في
الأحد 23 نوفمبر 2014

جديد الصور
جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو

سعودي عقار

المقالات
أقلامهم
حدود التفكير

حدود التفكير
01-06-2011 08:31 PM


حدود التفكير
د. موسى حجيرات

إنّه لمن البديهي والمسلّم به أنّ العقل محدود، بالرغم من أنّه حتى الآن لم يعرّف بشكل دقيق، ومع كل محاولات العلماء والمختصين.
يصطلح أحيانا أن يعرفوه بأنّه مكان التفكير، وكأنه الجهاز السحريّ الذي يسيّر بني البشر، وفيه تحدث كل العمليات التي نسميها التفكير، والتي، أيضا لم يتوصل أحد إلى تعريفها.
فالعقل جزء من هذا الكون الكبير الواسع، ولذلك لا يمكنه أن يفكر في الكون كله، وكذلك لا يحيط الجزء بالكل أبدا، وهذا إثبات على محدوديّته.
لهذا العقل آليّات كثيرة ومتعددة، وآليّة التفكير جزء منها، وبما أنّ عملية التفكير هي نشاطات ذهنيّة، وهذه النشاطات مختلفة لدى بني البشر، لذلك نجد لدى البعض بعض القصور في آليات التفكير، والبعض الآخر مختلف تماما.
أمّا العقل البشريّ فله قدرة محدودة على الاستيعاب، لذلك تجده يستجيب لكل مثير، ولكن لا يدرك كل المثيرات، ولا يستوعبها جميعها، وهذا إثبات آخر لمحدوديته. فالأشياء الخارجة عن نطاق حدوده، ومقدرة استيعابه كالغيبيات، وما فوق الطبيعة موجودة وقائمة، ولكن يقصّر العقل البشريّ في استيعابها.
ونجد أحيانا هذا الأمر محفزا على التفكير في آليات، وتقنيات حديثة تساعد العقل على استيعاب، وإدراك الأشياء الخارجة عن نطاق وحدود مقدرته.
إنّ إدراك الآدمي لمحدوديّة عقله يساعده على التكيف معها، وإن لم يستطع فسوف يتأثر بشكل سلبيّ ويعاني كثيرا. فالفرد المدرك لهذه المحدوديّة لا يفكر في كل الكون، والإنسان، والحيوان، والنبات، والأفلاك، وغير ذلك من أمور لأنّ عقله لا يستوعب كل ذلك، ولأنّه غير قادر على ذلك.
وهكذا فإنّ فكّر المرء أو حاول أن يفكّر في كل ذلك، إنّما يجهد نفشه، وعقله؛ فيكون تفكيره غير مجد، ولا مثمر. كما أنّ هذا الفرد لا يفكر في أشياء أكبر من الكون، كأن يفكر في الله، ووجود الله، وفيما فوق الطبيعة أو أن يفكر في الغيب، وما إلى ذلك، وهذا، أيضا إجهاد للعقل، وتعب غير مبرر، بل كفر في معظم الديانات خاصة السماويّة منها.
وأمر أخير في هذا الشأن، فالمرء المدرك لمحدوديّة عقله لا يفكر في أشياء أكثر وأكبر مما يشعر أنّه قادر على التفكير بها. كأن يفكر، مثلا، في أمور أكبر من مستواه النضجي أو أمور خارج نطاق تخصصه أو إمكاناته، وما ذلك إلا خروج عن السبل المقبولة، وستؤدي نتائجها إلى الإحباط والقنوط.
كذلك على المرء المفكر أن يدرك، أيضا أنّ مدة التفكير محدودة، فالعقل لا يعمل باستمرار، وديمومة بنفس الجودة، والسرعة. فللتفكير حدّ محدود يستطيع المرء أن يدركه، وان يعرفه بدقة. فإن اعتبره، وانتهى عنده كان ما فكر به سليما ومفيدا، ويعتبر الوقوف عند الحدّ فاصلا لاستراحة العقل، وحين انتهاء الفاصل أو فترة الاستراحة يعود المرء لمواصلة التفكير، وعندها يكون تفكيره أكثر مثمرا. ولكن إنْ تجاهل المرء هذا الحدّ فتخطاه، ولم يرح عقله منه، فلا يكون تفكيره ناجحا، وربما يتحوّل إلى سلبيّ.
إنّ هذا الحدّ يتأثر بالظروف، والحالة النفسية، كما يتأثر بعوامل أساسية كالجيل، والجنس، والوقت، والموضوع، ونوع الموضوع، وغير ذلك.
فالمرء مثلا، يفكر بعمله، وتعليمه، وأموره الحياتية، والزوجة، والأولاد، والأقارب، والجيران مستعملا آليات عادية للتفكير، وهي برمجات عامة، ومع ذلك عليه أن يعلم أنّ الاستمرار في التفكير بهذه الأمور هو خطأ جسيم، وإنّ التفكير بهذه الأمور في فترة ما بعد الحد المنطقي هو إجهاد لا فائدة منه، وعمل لا طائل منه.
فمعرفة محدوديّة التفكير أمر بسيط يدركه حتى العامة، ويسلكون حسبه، ولكن دون إدراك علميّ لهذا الموضوع. فمثلا توجيه الأطفال الذين يدرسون للامتحان بالقول لهم: "يكفي دراسة! استرح قيلا! لا تجهد نفسك!"، ما هي إلا مصطلحات، معناها تفريغ ما كان من أفكار وتهيئة العقل لاستقبال أفكار جديدة غيرها.
وكذلك التفكير محدود من حيث المواضيع، لهذا لا ينبغي على الفرد المفكر أن يتناول كل المواضيع ويفكر بها فعليه ملائمة المواضيع من ناحية نفسية، فمثلا، لا يطيل التفكير في أعراض مرض نفسيّ أو مرض يشعر أنّه كذلك فقط، أو يطيل التفكير في حالة نفسيّة ايجابيّة أو سلبيّة، ولهذه الإطالة سلبيات كثيرة كما أنّ الفرد يجب عليه ملائمة الموضوع الذي يفكر به من ناحية صحيّة. فإذا فكر بصحته أو وزنه الزائد أو شكله الخارجي أو مرضه ينبغي أن يعرف أنّ لتفكيره حدود فإن تخطاها وهو يفكر في هذه الأمور فلا طائل من التفكير فوق الحدّ؛ فليوفر الجهد ويسترح.
ويجب كذلك ملائمة الموضوع من ناحية اجتماعيّة فإن فكّر المرء بعلاقته مع الآخرين: ألأسرة، والأقرباء، والزملاء، والرفاق، وغيرهم فلا يتعدى المقبول من حيث الموضوع ومن حيث الكم فلا يطيل التفكير كثيرا، ولا يتناول جوانب لا تلائم تفكيره من حيث المستوى النضجي، ،الجسدي، والإدراكي، والعقلي.
وكذا في الأمور الاقتصاديّة؛ فلا يفكر في مشاريع تمويلها خيالي، وهي غير قابلة للتحقيق أبدا أو أن تكون بعيدة عن بيئته أو ثقافته أو مجتمعه؛ فعليه ملاءمتها من حيث النوعية ثمّ تحديد التفكير فيها، ويعلم، ويدرك كما أدرك في أمور سابقة إنّ التفكير الزائد عن الحدّ الواضح هو إجهاد لا طائل منه.
وأخيرا فحتى في مواضيع علاقة المرء بالآخرين من نفس الثقافة، ومن ثقافة أخرى؛ فتفكيره بما يعرضون بغية تسويق ما عندهم أو بغية شحنه على ما عندهم من سلوكيات، وتصرفات، وآراء أو التأثير عليه هو محدود أيضا. فلا يعطي أكثر مما يجب وليكن تحديده انتقائي من حيث النوعيّة، والكميّة.
فإن كان الآخر يعرض ما عنده لتسويقه، فلماذا تجهد نفسك أنت وتفكّر فيه، أعطه قدرا كافيا، ومناسبا حتى وإنْ أردت الأخذ منه، وليكن أخذك منه مبنيّا على أساس تفكيريّ، حاورت به ذاتك حول مناسبة ما أخذت لك، ومناسبته لقدراتك الجسديّة والعقليّة والنفسيّة، ولعادات مجتمعك، ولظروف أسرتك، ولتعرف بأيّ وسيلة تأخذ، وكميّة ما تأخذه. وهكذا يكون أخذك ناجحا، وتفكيرك فيه صائبا؛ لأنّك عرفت حدود تفكيرك، ومدى استيعاب عقلك.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 678



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


د. موسى حجيرات
تقييم
0.00/10 (0 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة العلوم الاجتماعية www.swmsa.net

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |راسلنا | للأعلى
get firefox
Copyright © 2014 swmsa.net - All rights reserved