة من منطقة الإسكوا(E/ESCWA/ID/2001/2)،الأمم المتحدة،نيويورك، 2002
3. حسن مظفر الرزو،سمات اقتصاد المعرفة في دول المغرب العربي، وانعكاساتها المحتملة على الميزة التنافسية في البيئة الرقمية،مجلة المستقبل العربى،العدد 348، مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت،لبنان شباط/فبراير 2008
4. حسين عبد المطلب الأسرج،تعزيز تنافسية المشروعات العربية الصغيرة والمتوسطة فى ظل اقتصاد المعرفة،الملتقى العلمي الدولي:المعرفة في ظل الاقتصاد الرقمي ومساهمتها في تكوين المزايا التنافسية للبلدان العربية، جامعة حسيبة بن بوعلي شلف،الجزائر،4-5 ديسمبر 2007.
5. حسين عبد المطلب الأسرج ، تعزيز تنافسية الصناعة العربية فى ظل اقتصاد المعرفة ،مجلة علوم إنسانية،السنة 5 ،العدد 35 ، خريف 2007 ، هولندا .متاح فى موقع المجلة WWW.ULUM.NL
6. محمد عبد العال صالح،موجهات التنمية الصناعية في الاقتصاد الجديد،ورقه مقدمه الى : المؤتمر السنوي الأول للجمعية الاقتصادية العمانيه مسقط 2 – 3 اكتوبر 2005
7. مجلة العربية 3000 أعداد مختلفة متاحة فى : http://www.arabcin.net/arabiaall/studies/ektesad.htm
8. مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية،تقرير اقتصاد المعلومات 2007-2008 :تسخير العلم والتكنولوجيا لأغراض التنمية، النموذج الجديد لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات(استعراض عام)، الأمم المتحدة،نيويورك وجنيف،2007
9. وزارة المالية،تعزيز القدرة التنافسية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة فى مصر،جمهورية مصر العربية، نوفمبر 2004
10. يوسـف مسعـداوي، إشكالية القدرات التنافسية في ظل تحديات العولمة ،مجلة علوم انسانية،السنة الخامسة: العدد 35: خريف 2007

11. Jean-Eric Aubert and Reiffers ,Jean-Louis. Knowledge Economies in the Middle East and North Africa: Toward New Development Strategies, WBI Learning Resources Series, The World Bank,Washington, D.C.2003
12. -www.britishcouncil.org/knowledge_economy-core-briefing.pdf
13. World Bank ,World Development Report 2005:A Better Investment Climate for Everyone, Washington D.C,USA,2004.avaliabal at :http://econ.worldbank.org/wdr/wdr2005/
14. World Bank, Doing business in 2005:Removing Obstacles to Growth, Washington, USA,2005,PP98-131

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 4524



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


اعداد :حسين عبد المطلب الأسرج
تقييم
8.50/10 (6 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة العلوم الاجتماعية www.swmsa.net

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |راسلنا | للأعلى
get firefox
Copyright © 2014 swmsa.net - All rights reserved