• ×
  • تسجيل

الأحد 16 فبراير 2020 اخر تحديث : 02-15-2020

قائمة

almushref
بواسطة  almushref

مقدمة لدراسة النخبة في الثقافة العربية والاسلامية: جدلية الأصالة والمعاصرة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


توطئة: تعتبر ظاهرة النخبة من الظواهر الاجتماعية اللافتة للانتباه في الآونة الأخيرة . ويبدو أن الاهتمام بدراسة هذه الظاهرة الاجتماعية اللاعقلانية في العالم الاجتماعي المعاصر مردّه انشغال الباحثين والمختصين من الفئات المثقفة والناشطة في مجالات العلوم الإنسانية ومؤسسات المجتمع المدني بجملة التحولات المجتمعية والدولية الراهنة التي تخطو خطوات متسارعة دون أن تتمكن هذه المجتمعات والدول من السيطرة على هذا التدفق الهائل من الثقافات المتنوعة المزاحمة لثقافاتها المتأصلة في شعوبها مع ما تحمله هذه المجتمعات من قيم وعادات وتقاليد متعارف عليها بين أقرانها ونبيلة في تنشئة أجياله وتوجيه اختياراتهم نحو تجسيد هوياتها الوطنية والحضارية . وبطبيعة الحال ، فإن الغاية من ذلك كله الحفاظ على خصوصياته الثقافية ، وتأكيد مناعتها درءََ لمحاولات التجزئة والانبتات من الجذور، التي تصيب المجتمعات والدول المشيخة، بفعل الثورات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي لا تترك مجالا لوقف عجلة الزمن والبكاء على ما سلف في كل لحظة من لحظات التغير في الواقع المعيش .




ولقد ارتأينا أن نخصص هذه الدراسة للبحث في سياقات إنتاج مفهوم النخبة في الثقافة العربية والإسلامية . ومن نافلة القول، هنا، القيام بمقاربة معرفية أولية لنشأة الإطار النظري للنخبة في متن الثقافة العربية والإسلامية كمحاولة لإبراز أصالة هذا المفهوم وبيان حداثته. ومن ثم سبر أغواره لعلّنا نجد ضالتنا في الوصول إلى نتائج مرضية يمكن البناء عليها أو التفكير بها في مجال العلوم الاجتماعية المعاصرة، وسيمكننا ذلك من طرح الإشكالية التالية: ما هي المواطن المعرفية لمفهوم النخبة ودلالاته في الثقافة العربية والإسلامية ؟ وماهي انعكاساته على سجالات المثقفين المعاصرين ؟
سنحاول في هذه الدراسة استعراض أهم المتون النظرية الخاصة بمفهوم النخبة . ومن ثم سنحاول مقارنة ذلك بين مختلف المفردات ضمن هذا الإطار وتطبيقاته ضمن الحقل الثقافي.
أولآ:المقاربة المعرفية.
أ-مفهوم النخبة:
تعد النخبة نواة المجتمع، الحاملة للمضامين الفكرية والمعرفية في زمن معين وعلى رقعة جغرافية معينة. وتنتمي هذه الفئة من النخب إلى فئات مهنية محددة العدد، وشديدة المنافسة فيما بينها . وغالبا ما تكون فئات مثقفة موهوبة ووجيهة تمتاز بحس مرهف وتصور عميق نحو العالم والفضاء الاجتماعي التي تعيش فيه. ومن اهتماماتها تقمص أدوار محورية في مؤسسات المجتمع والدولة التقليدية والمعاصرة، يتناوب على هذه الفئة من المجتمع الخاصة والعامة من رجالات العلم وأهل الذكر والحل والربط، وممن استقلوا عن الدور المحوري في الدولة فشهروا في أعمالهم العلمية المختلفة، وحملة المشاريع الحضارية للأمة والناس.
أما مضمون النخبة كنخبة مثقفة فتحمل أبعادا رمزية ترتبط بما هو ثقافي قيمي أخلاقي، وممن هم في موقع الأفضلية كمجتمع النيرين الأخيار، ومن جماعتهم أبناء قومهم وصفوتهم من الفئة العليا التي يحسن فيها الصحبة والمعشر، القيادة والكياسة [1]. فهؤلاء الذين يتميّزون عن غيرهم بخصائص معينة يسمى كل فعل اجتماعي صادر عنهم فعلا نخبوياELCTIF ودلت على\" ميولات نخبية، الميول التي يكون موضوعها ليس صنفا من البشر، سردا من الكائنات (CLASSE )، بل بخاصة، حب وصداقة\". ولهذا ل. بواس يعتبر أن هذه \"الميول النخبية سيئة الوضع، فهي تدل على حرية الاختيار بينما قد لا يوجد ما هو أكثر قدرية وحتمية منها\"[2]. ويؤيد بواس في ذلك أ.لالاند من\" أن كلمة ELECTIF تعني فقط أنّ بعض الأفراد ، أغراض هذه الميول ، هم المفضلون في جملة الأفراد من نوع واحد ، في الأساس المفرد كيميائية BERGN GNN AFFINITE الجذر نفسه موجود في SELECTION وتاليا يبدو تماما أن هذا الجذر لا يحتمل أية فكرة للحرية\"· . وهذا ما ذهبت إليه نظرية الفردانية المنهجية من التذري والانفصال الاجتماعي، بمعنى أن الفردانية القصوى في انجرافها العامة عديمي التنظيم والعنيدين [3]، وقد ينتج أشكال من النشاط الثقافي والسياسي عبّر عنها جون بول سارتر\" بتحالف النخبة المثقفة والرعاع على حد سواء\"[4]، أو \"هو التحالف المضطرب الذي يمثل فيها كل فريق مصير العصر\"[5].
وحري الملاحظة، أيضا، أن ثمة موقف متشائم من ميولات النخبة المستنبطة من قبل بواس و لالاند تنساق هي نفسها ضمن تعبير ميولات خاصة في الثقافة العربية والإسلامية ككل، التي \" لا تعني طبقة معينة من الناس كطبقة المزارعين أو الأساتذة أو المحامين أو العمال، وإنما تعني أولئك الأفراد الذين بحكم عملهم قد أوتوا معرفة خاصة بما يشتكون منه، فهم أعرف من غيرهم بمواقع الظلم والشكوى، وهم اقدر من غيرهم على تجديدها، وتعيين أسبابها وطرق القضاء عليها، وأعرف الناس برقابة النقد \"[6] .
ولقد عبّر عن ذلك أنيس القاسم بلغة \"التذمر\"[7]الذي يستقيم عند العامة والخاصة. فعندما سئل الوليد بن عبد الملك أباه قائلا: \" يا أبت ما السياسة، قال: هيبة الخاصة مع صدق مودتها واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع\"[8].
إذن، مقاصد أفعال النخبة وميولاتها ليست على الدوام تقود إلى الاصلاح بل قد تقود إلى خروقات، إثارة الضغون والشكوى حتى في مستوى التفسير العلمي والتقني للمفهوم . لذلك توخّي الحذر كان مفتاح فهم ماهية النخبة ، خصوصا في حالة اخذ لفظ ما ومطابقته بآخر ، كما ينبّه إلى ذلك عالم الاجتماع الطاهر لبيب حيث المفاهيم الطنانة أو استساغة المفاهيم المضرة بالمعنى وتميزه عن سابقيه، كان يمحّص المفهوم في سياقه التاريخي وانعطافاته الثقافية وتداخلاته مع البنية الاجتماعية والفئوية، أو بين أهل المعرفة والعامة في المجتمع العربي والإسلامي ، على اعتبار أن لفظ الخاصة يفيد كفئات اجتماعية سياسية وهي أيضا كحامل أو منتج لنمط من المعرفة والثقافة ، بمعنى آخر ، فصل الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين عن مضمار الفاعلين الثقافيين ، حيث أشار لبيب إلى ذلك من خلال علاقة العالم بالسلطة السياسية ، ومع ذلك ، فانه أقرّ العلاقة ضمنيا بوجود التباس عبّر عنه بالتحولات التاريخية الكبرى التي أفضت إلى \" أن ثقافة الخاصة مفتوحة على العامة وللعامة \"[9] . ويبدو من خلال دراستنا لمفهوم النخبة في الأدبيات العربية والغربية أن ثمة إشكالا يدعو إلى إتباع السائد والشائع المستساغ عند استخدام مفهوم على درجة كبيرة من العلمية والاستخدام الأكاديمي، والذي من المفترض الاجتهاد في الكشف عن حالة الغموض والتميز والوضوح. فإن لفظ النخبة في الغالب يطلق على الرموز المجتمعية والثقافية والجمعياتية كالمثقفين والمتدينين والسياسيين والوجهاء والأعيان وغيرهم، في حين اعتاد بعض المثقفين على ذكر مفهوم الطبقة على حقول اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية أيضا. نعتقد أن هذه الميادين ليست مغايرة تماما عن بعضها بعضا باعتبار أن ميدان الفاعل الاجتماعي يحمل أنشطة مختلفة تتداخل في ما بينها.
إن هذا الأمر هو ما جعلنا ندرك أهمية هذه الدراسة لتتبع درجة الترابطات بين الحقل المفاهيمي للنخبة والطبقة واستخداماتها لدى الدارسين والمتخصصين في مجال العلوم الاجتماعية المعاصرة، فضلا عن السياقات التي يمكن أن تندرج فيها، وكذلك النظام الذي صيغت فيه، ولا سيما ميولات الروّاد الأوائل ممن بلوروا الاستخدام المفاهيمي لنظرياتهم . لقد أستعمل مفهوم الطبقة في النظرية الماركسية واستعاضت نظرية النخبة عند كل من موسكا وباريتو من الجانب الحتمي الذي يعطي مجالا للنسق السياسي من الظهور بشكل مستقل؛ فبدأ موسكا بلفظ الطبقة الحاكمة ثم تمكن فلفريدو باريتو من تهذيب هذا المفهوم ليصبح أكثر وضوحا ليدل على معنى النخبة في مجالات مختلفة من الواقع المعيش ، انطلاقا من مقولته الشهيرة التاريخ مقبرة الأرستقراطيات\"[10] .
ولقد استعمل الماركسيون الجدد أمثال بورديو مفهوم الطبقة في أدبيات علم الاجتماع المعاصر كرتبة[11] أو فئة محظوظة، بمعنى أن بورديو نسّب مفهوم الطبقة للحد من التطبيقات النظرية العلمية الخاصة بالحتمية الاقتصادية ، حيث إن اعادة إنتاج العلاقة بين الأفراد والمجموعات تعود في مراحل تطورها الاجتماعي إلى الهيمنة الرمزية ، التي يتشكل بناءً على عامل التمايز الاجتماعي وعلى تواطؤ الفاعلين الاجتماعيين في المجتمع .[12] فالفئات المحظوظة المهيمنة تتمتع برأسمال رمزي زيادة على الرأسمال المكتسب ( المدرسي)، لتستثمره هذه الفئات للبقاء في مواقعها الاجتماعية وفي سلم التراتب الاجتماعي أو تماهيا مع الخصائص المكتشفة لديها. وليمكنها ذلك من التفوق الرمزي والعلمي والسلطوي على بعض الفئات غير المحظوظة \" المهيمن عليها\" متجنبا بذلك بير بورديو شبح التفسير الحتمي عن المضامين النفعية للفظ الطبقة.على اعتبار أن هذه العلاقة طبيعية مادام الفاعلون الاجتماعيون متواطئون طواعية لما تمليه الهيمنة الرمزية من منافع ومزايا مشكلة وضعيتهم كطبقات[13] .
ولقد نهج توم بوتومور T.Bottomor الأسلوب ذاته عندما أدرج مفهوم النخبة السياسية في موضع أدنى من الطبقة السياسية ، فإذا كانت النخبة السياسية تعتبر امتدادا لأعضاء الحكومة والادارة العليا والقادة العسكريين ، بالإضافة إلى العائلات المتنفذة والارستقراطيات \"وقادة المؤسسات الاقتصادية القوية ، \"فان الطبقة السياسية تضم النخبة السياسية التي أمكن التعرف عليها بسهولة \" كالنخب المضادة \" من قادة أحزاب سياسية ليست في الحكم. وممثلي مصالح أو طبقات اجتماعية جديدة، ( كقادة النقابات )، وفئات من رجال الأعمال والفكر ممن هم فاعلون في حقل السياسة\"[14] .
إذن، طبيعة النظرة الكلية لتوم بوتومور جعلته يحصر المجتمع في أنماط متنوعة من النخب المؤسساتية طبقا لنوعية الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين الذين توطّنوا،في مجموعات كبيرة منها ما هو مجموعات مغلقة ومنها ما هو مجموعات مفتوحة أو شبه مفتوحة،[15] وتعتبر \" الثروة والتقانة التي هي مظاهر لانقسام المجتمع إلى طبقات \" [16]العناصر التي تشترك فيها مختلف التقسيمات المجموعاتية . لذلك فان توم بوتومور ينفي وجود طبقة حاكمة في ظل غياب التفوق الاقتصادي والسياسي لأي حقبة من الزمن في مجتمع معين ، ويتأتى وجود النخبة السياسية من التوق إلى الديمقراطية كنخبات مضادة للطبقات تتجه إلى اسلوب الحرية والمثالية للمجتمع . وأن عدم وجود مثل هذه التشكيلات لايمكن اعتبار المجتمع مجتمعا[17] .
ففحوى ما ذهب إليه بوتومور أنّ استخدام هذا المفهوم في غير محله من شأنه أن يظهر ملابسات عدة منها ما هو نتيجة اسقاطات الترجمة أو توليفات المفهوم كمشاع لفظي فكري أو مذهبي . لكن المتتبع لبنية الثقافة العربية والإسلامية يجد مؤشرات دالة على وجود تقارب بين لفظي الطبقة والنخبة ، في حين قد ينأى الباحثون عن استخدام لفظ الأقلية أو الطغمة وغيرها لأنهم يتجنبون ذكر حقيقة الأمور أو يتجاهلوا ذلك حشمة مع أن مبدأ الأمة بني على البيان .
ويبدو أن الفصل بين اللفظين وفحص المدلول القيمي ضمن النظام الذي صيغت فيه الكلمة هو الأقرب إلى الصواب . فكلما اعتبر اللفظ عنصرا ذو دلالة هامة وسائدة في النظام الاجتماعي فإن الكلمة تحتل مكانة جد هامة في مستوييهما الذهني والواقعي معا . فان الإطار النظري الذي كان متداولا أيام ماركس لم يكن من السهل محاكاته أو نقده دون وضع لغة ماركس في الإطار الفكري والعلمي وأيضا الإطار الزمني ذاته.ثم يأتي الافراط والتجديد في الحقل المعرفي ممن يصنفون تلامذته وأتباع مذهبه وفكره الأكثر اضطلاعا على تراثه المعرفي وميلا لنظريته وتحليلاته لشرح المضامين الفكرية والعلمية كنوع من الإحاطة والمعرفة بفكر ماركس كمثال على ذلك. إن هذا ما جعل الماركسيون الذين أتو بعده يتهمون ببعدهم عن مراد الماركسية والبعض منهم اعتبرهم ماركسيون مجددين . ولكن هذا كان في صالح نظرية النخبة ، حيث شملت اهتمامات موسكا وباريتو لتأخذ نظرية النخبة الشكل الطبيعي ، ومع ذلك لم يحظ مفهوم النخبة بدرجة الشمولية كما ينبغي لاعتبارات أهمها :
1- عدم الاتفاق على لفظ النخبة بالجمع ( نخب، نخبات ) أو بالمفرد ( نخبة) .
2- تعدد مرادفات المفهوم مع تطبيقات الباحثين لأنماط وحقول معرفية متباينة.
3- تعارض فكرة النخبة مع حدود السلطة وأسس القوة التي يستند عليها ، وكمبدأ المساواة والعدالة ولا سيما مبدأ الديمقراطية للجميع الذي لا يقتصر على حكم قلة بعينها .[18]
إذن ، فان تشعب لفظ النخبة في كنه الثقافة العربية والإسلامية دون تقييد لاستخداماته وتطبيقاته العملية والدراسية من شأنه أن يشوه الحالة الذهنية والمقاصد الأساسية التي لا تبني تراكما معرفيا قويما بل تزيده انحسارا وميوعة. ولقد نبّهت موسوعة المصطلحات العربية والإسلامية للتهانوي من أنّ الترادف هو\" أن تؤتى بكلمتين لهما معنى واحد ولكن ثمة فرق بينهما في الاستعمال، أو أن يكون للكلمة الثانية معنى ثان خاص ، أو أن توصف بصفة خاصة\"[19] ويضيف التهانوي\" أنه من المعيب أن يؤتى بلفظين لهما معنى واحدا دون أن يكون لأحدهما أي فرق عن الآخر. ويسميه بعضهم بالحشو القبيح \"[20].
وينشغل علماء الألسنية في الحقل الثقافي بالانفراد بطرح مثل هذه القضايا اللغوية، يقول فردينان دي سوسير من أنّ \" قيمة الكلمة، إذن، تظل غير محددة طالما اقتصرنا على ملاحظة أنه يمكن \" تعويض\" تلك الكلمة بمتصور ذهني ما ، أي أن لها دلالة ما ، وينبغي بالإضافة إلى ذلك أن نقارن تلك الكلمة بالقيم المماثلة أي بالكلمات التي يمكن أن تقابلها ، ولا يمكن أن يعين محتوى الكلمة تعيينا حقيقيا إلا بالاستعانة بما يوجد خارجها ، فلما كانت الكلمة جزء من نظام ما ، فهي لا تكتسي دلالة فحسب بل تكتسي ، أيضا، وبالخصوص قيمة وهو أمر جد مختلف \"[21] .
إذن، الكلمة قد تكون صنوان لمعنى واحد ، ولكن نضوبها أو صعودها متعلق بمتغيرات وظروف خاصة بالتقدم المجتمعي والتقني وما هو ثقافي علمي، ونلاحظ ذلك بالنسبة إلى نظريات علم الاجتماع.
فمنذ نشأة علم العمران البشري في القرن الرابع عشر على يد ابن خلدون ومن ثم تطوره في أواخر القرن التاسع تحت مسمى علم الاجتماع على يد العالم الفرنسي أوجست كومت من خلال كتابه \" دروس في الفلسفة الوضعية\" والنظريات العلمية والمقولات المعرفية في تطور متسارع تبعا لهالة العصر . فالمقولات المعرفية تتفجر وتتفاعل مع النظام الاجتماعي العالمي، فالعمران البشري كمفهوم ظل قائما بين علماء الاجتماع ولكن في سياق المضامين المعرفية الغنية بالأطروحات المعاصرة والآنية إلا أن الباحثين المعاصرين العرب تحديدا قد عزفوا عن تبني المفهوم ذاته ، ليفسح المجال أمام مفهوم علم الاجتماع بالرغم من أهمية علم العمران البشري للمجتمعات العربية القبلية والحضرية. ولسنا بعيدين عن مفهوم علم الاجتماع الذي برز عند كومت كفيزياء اجتماعية بادئ الأمر ؛ تفجّر هذا المفهوم مع إميل دوركايم الذي أكد على الجانب الاجتماعي مهمشا دور الفرد ومثنيا على دور البنية الاجتماعية، مع أن الفرضيات المعاصرة كدراسات ريمون يودون ركزت على الفر دانية ؛ أي أن الفرد فاعل اجتماعي مستقل ومنفصل عن المجموعة ، وهذا الطرح أنعش نظرية عالم النفس غابرييل تارد ، الذي أكد على دور الفرد بمعزل عن المجموعة .
إن هذا الطرح النظري أثّر على قيمة الأفراد في مجتمعاتهم، ومن ثم تعززت فكرة التحرر من السلطة المطلقة.[22] ومن هنا يمكن القول ، إن الخبرة والمعرفة والثقافة والمال والأعمال والاتصال الحديث وطرق الحصول عليها لم تعد حكرا على فئة دون أخرى ، كما أن الناس في هذا الإطار متفاضلون معرفيا وثقافيا دون أية اعتبارات أو حساسيات ثقافية أو عرقية أو مذهبية يمكن لها أن تقوض حالة الحراك الاجتماعي في مجتمع ما وفي زمان ومكان معينين . أي أنّ هذه الظاهرة الاجتماعية المتكررة من شأنها أن تؤدي إلى إعادة إنتاج حركية الأجيال والثقافات . بمعنى توليد الفاعلين الاجتماعيين المؤطرين لمجتمعهم . إنّ هذه البنية الاجتماعية للمؤطرين الجدد يمكن نعتهم بالورثة . فبالرغم من قلة عددهم على مرّ الأجيال ، إلا أنهم يمثلون أنفسهم ومجتمعاتهم كمخلدين في الثقافة انطلاقا من ابداعاتهنم العلمية التي هي بمثابة ثروة الأمة والحضارة الإنسانية .
ب-أصالة مفهوم النخبة في السياق العربي ( المتون ):
ترد في الأدبيات العربية خصوصا أمهات الكتب ومتونها حالات متشابهة تتعلق بمفارقة بين لفظي النخبة والطبقة كتعبيرين وقع التطرق إليهما في كتب الطبقات والسير في العصر الإسلامي الوسيط لتدل على صنف من الناس بوصفهم حملة العلم والعقيدة والخصاصة ، وكل ما يمت ّ الصلة بالعترة الدينية ، ممن أسندت إليهم رتبة اجتماعية يمتلكون في الأصل إلى المؤهل الثقافي الذي يمكنهم من الحصول على الرتبة والمكانة العلمية ثم الاجتماعية ، فصنفوا كطبقة في الحقل الثقافي المحض لتميزهم عن سائر الناس بالفائض المعرفي والمناورات العلمية ومساجلاتها. وهي شؤون مغايرة من حيث الاهتمام بالتمايز الاجتماعي التي تسود فيه مصالح الطبقة الاقتصادية ، بل ثمة مصالح رمزية تتحدد في ما لا يدع مجالا للشك في هذا الحقل الثقافي وليس بالاقتصادي . وعلى العموم فان ذلك مخالف للتصنيف الخاص بالطبقات الاجتماعية على شاكلة ماهو قائم في الأدبيات المعاصرة .
فان الحديث في هذا السياق عن ماهية النخبة يضطرنا إلى تحديد إشكالية المفهوم في إطار ما هو سائد . فالسائد أن الاستخدام للفظ الطبقة عوضا عن لفظ النخبة له مبرّراته. ويبدو أنه جاء من واقع الانشغال الثقافي الإسلامي بحملة المضامين الفكرية والمعرفية ورموزها الشهيرة ، وذكر أحوال المتميزين منهم وتهميش أدوار ما دونهم وغيرهم من عامة الناس وأصنافهم . لذلك كان الاهتمام منصبا على حفظ رجالات الاسلام من أئمتهم ومشائخهم وعلمائهم وكبرائهم وغير ذلك . فضلا عن تدوين انسبائهم وسيرهم الذاتية ليقع التفطن والتيقن من أحاديثهم وبيان صدقهم من كذبهم ومن ثم مطابقته للواقع المعيش، ولا سيما الكتابات التي بينت على علم التاريخ وعلم التجريح ...اخ. فإن ما نجده في كتاب المقدمة وكتاب العبر لابن خلدون يعد مثالا هاما على انتقاده لأبناء عصره وسابقيه، وفي الآن نفسه يحث حملة المعرفة بمواصلة هذا النهج لبناء المعرفة في إطار ما هو ثقافي عربي وإسلامي وإنساني بقوله في اكتشاف علم العمران البشري \" .. إنما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ .. ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما وأعثرنا على علم جعلنا بين فكرة وجهينة خبرة ، فإن كنت قد استوفيت مسائله وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه فتوفيق من الله وهداية ، وأن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره فلناظر المحقق إصلاحه ، ولي الفضل أني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق والله يهدي بنوره من يشاء \"[23] .
ويبدو أن مواصلة البناء الثقافي والمعرفي على الصعيد العربي والإسلامي شكل حالة متقدمة من التفكير البشري، التي تعني الإرث الحضاري والإنساني. إن هذا الإرث الحضاري والإنساني لم يكن مقصورا على جيل أو حقبة من الزمن بعينه، بل هي عملية اتصال وتواصل تتابعي وتكاملي. ونجد في هذا السياق الخاص بما يمكن أن يسمى \" المثقفين القدامى \" العرب والمسلمين من حملة المشاريع المعرفية والمستقبلية لقد كانت هذه المشاريع المعرفية تمثل نبراس الثقافة العربي والإسلامية باعتبار أهدافها الأساسية تندرج في إطار حركة ثقافية متفق عليها في الأنا ودون أن يكون الآخر ذو وجود حتمي ومفكر فيه ، ولئن يمكن أن يعتبر هذا في تصورنا جزءا من بداية الفجوة بين العرب والمسلمين ونظرائهم الغربيين .
إن ما نودّ أن نشير إليه في سياق طرحنا لموضوع النخبة في الثقافة العربية والإسلامية هو ما يمكن التعبير عنه بالقطيعة المعرفية التي نشأت عن تخوف ابن خلدون من تسارع ظاهرة الانحطاط التي عصفت بالعالم العربي والإسلامي منذ جيوش هولاكو نحو المشرق العربي سنة 1258م وبدء الخلافات العقائدية بين الإسماعيلية والسنة ، ثم ثروة بغداد العلمية بإتلاف كتبها حتى سقوط الأندلس سنة 1491م [24]، الذي اعتبر إيذان بخراب العمران البشري بل العمران الحضاري المعرفي وتشتت الثقافة الكلية المنسجمة مع الإرث الحضاري العميق وتفككها إلى ثقافات فرعية وخصوصيات أيضا ؛ تعززت بالانعزال والانغلاق . ثم تشجيع الموانع والمحرمات الثقافي بعينها ، أي أن الثقافة العربية والإسلامية تمّ اختزال بنيتها الحضارية إلى ثقافات وطنية ومحلية ومجموعاتية مذهبية وعرقية واجتهادات تأويلية إلى غير ذلك. مما يعني تفكيك البنية الاجتماعية والثقافية الغنية بأنشطة الفاعلين الاجتماعيين والموسوعيين المثقفين والجهابذة من العلماء المتحدين بالفكر والعقيدة والتصورات المستقبلية إلى شرنقات في كل شرنقة ممالك ودول لم يكتمل نصاب الدولة فيها حد الإدارة والقيادة من رأي ثاقب وعلم سديد وشورى العلماء واستثمار العقول أوالنهوض بها . إن هذه القطيعة المعرفية تجعلنا نتحدث عن مرحلة تكدس ثقافات جديدة تتفاوت بين كل مجتمع وآخر في مرحلة تاريخية ما لتتفاقم وتشتد بتطور البشرية جمعاء .
وبالعودة إلى دور الحركة الثقافية العربية والإسلامية التي كانت سائدة في العصر الوسيط ، نجد أن ما توصلت إليه الحضارة العربية والإسلامية من رقي وازدهار لم يكن ليصل إلينا شفاهيا لم يدون كتابيا . وبطبيعة الحال، إن ملاحظة دور العلماء العرب والمسلمين في بلوغ درجة المنهجية العلمية ، يظهر من خلال عمل الدواوين ، وبناء المصنفات الضخمة ، وخط كتب التراجم . فهم يمثلون بممارساتهم الإبداعية والمنجزات العلمية كنخب موسوعية . لقد تناولت النخبة الموسوعية لفظ \"الطبقة \" كمرادف للفظ \" النخبة \" أو لفظ \" الصفوة \" ، لتدل على مكانة الشخصية وحظوة بين أقرانه من الموسوعيين الذين هم في حقيقة الأمر منابر عصرهم ومثقفيهم . وهذا ما أطلق عليه ماكس فيبر M.Weber بأنهم ينتمون إلى جماعات المكانة[25]. وتجد هذا الاستخدام عند ابن حجر العسقلاني الذي يصف طبقات مصطلح الحديث \" بنخبة الفكر \" . ويعرف الطبقة في المصطلح أهل الحديث بأنها جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ ، وقد يكون الشخص الواحد من طبقتين باعتبارين اجتماعيين كأنس بن مالك ، فإنه من حيث ثبوت صحبته للنبي محمد صلى الله عليه وسلم يعد في طبقته العشرة مثل، ومن حيث صغر السن يعد في طبقته من بعدهم\"[26] . واستخدم ابن فرج الجوزي في ترجمانه لفظ \"صفة الصفوة \" أو \" صفوة الصفوة \" ، وهو تعبير مخالف للفظ نخبة الفكر عند العسقلاني الذي اهتم بالحصر والاختزال بينم ابن الجوزي تراه يتحدث عن فئات اجتماعية أدنى من أهل المقام الرفيع في الثقافة والأدب مثل المجانين والرعاع والجهلة ، ويصف النساء في مرتبة ثانوية تابعة حتى لو كانت من نسب وقدر رفيع بقوله \" وقد حصرت أهل كل بلدة فيه وترتيبهم على طبقات : أبدأ بمن يعرف إسمه من الرجال ، ثم أذكر بعد ذلك من لم يعرف اسمه ، فإذا انتهى ذكرت عابدات ذلك البلد على ذلك القانون ، وربما كان في أهل البلد من عقلاء المجانين من يصلح ذكره من الرجال والنساء فأذكره \" [27].
أما عن سبب تسميته للفظ صفة الصفوة، باعتبارهم المشتغلون بالعلم والمتفوقين في الزهد وحبّ الله والأكثر تقوى وحال أهل الشهادة.يقول \" المقصود بوضع مثل هذا الكتاب ذكر أخبار العملين بالعلم ، الزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الآخرة ، المستعدين للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح ، ذكرت من هذه حالة دون من اشتهر لمجرد العلم ولم يشتهر بالزهد والتعبد ، ورأيت أن افتتحه بذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فانه صفوة الخلق وقدوة العلم ، فان قال قائل ، فهلا ذكرت الأنبياء قبله فإنهم صفوة أيضا ، فالجواب ..ثبت أن نبيه .. أفضل الأنبياء، وأن أمته خيرة الأمم، وأن شريعته حاكمة على جميع الشرائع فلذلك اقتصرنا على ذكره وذكر أمته \"[28]. ولقد زاد عدد الرموز الشخصية التي تحدث عنها ابن الجوزي عن ألف شخص ، ثمانمائة رجل والبقية نساء[29] .
ج- مفهوم النخبة ضمن سياق النهل المعرفي
لقد بدأت الحركة الفكرية والثقافية تنشط بين مثقفي وعلماء المجتمع العربي والإسلامي ، حيث اتجهت اهتمامات هذه النخب الثقافية في مجالات حضارية وأممية طالت اختصاصات متنوعة وسابقة لعصرها كالطب والفلك والرياضيان ، أي أنها لم تقتصر في أوجهها على المجال الشرعي الديني ، بل إن تبويب الصفات وإبراز الخصائص التي تتميز بها الشعوب والأمم البعيدة عن جغرافية العالم الإسلامي ومن ضمنهم العرب في موطن شتى أبز الثقة والمصداقية الفنية والتقنية العالية في فهم لغة الخطاب العربي مع الشعوب الأجنبية عنها وكسب ثقتها لها وخصوصا علاقة العرب مع حضارة الصين والحضارة الرومانية التي ازدانت فيها الحركة الثقافية في العصر الوسيط .ولذلك نشطت الحركة الثقافية لنقل أخبار هذه الأمم وضبط ترجمانهم . ولقد صنف صاعد الأندلسي ( المولود في سنة 1029 م بالأندلس وأحد تلامذة ابن حزم في قرطبة الأندلس ) الأمم إلى طبقات سبع ، من ضمنهم العرب ، معتبرا أن الطبقة التي عنيت بالعلم هي \" صفوة الله تعالى من خلقه ونخبته من عباده ، لأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفوس الناطقة الصانعة لنوع الإنسان والمقومة لطبعه ، وزهدوا فيما رغب فيه الصين والترك من نزع منزعهم من التنافس في أخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوة البهيمية ، إذ عملوا أن البهائم تشركهم فيها وتفضلهم في كثير منها \"[30] . وبالرغم من التحفظات التي تشوب صاحب كتاب طبقات الأمم من مسألة الأمم العالمة وغير العالمة عندما أدرج الصين والترك من بين [31] الأمم غير العالمة الذي يصفه فريدريك معتوق بالخطأ المنهجي والموقف المتسرع الذي لا يترك مجالا للجدل ليستقيم الحال . فان هذه التحفظات أبرزت نقطة منهجية غاية في الأهمية هو ذكر صاعد الأندلسي لفظ النخبة بمعنى الأجدر والأفضل كتعبير يضاهي فيه أفكار كارل مانهايم الذي يتعرض اليها في سياق قيمي .
إذ يمّيز كارل مانهايم بين عدة أنماط معرفية كالنمط السياسي والتنظيمي والفكري والفني والأخلاقي والديني بغية إنجاح المشروع الإنساني وتفعيل العلاقات خدمة للنفع العام \" إذ أن \" النخبات \" السياسية والمنظمة ترمي إلى تكامل عدد كبير من الإرادات الفردية ، نرى أن وظيفة \" النخبات \" المفكرة والفئات الأخلاقية الدينية هي أن تتسامى بتلك الطاقات الروحية التي لا تستنفذها المجتمعات في الصراع اليومي من أجل البقاء \"[32] ، ولذلك فان كارل مانهايم يرجع الأزمات الثقافية في المجتمع الديمقراطي الحر إلى تراجع النخب المثقفة والمبدعة التي تبدو كأن لها نتائج عكسية ، في حين قطاعات عريضة من المجتمع بإمكانها القيام بدور ايجابي في الفعاليات الثقافية[33] .
بيد أن صاعد الأندلسي كان يمثل شاهد عيان على التقدم والرقي الحضاري في القرن الحادي عشر ميلادية ، مقارنة ببقية الدول . ولكن هذه الصورة تغيّرت مع قدوم ابن خلدون ودنو الانحطاط بعد قرنين من زمن صاعد الأندلسي . ولكنه مع ذلك، قدّم رؤية قيمية ومعرفية وأخلاقية تحث على دور الفضيلة التي تعتبر أصل قيادة الأمم . وإن مجال النخبة هو القيادة أيضا، فإن الأندلسي لم يخرج عن دائرة لفظ الطبقة لكنه أبرز وجود تراتبية اجتماعية لمثقفي عصره تتكون من أصناف ثلاثة هم : 1- أصحاب الصفوة 2- النخبة 3- العباد . وكأنه يعتبر \" الاصطفاء لفظ قرانه أناس معينون \" لا يليق بأحد إلا لمن جبل بالخصاصة ممثلا بشخص محمد النبي صلى الله عليه وسلم، متميزا عن صحابته الأخيار . فاستخدم مولته تلك لتدل على درء الالتباس بين اللفظين ، وهذه الصفة تكررت عند ابن القيم الجوزية في كتابه صفة الصفوة . وفي الآن ذاته يعتبر صاعد الأندلسي سبّاقا على من سلف ، حيث جاءت دراسته مغايرة لكتب الطبقات ، متحدثا عن أنماط معرفية ثقافية وسياسية وأخلاقية، جبلت عليها الأمم والشعوب ، ولكن لا بأس في ذكر بعض من كتب الطبقات التي من أشهرها طبقات الحنفية لأبي الوفاء القرشي الذي فضل استخدام تعبير طبقات السادة[34] . وطبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسن أبي يعلى، الذي صنفهم إلى ست طبقات شملوا \" صفوة المخلصين \" يفوق عددهم الثمانمائة مخلص[35]. وكذلك طبقات المعتزلة لأبي القاسم البلخي والقاضي عبد الجبار الحشمي على التوالي خط الأول عشر طبقات وأتمّ الثاني اثنتين فكانوا اثنتا عشر طبقة تعرض إلى تاريخ بناة فكر المعتزلة [36].
ويمكن الإشارة إلى كتب طبقات اللغويين والنحاة لعبد الرحمان السيوطي الذي اعتمد على اللباب من طبقات اللغة ولخصهم في بغية \" الوعاة \" جامعا فيه تسع وافي شخصية ثقافية وسياسية [37]. فضلا عن كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد الذي كتب في العصر العباسي ، واعتبر أحد النماذج الأولى في موضوع رجالات المكانة [38]، وصنفهم في ثماني طبقات بدءً من السيرة النبوية وانتهاءً بالنساء الصحابيات ، وحاكاه في ذلك أبي عمر وخليفة الخيّاط في كتاب الطبقات ، حيث جمع ما يزيد عن ثلاث ألاف وثلاثمائة وخمس وسبعين شخصية من الصحابة والتابعين ، رجالا ونساء ، مهتما بأنساب العرب وقبائلهم وترجمانهم[39] .
كما ظهرت كتب تتعلق بطبقات الأطباء لابن سيون السعدي الخزرجي الذي تحدث عن النخبة الفكرية من منظور التنوع الثقافي الموسوعي ، وذكر مناقبهم وعلاقتهم بالحياة السياسية في البلاد ، لذلك تجد الطبيب أديبا وشاعرا ومهنيا أو رجل سياسة ودين ، كما أن المهنة كانت تورث من جيل إلى جيل عن طريق الأبناء ، إذ من خلاله يحظون بمكانة لدى السلطان . ولا يعني ذلك عدم تقديم الاستشارة له مثل الطبيب حنين ابن إسحاق كان علما باللغات الأربع: عربية وسريانية ويونانية وفارسية ، ثم جاء بعده إبنه إسحاق بن حنين وتبعه تلميذه جبيش الأعسم وغيره ، وهم يمثلون جهابذة الفكر آنذاك[40] .
د جدلية مفهوم النخبة وانعطافاته:
واليوم، مع تزايد استخدام لفظ الطبقة بصفته يحدد شكل النخبة تبعا للمصالح الاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية باعتبارها تشكل نظاما لا يزال يحظى باهتمام عديد الشعوب من حيث التعامل معه كمفهوم يوصف بالشمولية. بيد أن رؤية دي سوسير قد اعتبر من الخطأ النظر إلى الدلالات بالمقدار ذاته بعد مضي حقبة ما ، لأنها تشكل عوقا معرفيا إلا من حلال النظام الذي وجت فيه ، فإنّ لفظ الفلك · المستخدم في النص القرآني يدل معناه على السفينة ، لكن من النادر استعمال هذا التعبير في الزمن المعاصر إلا في السياق العلمي أو التعبير الديني أو اللغة العربية الفصحى ذاتها . لأنه يمثل السجل الذي يوجد فيه . ولعلك تجد ألفاظا من هذا القبيل مستخدمة في هذه الأيام لم يكن لها معنى في الماضي ، مثل الاكتشافات الحديثة كالهاتف والسيارة الذي يستدل عليها من العامل الوظيفي وليس من النظام نفسه أو تبقى بلا معنى في حالة تغيير لفظها كالتلفاز \" بالمرناطق· \" الانترنت \"بالشبكة المعلوماتية\" وهكذا .. لأنها ألفاظ وتعابير تدخل في سياق اشتقاقات اللغة والعامل الصوتي .
إذن، المقترح التعامل مع مختلف هذه الألفاظ دون إسقاطات علمية وتقنية أو إيجاد العامل الوظيفي لاستخراج المعنى المطلوب ولا سيما باستعمال منهج لغوي كاشتقاقات الكبار .
فانك تستطيع أن تتصفح بعضا من الكتب العربية لتجد استخدام مثل هذه الألفاظ · بمثابة عملية تفاعل ثقافي لكنه ليس دائما . فمفهوم الطبقة المعاصرة لفظ مشتق من الفعل الثلاثي طَبَقَ وهو لفظ له المعنى ذاته لكنه لا يتمتع بلفظ الدلالة الذي صقل فيه هذا اللفظ عند كتب الطبقات والسير في العصر الإسلامي الوسيط. وهذا بحد ذاته يشكل عامل التباس وشك لا عامل نفي وتضليل لغوي لحمل القديم على الجديد أو العكس، حرصا على تأويل المفهوم العلمي وفي اللغة العربية. وحتى يضفي أي تبني لمفهوم قديم أو جديد أو مخترع طابع الشرعية ، إلا أن ذلك يعتبر في بعض الأحايين نتيجة انحرافات المفهوم عن سياقه إبداعا وثراء معرفيا يمكن تصنيفه كمحاولة للفهم ، خصوصا أن الرؤية الكلية \" القروسطية \" تعتبر العالم المشروع الثقافي الذي يتحرك فيه أولئك الفاعلون الثقافيون \" العلماء \" . في حين رُسِمت الطبقة عند ماركس والماركسيين خطوط \" الألفية الثانية \" بنظرة أكثر شمولية وتعقيد . لقد ماثل محمود إسماعيل ومحمود عبد الفضيل ومصطفى التواني· وآخرون بين مفهومي الطبقة ومقولات السلف . فتحدث محمود إسماعيل عن المقريزي باعتباره قد قسّم المجتمع إلى طبقات سبع كالآتي \" أهل الدولة من الحكام، وأهل اليسار من التجار وأولوا النعمة من ذوي الرفاهية والباعة من التجار والسوق ، ثم أهل الفلاح ثم الفقراء ، ثم أرباب الصنائع والمهن ، وأخيرا ذوي الحاجة والمسكنة[41]. والملحوظة هنا هي محاولة تنضيد المجتمع وبيان اختلافاتهم حسب متغيري المهنة والدخل . وفي الآن ذاتها، تجد تشابها واضحا بين الفئات. وتبدو متداخلة أو أنها كذلك، وكأن بالمسيطرين على زمام الدولة هم أرباب الحرف لكثرة أصنافهم. ولقد أشار في السياق ذاته محمود إسماعيل بأن ألسبكي تفطن إلى الخطأ وجعلهم في ثلاث طبقات هي : طبقة عليا ، أرباب حرف ، عوام [42]، بينما يستطيع أن يجد الباحث السوسيولوجي فروقا شاسعة لدى إخوان الصفا حيث الحديث عن شرائح أكثر منها طبقات مثل \" أرباب الصنائع والحرف والسياسات ، ومنهم المتصرفون والخدام والمتعيشون يوما بيوم ، ومنهم الزمني وأهل البطالة والفراغ ، ومنهم أهل العلم والدين \"[43] .
ولعلّ بهذه التعابير إنما سيقت لتدعم قول علي بن أبي طالب وفق ما ذكره محمود عبد الفضيل بأن التقسيم السائد في فترة صدر الاسلام هو كالتالي : \" إن الرعية طبقات ، لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غني بعضها عن بعض، فمنها جنود الله ، ومنها كتاب العامة والخاصة ، ومنها قضاة العدل ، ومنها الأنصاف والرفق ومنها أهل الجزية والخراج ، ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السئلى من ذوي الحاجة والمسكنة ، وكلا قد سمى الله سهمه ووضع على حده فريضته، وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه \"[44] . ويبدو أن التقسيم السالف اعتبر كمحاولة في ضبط المسؤولين لبعض الفئات الاجتماعية وهو أساسا بني على علاقة الراعي بالرعية الحاكم المسؤول بالشعب المسؤول أيضا ، وهي الشرعية التي رسخها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفق ما جاء به الحديث الشريف \" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته\"[45] . فالسلطة، هنا سلطة هرمية وأبوية و وظيفية ، تبنى على المراقبة الذاتية وتحدد نوعية العلاقة بين التسيير الذاتي ونمط السلطة ، أي بين الفرد والمجتمع ، والمجتمع والدولة . فكلما كانت العلاقة تضامنية تكاتفية أصلب في دوامها من التواكلية والاتكالية ، بحيث يستقيم حال الشعب والأمة . لذلك فإن ما يفهم من نص علي بن أبي طالب كرم الله وجه إحلال لقيم العدالة على أساس المواقع الاجتماعية للفرد والنسق. وهو ما دفعه إلى تبويب تشكيلات اجتماعية تضم مللا مختلفة عن بعضها ، إنما صلاحهم مشروط بتطبيق مبدأ الطبقة الفضلى هي طبقة الصلحاء، في صورة التماهي العقائدي القيمي والأخلاقي . ومع ذلك ، طرحت المسألة الاقتصادية ضمن المصالح المشتركة للدعوة للطبقة المقترحة .
ويجدر الانتباه ، إلى أن العامة والخاصة قد يكونون من أهل الجزية والخراج أو من التجار والصنائع أو جنود مقاتلون ، حيث يَسْمون جميعهم أمام الله وفق أسمى فعل أخلاقي واجتماعي بما أنهم يقومون بأدوار اجتماعية يخدمون مصالح الراعي والرعية في كنف من الوئام النبوي . ومن ثم استحسان القيم الفضلى للأبعاد المهنية التكاملية فيما بين المجتمع العربي آنذاك. وهو أمر قد صوره محمود عبد الفضيل في طبقات ثلاث ( الإداريين ، الجند والعسكر والفلاحين ) على شاكلة التفسير الطبقي المعاصر . دون الاحذ بظروف التباعد التاريخي في نقل مفهوم وخصائص المجتمع العربي والإسلامي السالفة وتبيعاته على أنماط الثقافة العربية والإسلامية· وفضاءها المعرفي ، لكن ما يهمنا من ذلك كله هو أن جملة ما قدمه الإرث الثقافي العربي في هذا الحقل ، وبقي شاهدا إلى الآن على الإحاطة بالمضامين الفكرية والسياسية وتعاقبها مرحليا إلى اعتبار انجازاتهم الأدبية والعلمية والمنجية ثروة معرفية أتحفت المثقف العربي والأعجمي في الشرق والغرب . فكيف لا يمكن اعتبارهم نخبة ·؟ فهم نخبة .
ثانيا: الرهانات والتحديات :
تعتبر المثالية الجديدة المنبثقة من النخبة المثقفة منطقا استراتيجيا للتعاون والحوار والتفاوض على مستقبل الثقافة العربية والإسلامية ، كما أن المثالية الجديدة كأسمى قيمة حضارة وأخلاقية تتعزز بمكانتها في الواقع المعيش والنضال من أجل مطلب اجتماعي يشد أواصر المجتمع الواحد بعضه بعضا . أي أن المثالية كموطن للمعرفة تعد أحد ركائز تفعيل الأفكار والرؤى التوعوية من أجل ترجمتها لسلوك قادر على محاربة الجهل بالماضي والحاضر والمستقبل . فإن النخبة المثقفة بوصفها أحد أشكال المثالية المأمول إرسائها بالنسبة لحاملي المعرفة على مرّ العصور قادرة على التخطيط لمجتمعاتها دون أن يتطلع المرء إلى حجم سكانها أو قيام حلول سحرية خارقة وجذرية في كل الأحوال ، والمتعلمون هم هنيمة الجهل واعداءه . أما التعسفية فهي الوجه الآخر للمثالية التي تناضل من أجلها النخبة المثقفة ، فما إن يسمى الفرد مثقفا ( بفتح القاف ) حتى ينحصر المستوى التعليمي لدى الفرد أو المجموعات الكبيرة، وتظل فرص النضال مركزة على الفرد المثقف (بكسرالقاف)، وهي تبقى منحصرة بيد قلة من المجتمع الواحد، وهذه الظاهرة قد ينجرّ عنها تجاوز لفكرة الحق المكتسب في التحصيل العلمي وانحساره في عدد من المثقفين الذين لا يمكن أن يقوموا بوظائف مجتمعية تؤدي إلى التعاون بين أفراد المجتمع الواحد على أسس المنافسة ، بل تقوّي نزعة السلطة والصراع بين الأفراد المناضلين من أجل النهوض بالواقع المعيش إلى أفراد متواطئين مع أصحاب السلطة التي لا تسمح ببروز العدالة والمساواة على أسس الكفاءة والخبرة ولا تبني مستقبلا للمنافسة الموضوعية الذي يبني دولة الرفاه . إن هذا الأمر من شانه أن ينشئ أجيالا متورطون بالفطرة على الفوضى والقوالب الجاهزة ، ومع ذلك يمكن القول بأن هناك محاولات حثيثة للاندماج والتكتل على كافة الصعد؛ دون اعتبار للاختلافات المجموعاتية كالعرقية والمناطقية والدينية والمذهبية وغيرها،في سبيل تجاوز الحقب السابقة من اجل تحقيق أمل منشود هو الخروج من حالة الفوضى والصراعات والعنف المسلح إلى الرفاه الاجتماعي والحضاري ووحدة المصير المشترك .إن هذا الانشغال بالمثالية والتعسفية المطلقة أصبح مدعاة قلق واضح بدا يدق ناقوس الخطر بالنسبة للمجتمع العربي المعاصر الذي خوّل الثقة والمسؤولية الكاملة بصفة مباشرة أو غير مباشرة لحملة الفكر والمضامين المعرفية، لقيادة أمتها والسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الممكن وفن المستحيل وقد فاقت الانتظارات النابعة من نخب المجتمع العربي المعاصر توقعات أفرادها ومواطنيها ، خصوصا في مستوى الدور والقيادة الفاعلة والمستنيرة والقدرة على لعب ادوار متقدمة في العالم الاجتماعي الحر ، ومن ثم كان لتحمل عبء تغيير العالم والفضاء الاجتماعي أقل من المستوى المأمول تغييره وإصلاحه .
وبما أننا نتحدث عن الانشغال في مستوى البنية الفوقية من النخب المثقفة وأصحاب الرؤى الفكرية السديدة ، الموصوفة بالقوى الحاملة للمشاريع العربية ، فإن الواقع العربي والإسلامي بحاجة ماسة إلى مد الجسور الثقافية بين الخاصة والعامة والحاكم والمحكوم والقيادة والشعب لأخذ المبادرة في التأطير كل من موقعه ، وحسب المسؤولية المرتبطة بوظيفة وعمل كل من أفراد المجتمع حيث أن التأطير اليوم، أصبح بلغة الفقه فرضا واجبا وليس بعملية مشخصنة لكنها عملية جماعية وان صح التعبير \" حركة ائتلاف القوى الوطنية \" سواء كان ذلك في الداخل أم في الخارج ، خاصة أم عامة . والواقع أن المجتمع العربي والإسلامي هو جزء من العالم ، وهو ذاته أصبح قرية صغيرة قزمة حيث يمكن مشاهدتها في غرف المنزل ، فان الثقافة لم تعد حكرا على نخبة دون أخرى أو منزلة أو رتبة بعينها بل هي ثقافة عامة ولا سلطة عليها ، وهنا تكمن محاسنها أنها سلطة تدنو من القمة إلى القاعدة وبالعكس . وبطبيعة الحال ، فان حركة ائتلاف القوى الوطنية في كل مجتمع من المجتمعات العربية والإسلامية قادرة على النهوض بواقعها الاجتماعي تباعا، ليبعث الأمل من جديد، وتشحن هُوية وأصالة هذه المجتمعات .
وفي تصورنا، تصبح الحاجة أم الاختراع ، لإعادة التأكيد على القيمة المعرفية والخلقية مع ما يتمخض عن ذلك من واقع الممارسة العملية للأجيال العربية الراهنة ، التي هي أحوج ما تكون إليه الآن للعودة إلى متون الثقافة العربية والمعرفية للنهل منها ، وليكون ذلك المهد الذي يشب فيه الفرد والمواطن العربي ويترعرع في ثناياه دون لبس أو تشوش فكري أو إيديولوجي مفروض أو مُدخل عليه أو ضمن المرجعيات الثقافية المستعارة[46]التي لا طائل من ورائها سوى تعميق الفجوة بين مجتمعات عربية غير محصنة بثقافتها الأم . فالثقافة الأم قادرة على بناء تتجنب للحيلولة دون أخذ الثقافات الأخرى والمتنوعة المكان الطبيعي لتحل مكان ثقافتنا المفترض أن تكون طبيعية . ولا بد من الإشارة إلى أنّ تصادم الثقافات بين الشعوب والأجيال حالة طبيعية غير أن لديها قابلية التجديد واستيعاب الثقافات المفتوحة على الملأ. والحقيقة إن الثقافات لا تندثر إنما تتفاعل وتنشط أو يقل النشاط فيها وفق الحقبة الآلية المنهجية التاريخية التي تسجل وترصد حركة الماضي الذي سرعان ما يعاد بفتح ملفات الذاكرة الجماعية أو ماهر مخزون في المكتبات والرقائق الرقمية التقنية المعاصرة أو أذهان الناس العاديين . إذ كلما كانت المعرفة مدرجة طواعية ونابعة عن قناعة ذاتية تؤصل مشروعيتها التي لا تقبل الانحراف بمجرد عارض طارئ . لذلك فان أصل التصادم بين الثقافات هو الاختلاف الذي يعطي حيزا للحوار ومتنفسا له ، ولا معنى لحوار الثقافات إذا لم يقتصر المر على الاختلاف . فالاختلاف ميزة خصت بها شعوب الرض لبيان اكتمال عناصرها ولتشجيع المنافسة والاكتشاف بين شمالها وجنوبها وبين شرقها وغربها لتكريس التفاعل بين أنشطة النخب المثقفة واستمرارية الثقافات في البناء والتجديد . ولينسجم كل مجتمع وجيل وفئة ودر بمنهج وبيئة ينهل منها كي تكون لديه مرجعية يستند اليها بين الحين والآخر مع كل مرحلة من مراحل حياته الطبيعية . والشيء غير الطبيعي هو عدم انسجام المجتمعات والدول ومواطنيها بأكثر من مرجعية تؤطرها ما لم تقنن لتنسجم مع عاداتها وتقاليدها، ولتصبح ثقافة بعينها. ومن هنا ن نستطيع القول بأن العولمة تشكل خطرا جماعيا لأنها تحمل نمطا واحدا ووحيدا ، أي أنها تمثل نمطا كونيا متعدد الأوجه والمضامين السلطوية التي تحدّق بالفئات الضعيفة وغير الواعية وغير المتعلمة وكذلك المثقفين التقليديين والعضويين وغير المؤطرين تأطيرا يتناسب مع حالة الفهم الحقيقي للفظ الإيديولوجي والفكري والصلف المعرفي ، كما أن العولمة الثقافية تكون أشد وطئا على الثقافة العربية والإسلامية كلما كانت أنشطة النخب المثقفة أو المثقفين العضويين انتلجنسيا مستهدفة مُقرة في تواطئها مع الأبنية الفكرية الأصلية والمستعارة مع البنية الثقافية التي تتعارض مع خصوصية المجتمعات العربية والإسلامية أو تتناقض مع مستوى تفسيراتها وتحليلاتها التي من شأنها أن تشوه البناء الثقافي والمعرفي للأجيال الصاعدة .
إذن ، العولمة الثقافية تكمن صورتها في المقايسة التالية ، إمكانية تحول المجتمعات العربية والإسلامية نحو شعوب العالم كبيرا مع إمكانية الاندماج ، لكن درجة الانصهار والذوبان في كنه المجتمعات المهيمنة والقوية يسير بمعايير مزدوجة وأكثر سرعة وخطورة وفاعلية ، ويذكرنا هذا المعيار بمقولة ابن خلدون وفحواها \" أنّ المغلوب مولع أبدا ً بتقليد الغالب في زيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده \"[47] . ومدلول ذلك في مجتمعاتنا المعاصرة الأثر الكبير الذي بسبب الاستعمار ومعقباته التي \" انسحب على أكثر جوانب حياتنا فأزالها ن وغرس مكانها أنماطا وتقاليد لا عهد لنا بتا ، ولكنها صارت برغم انف الجميع جزءا من كياننا وحياتنا وسلوكنا \"[48]
إنّ هذا الانعطاف التاريخي الذي يحمله براديغم العولمة الثقافيةGlobalization Paradigm Cultural كنموذج ارشادي أو إطار فكري مفطور على فلسفة النظام العالمي الجديد وتعييم هُويات الشعوب إن لم يكن محاولة طمس المعالم الحضارية والإنسانية الذي شكل للمجتمعات العربية والإسلامية تحديا لعنفوانها ولأجيالها الصاعدة من الاستهداف المباشر من العالم الاجتماعي المعاص

إرسال لصديق
بواسطة : almushref
 0  0  2.9K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 10:45 مساءً الأحد 16 فبراير 2020.