• ×
  • تسجيل

السبت 29 فبراير 2020 اخر تحديث : 02-24-2020

قائمة

almushref
بواسطة  almushref

ظاهرة الاستهلاك بين التحليل الاقتصادي والتفسير الاجتماعي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

ظاهرة الاستهلاك
بين التحليل الاقتصادي والتفسير الاجتماعي
رؤية نظرية مختلفة
بحث مقدم من : خالد فياض
رئيس قسم تنفيذ البرامج الخاصة
وزارة الاعلام المصرية


مقدمــة
حظي موضوع الاستهلاك باهتمام كبير من قبل الباحثين في أكثر من علم من العلوم الاجتماعية , وهو ما يعبر عن مدي أهمية الموضوع , لقد كان الاستهلاك وفقا لتعبير احد الباحثين \" الأرضية التي اجتمعت عليها باحثون من تخصصات مختلفة , تقع ما بين علم الاجتماع إلي علم الاقتصاد إلي علم النفس والانثربولوجيا , حتي أنه أتاح الفرصة للالتقاء بين علماء ما كان يجمعهم في الوقت السابق أي اهتمام مشترك , مثل علماء الاجتماع والأجناس \".(1)
ولعل الاهتمام الأكبر الذي حظي به الموضوع كان في نطاق علم الاقتصاد , فالاستهلاك ظاهرة _ أو عملية _ ذات طابع اقتصادي في المقام الأول , ولعل الاهتمام الكبير الذي حظي به الاستهلاك من قبل علماء وباحثي علم الاقتصادي , يدلل علي أهمية العملية ذاتها , وما يرتبط بها من قضايا, بعضها اقتصادي , مثل العرض والطلب , ومعدل الإنتاج وجودة الإنتاج والمنافسة .... الخ من قضايا ذات طابع اقتصادي , والبعض الأخري ذو صبغة اجتماعية مثل المستوي الاجتماعي _ الاقتصادي , وقد عبر احد الباحثين عن مركزية موضوع الاستهلاك وأهميته في العلوم الحديثة بقوله \" أن الدراسات في موضوع الاستهلاك والجديرة بالعناية , أكثر من أن تحصي من قبل باحث واحد أو حتي مجموعة من الباحثين \" .(2)
ولم يقتصر اهتمام الباحثين بظاهرة الاستهلاك في مجال علم الاقتصاد فحسب , بل أن الاهتمام امتد إلي علوم أخري, علي الأخص من قبل علم الاجتماع, فالاستهلاك ( كعملية ) لا تقتصر فقط علي الجانب الاقتصادي , بما يتضمنه من عمليات سبق الإشارة إليها مثل الإنتاج وجودته والقدرة علي المنافسة ... الخ , بل ثمة جوانب اجتماعية أخري تتضمنها الظاهرة , لا تقل أهمية عن الجوانب الاقتصادية , فالاستهلاك يمكن أن نطلق عليه نمط من أنماط الحياة اليومية التي يعيشها الإنسان , فالدراسات المبكرة التي أجراها العديد من الباحثين الأنثروبولوجيين ( خاصة دراسات مالينوفسكي ورادكلف وغيرهم ) , كشفت عن أن الاستهلاك يمثل جزءاً مهماً من حياة المجتمعات التي قاموا بدراستها , فعملية الاستهلاك ذات علاقة وطيدة بالجانب القيمي والعقائدي في حياة تلك المجتمعات.
ولا تختلف النتائج التي توصل إليها الباحثين في نطاق الدراسات الاجتماعية , كثير عما توصل إليه علماء الأنثروبولوجيا , فبداية من التحليلات الكلاسيكية لمنظري علم الاجتماع ( ماركس وفيبر وغيرهم ) انتهاء بالنظريات المابعد حداثية , تحتل عملية الاستهلاك بنداً أساسياً في البناء النظري لكل هؤلاء ,فالاستهلاك كما يصفه أحد الباحثين هو\" المقدمة الضرورية في بناء النظرية الاجتماعية \" .(1)
وبالنظر إلي أن الدراسة الراهنة , والتي تدور حول ظاهرة الاستهلاك بين التحليل الاقتصادي والتفسير الاجتماعي , فإن الباحث سوف تفرد هذا الفصل لتعرض من خلاله أهم القضايا التي يثيرها مفهوم الاستهلاك , فتعرض الباحث لمختلف الرؤي النظرية التي حللت وفسرت ظاهرة الاستهلاك في المجتمع , بدءا من التحليل الاقتصادي الذي ناقش وحلل للاستهلاك بوصفه عملية اقتصادية بحته تتعلق بالعرض والطلب , مرورا بالتحليلات السسيولوجية التي قدمها رواد النظرية في علم الاجتماع , بدءا من التحليل المادي التاريخي , والذي ارتكزت فيه رؤية ماركس علي مقولاته الأساسية المرتبطة بتقسيم المجتمع لدية إلي بنية تحتية وأخري فوقية , أو بناء تحتي وبناء فوقي , وإذا كان ماركس قد فسر دينامية حركة المجتمع وتطوره من منظورة المادي التاريخي , فإن هذا المنظور المادي , امتد ليشمل الرؤية الماركسية لكافة ظواهر المجتمع وقضاياه , وموضوع الاستهلاك هنا لا يختلف في تحليل الماركسية عن أي قضية اجتماعية أخري , كما أن الباحث استعرض أيضا للرؤية الوظيفية لظاهرة الاستهلاك , وهي الرؤية المناقضة تماما للتفسير الماركسي المادي , وأخيرا يشير الباحث إلي موقع عملية الاستهلاك من جملة التحولات التي أصابت العالم في السنوات الأخيرة , والتي يجملها البعض في عبارة : التحول إلي اقتصاد السوق المعولم .
أولا : الاستهلاك من منظور اقتصادي
لقد سيطرت النظرة الاقتصادية في تعريف الاستهلاك إلي حد كبير علي التعريفات التي قدمت للمفهوم حتي وقت قريب , وربما يرجع ذلك _ كما سلف الإشارة إلي أن المفهوم يعبر عن عملية اقتصادية في المقام الأول , ففي الماضي كان ينظر إلى الاستهلاك من الناحية الاقتصادية البحتة , وكانت مسائله فى عزلة عن غيرها من المسائل الاجتماعية الأخرى , غير أن علماء الاقتصاد المحدثين يرون أهميـة العوامل الاجتماعية فى تأثيرها على نمط الاستهلاك ، إذ تقوم بدورا مهماً، ومؤثر فى تشكيل نمط الاستهلاك على المدى البعيد , وإن كان الدخل هو الذي يؤثر فى النمط على المدى القصير.
لقد كان تركيز علماء الاقتصاد في تناولهم لظاهرة الاستهلاك , منصبا علي علاقته بعدد من الموضوعات ذات الطابع الاقتصادي البحث , مثل الادخار، والصادرات ، والواردات ، وميزان المدفوعات ، والتضخم وغيرها ، حيث يعتبر الهدف النهائي للنشاط الاقتصادي هو إشباع حاجات الفرد من السلع والخدمات ,كما ربط آخرون الاستهلاك بالعملية الإنتاجية في حد ذاتها .
ولعل ما قدمه الاقتصادي الشهير \"آدم سميث\" نموذجا واضحا علي الصبغة الاقتصادية البحتة , التي تناول من خلالها الاقتصاديون ظاهرة الاستهلاك , فالاستهلاك من وجهة نظره , هو الهدف والغاية الوحيدة لكل إنتاج , فالاستهلاك بوجه عام يمثل وزناً كبيراً فى إجمالي ميزانية الأسرة وفى أجمالي الإنفاق القومي , كما أن للاستهلاك تأثيراً على كافة المتغيرات الاقتصادية مثل الإنتاج ، الدخل ، الادخار ، الاستثمار ، ومستوى الأسعار وغيرها من المتغيرات الاقتصادية المهمة , لذا فإن غرض الإنتاج كله هو الاستهلاك . هذا ما ذهب إليه \" سميث \" من خلال نظريته عندما قال : \" أن مصلحة المنتج يجب أن تؤخذ فى الاعتبار إذا كانت فى مصلحة المستهلك فيما يرى أن هذه المصلحة تقود الفرد وهو يعمل لنفسه إلى \" خدمة المصالح الجماعية , \" فالإنسان له مطلق الحـرية فى أن يعمل ويستغل رأس ماله كيفما شاء بشرط عدم الخروج على القوانين أو التعدي على حـرية غيره , بمعنى أن \" سميث \" يدعو إلى المنافسة الحرة \" . (1)
ويري \" سميث \" أن هذا النظام يتفق مع مبدأ انسجام المصالح الخـاصة مع المصالح العامة , ومع هذا يرى ضرورة تدخـل الحكومة بطريقة مشروعة لحماية الأفراد ومساعدتهم على القيـام بالمشروعات الاقتصادية . غير أنه اعترف بأن التجارة , والصناعة لهما الأثر فى عمليات الإنتاج , وفى زيادة ثروة الأمم ، والأفـراد . إلا أنه ذهب إلى أنهما لا يقلان أهمية فى الحيـاة الاقتصادية عن الزراعـة , ونظر إلى العمل على أنه عـامل من عـوامل الإنتاج . (2)
ومراجعة ما قاله سميث عن الاستهلاك , يظهر أنه قد أدرك أهمية بعض الأبعاد غير الاقتصادية في تحليل الظاهرة , خاصة فيما يتعلق برؤيته للقيمة . لقد تركزت نظـرية \" القيمة \" عند \" سميث \" على التفرقة بين ما سماه \" قيـمة الاستعمال \" value inuse \" , \" وقيمة المبادلة \" value inexclanye \" . فالأولى تعبر عن : \" قيمة سلعة معينة فى نظر شخص معين , فهى قيمة شخصية تتوقف على تقدير الشخص للسلعة , أو مدى منفعتها فى نظره ، أما الثانية : يقصد بها قيمة المبادلة التي تعبر عن قيمة السلعة فى السوق . هذا , وقد لاحظ \" سميث \" أنه كثيراً ما تختلف \" قيمة الاستعمال \" عن \" قيمة المبادلة \" . بمعنى أن السلعة التي تتمتع بقيمة كبيرة فى الاستعمال قد لا تتمتع إلا بقيمة زهيدة فى المبادلة فعلى سبيل المثال : الماء فـإن قيمته فى الاستعمال لا تقدر , أما قيمته فى المبادلة فإنها تكـاد تكون معدومة . (1) في بعض المجتمعات.
ومن هنا يمكن القول أن \" سميث \" يرى أن العمل هو المقياس الصحيح للثمن الحقيقي , أي أن قيمة السلعة بالنسبة للشخص الذي لا يريد استهلاكها ، أو استعمالها بنفسه , وإنما يريد مبادلتها ., بمعنى أنها تتحدد بكمية العمل الذي تبادل به السلعة . وأن العمل هو القياس الحقيقي لقيمة المبادلة لكل السلع , وهنا يقول \" سميث \" بأن ثروة المجتمع تتكون بالعمل لا بالذهب والفضة , ورغم أن \" سميث \" لم يتجاهل العمل من حيث التغير فى قيمته ومن وقت إلى آخر , ومن مكان إلى مكان ، بمعنى أن \" العمل \" هو السلعة الوحيدة التي ينظر فيها إلى قيمة استعمالها وليست إلى قيمة مبادلتها , ولعل في تأكيده علي أهمية عنصر العمل إشارة واضحة إلي إدراكه لأهمية الأبعاد غير الاقتصادية في ظاهرة الاستهلاك , وهو ما يمكن اعتباره تمهيدا لأخذ العوامل الاجتماعية والثقافية في الاعتبار عند تحليل ظاهرة الاستهلاك .
لقد بدأ الاتجاه نحو الاعتداد بالعوامل الاجتماعية في تحليل ظاهرة الاستهلاك مع \" أرنست إنجل \" Anjal Arenst \" فقد كان إنجل أول من نبه إلي تأثير العوامل الاجتماعية علي الاستهلاك , فهو يعد أول من أشار إلى أهمية أثر الدخل على نمط الاستهلاك , غير أن هناك بعض الدراسات التي لم تشر إلى هذا الأثر , بل تناولت حجم الأسرة وتركيبها على أنهما يلعبان الدور المهم ، والفعال فى تشكيل نمط الاستهلاك أكثر من الدخل ، وبعبارة أخرى أن حجم الأسرة ، وتركيبها يتغير فى فترة زمنية قصيرة أسرع من تغير الدخل ، حيث وضعت عدة مقاييس استهلاكية لدقة قياس هذا الدخل , وهذا ما أشار إليه \" ثورتشاين فيبلن \" Thersteinneblen من خلال نظريته \" الطبقة المترفه \" حيث أكد على أهمية أثر الطبقة الاجتماعية على ثقافة الاستهلاك ، وهذه الطبقة المترفة والتي تعتبر مركزاً للثراء والمكانة الاجتماعية من خلال الاستهلاك المظهري الذي يعبر عن الثراء والمكانة الاجتماعية ، بغض النظر عن مدى حاجة المستهلك له. (1)
ومن هنا بدأ الباحثون يأخذون أبعاداً أخري في معالجتهم لموضوع الاستهلاك , تختلف كثيرا عن الجوانب الاقتصادية البحتة للمفهوم , فهناك دراسات عديدة أصبحت تؤكد على أبعاد اجتماعية ونفسيه في تفسير زيادة انتشار ثقافة الاستهلاك بين الأفراد ، فالدراسات النفسية ترى : أن العوامل النفسية بين الأفراد تلعب دوراً مهما جداً فى تحديد الأنماط الاستهلاكية ، وهناك العوامل البيئية أيضاً المحيطة بالأفراد ، وكذلك العوامل المهنية التى لا يمكن إغفالها باعتبارها أحد العوامل التي تؤثر فى انتشار ثقافة الاستهلاك .
وهذا ما أكدته نظرية \" كينـز Kinz \" عن الاستهلاك حيث ترى : بأن كل العوامل لها تأثيرها على أنماط الاستهلاك ., غير أن \" كينز \" اعترف أن هناك عوامل أخرى مؤثرة على المستوى الكلى للاستهلاك ، وهى عوامل موضوعية وعوامل الشخصية نجده يشير إلى : العوامل الموضوعية مثل عادات الإنفاق الاستهلاكي ، وهيكل توزيع الدخل القومي ، ومستويات الأسعار ، وغيرها اما العوامل الشخصية فهي تتلخص فى الرغبة فى حب الظهور والكرم والتبذير ، غير أن \" كينـز \" ، ومن خلال هذه العوامل أشار إلى أهمية أثر الدخل على الاستهلاك . \" حيث اعتبره المحدد الأساسي للاستهلاك فى الفترة القصيرة ، بمعنى أن التغير فى الاستهلاك فى المدى القصير يرجع إلى تغير فى الدخل \" . (1)
إلا أن زيادة فى الميل للاستهلاك ، كما يقول \" كينز \" يرجع إلى أن الجماعات الفقيرة التي تخصص الجزء الأكبر من دخلها للاستهلاك ، وهذا ما يعنى ارتفاع الميل للاستهلاك لدى الجماعات الفقيرة عنه لدى الجماعات الغنية .
ثانيا : التصور المادي التاريخي لظاهرة الاستهلاك
يمكن اعتبار التنظير المادي التاريخي , هو البداية الحقيقية في بحث وتحليل ظاهرة الاستهلاك , حيث جمع ماركس في تصوره لتطور المجتمع بين ما هو اجتماعي وما هو اقتصادي , ومن ثم جاء تصوره للتطور التاريخي للمجتمع , مؤسس علي تصوره لتطور النظام الاقتصادي ( المادية التاريخية ) , لقد تصور ماركس أن الحياة الاجتماعية والحياة الاقتصادية تسيران جنب إلي جنب فى خط واحد مرسوم ، خط يتجه من البساطة إلى التعقيد , ومن هنا جاءت تفسيراته لتطور الحياة الإنسانية , تعبر عن وجهة نظره في كون المادة ( الملكية ) أساس النظام الإنساني والسبب في تطوره , لقد كانت التنظيرات الماركسية حول الاستهلاك بوصفه ظاهرة اقتصادية , لا مثيل لها حسب قول احد الباحثين , \" لقد أظهر ماركس الاستهلاك بوصفة جزء من الثقافة الرأسمالية , أو كوجه آخر ملاصق لعملية الإنتاج الرأسمالية المبني علي تدعيم قيمة الاستهلاك , بغرض الحصول علي أكبر قدر ممكن من الربح , فتعاظم الاستهلاك , يعني في النهاية تعاظم الأرباح \".(2)
لقد ركز ماركس في تحليله للاستهلاك علي الاستهلاك الضروري , باعتباره شرطاً أساسياً للمحافظة علي مستوي الإنتاج القائم , وهو استهلاك يتألف من نمطين : الأول , شخصي يحافظ علي بقاء المنتجين واستمرارهم في الإنتاج , والثاني , استهلاك إنتاجي , يحافظ علي وسائل الإنتاج من حيث صيانتها وتجريدها , كما تتحدد العلاقة بين قيم الإنتاج والاستهلاك بنمط تقسيم العمل الاجتماعي , ومستوي تطوره , ففي المجتمعات البسيطة كانت هناك وحدة واتصال بين قيم الإنتاج والاستهلاك في إطار قيم جماعية , غالبا بسبب جماعية الإنتاج والاستهلاك , والاتصال المباشر بين المنتجين والمستهلكين , وفي حالات غير قليلة كان المنتجون هم المستهلكون لما ينتجونه , أما في المجتمع الرأسمالي , حيث تطور تقسيم العمل , ومن ثم انفصل المنتجون عن المستهلكين , وجري التمييز بين وقت العمل ووقت الفراغ , وتطلب الأمر إحلال علاقات تبادل ووجود سوق للعمل وسوق السلع والخدمات .(1)
هكذا قدم ماركس رؤيته للظاهرة الاستهلاكية , من نفس منظور التفسير المادي للتاريخي , وهو تفسير تتقارب فيه كافة الأطروحات التي قدمها ماركس في رؤيته عن المجتمع , وتكاد تكون ظاهرة الاستهلاك , الظاهرة التي اجتمعت فيها كافة مقولات الماركسية , أو بمعني آخر , طرح من خلالها ماركس آراءه العديدة حول الطبقة وعلاقات الإنتاج وغيرها من المقولات الماركسية .
ففي تفسيره لأزمة قصور الاستهلاك , ذهب ماركس إلي أن الاستهلاك يحدث نتيجة لاستحواذ أرباب الأعمال على نصيب متزايد من الدخل القومي وعملهم على استثمار معظم نصيبهم \" وما يؤدى إليه هذا من نمو فى الناتج من السلع بشكل مستمر وبمعدلات متزايدة ، مما يجعل المجتمع يتعرض للاهتزاز والاضطرابات الاجتماعية التي قد تقلب كيان المجتمع \" فكيف له أن يستهلك هذا الناتج وليس لدى غالبية أفراده من العمال الأجُراء القدرة على شراء متطلبات الحياة بسبب عدم العدالة فى توزيع الدخل \" . (2)
ومن هنا يرى \" ماركس \" أنه لابد من دفع القوة الشرائية للعمال حتى تستطيع أن تزيد من الاستهلاك وحتى لا تحدث أزمات وإفراط في الإنتاج , لذلك يرى \" ماركس \" أن الاهتمام بالاستهلاك لا يقل أهمية عن الاهتمام بالإنتاج فالحقيقة أنهما متكاملان ، \" فالإنتاج تتمثل مهمته الأساسية فى خلق السلع اللازمة للاستهلاك فى حين أن الاستهلاك تكون مهمته الأساسية خلق الحاجات بمعنى الغرض من الإنتاج \" . (1)
وفى ضوء ذلك انتقد \" ماركس \" النظرية التقليدية التي استبعدت الاستهلاك كمتغير اقتصادي بافتراض وجود تطابق دائم بين الإنتاج والاستهلاك . غير أن \" ماركس \" يرى أن عملية توزيع الناتج تخضع لظروف وأوضاع اجتماعية تؤدى إلى نقص الاستهلاك فى الوقت الذي تؤدى فيه الظروف والأوضاع الاقتصادية إلى تضخيم الإنتاج .
وفى النهاية القول يمكن القول أن الاستهلاك كمتغير اقتصادي قد احتل مكانة هامة فى التحليل \" الماركسي \" للنظام الرأسمالي ففائض القيمة ومحاولة زيادته يؤدى إلى \" نقص الاستهلاك \" وحدوث أزمات إفراط الإنتاج عامة والسبب راجع إلى سواء توزيع الناتج من العمال والرأسماليين ويجعل العمل على الاستهلاك منخفضاً ، وذلك من خلال انخفاض دخولهم بالإضافة إلى انخفاض طلب الرأسماليين عن الاستهلاك لانخفاض ميلهم إليه .
فالاستهلاك إذن ليس كافياً لمواجهة الإنتاج المتزايد ، بل أنه يتناقص بمعدلات سريعة ، وذلك كنتيجة للآثار المترتبة على زيادة التراكم الرأسمالي من فائض القيمة ، وهو ذلك يعد سبباً لحدوث الأزمات الاقتصادية التي يتعرض لها النظام الرأسمالي والتي تؤدى إلى انهياره فى النهاية .(1)
ثالثا : المنظور الوظيفي
وخلافا لوجهة النظر الماركسية , هناك تنظير آخر , انطلق في رؤيته للظاهرة الاستهلاكية , من وجهة نظر مخالفة لمقولات المادية التاريخية , هذا التنظير لم يركز على التطور فى مجال وسائل الإنتاج والانتقال عبر المراحل فحسب ، وإنما يركزون على وحدة الإنتاج والاستهلاك باعتبار أن الإنتاج هو الذي يؤدى إلى الاستهلاك .
وهذا ما أشار إليه \" أدم سميت \" عندما قال : \" أن الاستهلاك هو الهدف
الوحيد للإنتاج ، وأن رغبة المنتمين يجب أن تكون بالضرورة فى خدمة
المستهلك .(2)
فإذا كانت الماركسية انطلقت في تفسيرها لظاهرة الاستهلاك , من مقولات المادية التاريخية, فإن الوظيفية الوضعية , انطلقت من أبعاد أخري مخالفة تماما , وها هو \"ماكس فيبر \" يؤكد علي أن القيم والأفكار تؤثر بشكل أساسي في تشكيل الإنتاج والاستهلاك والسلوك الاقتصادي المترتب عليهما , علي أساس أن الأفكار والمعتقدات لها دورا فعالا في تاريخ الإنسان ,خصوصا تاريخ التطور الاقتصادي , \" ففيبر \" يري \" أن عالم القيم تخلقه الظروف الاجتماعية التاريخية , لأنه يري أن القيم اختيارات فردية حرة مشروطة بشروط اجتماعية تاريخية تحددها أفكار الجماعات الاجتماعية وتصوراتها المتباينة\" .(3)
أما أميل دوركايم , فقد قدم هو الآخر رؤية , تقترب إلي ما قدمه فيبر , وتأتي علي النقيض تماما من الرؤية الماركسية , حيث انتقل دوركايم من الخضوع الميكانيكي لقيم الإنتاج والاستهلاك إلي الاختيار العقلاني لها , فهو علي عكس ما ذهب إليه ماركس , فالقيم الاجتماعية من وجهة نظره محددة لوجود الناس وما بينهم من علاقات اجتماعية , كما أنها مكونة للضمير الجمعي , فالقيم الأخلاقية تحتل مكانة بارزة من حيث أدوارها ووظائفها في المجتمع , فهي تؤثر في غيرها من القيم الاجتماعية وتوجهها , بما في ذلك قيم الإنتاج والاستهلاك , فالمجتمع في إجماله ظاهرة أخلاقية معيارية قيمية , والإنسان بطبيعته أخلاقي , لأنه يعيش في مجتمع تتغير قيمه من خلال التغير من نمط التضامن الآلي إلي نمط التضامن العضوي , وهو تغير يرتبط بعناصر مادية لها تجسداتها الخارجية عن الأفراد , مثل تقسيم العمل والاستهلاك والجريمة والانتحار والطقوس والاحتفالات .(1)
هكذا طرح علماء ومفكري النظرية الاجتماعية , رؤيتهم لظاهرة الاستهلاك , وهو طرح يوضح التحول الذي حل بالتحليل الاقتصادي البحت , حيث التركيز علي الأبعاد الاقتصادية فقط في دراسة وتحليل الاستهلاك .
وقد حظيت ظاهرة الاستهلاك أيضا باهتمام مفكري علماء الاجتماع المعاصرين , من هؤلاء المفكرين \"ثورتشاين فيبلن Thorstein Veblen \" والذي أكد علي أن العوامل الاجتماعية تلعب دور مهم فى تحديد نمط الاستهلاك حيث ركز على مجموعة من العوامل تكمن وراء الحاجات الضرورية وتحديد \" طبيعة الطلب \" , فعلى سبيل المثال أغنياء المجتمع ينفقون بثروتهم على نحو يرمز لوضعهم الطبقي لتميزهم عن بقية أعضاء المجتمع . (1)
غير أن \" فيبلن \" لم يضع أفكاراً بطريقة منظمة ، إلا أنه كان من أكثر من اهتموا بإبراز أهمية \" العوامل الاجتماعية \" فى تحديد نمط الاستهلاك .(2)
وعلى هذا فإن الاستهلاك المظهري عند \" فيبلن \" هو \" الاستهلاك المفرط للسلع \" التي تعد دليلاً على عضوية المستهلك للطبقة المترفهة فى المجتمع الرأسمالي .وقد استخدم \" فيبلن \" هذا المصطلح فى الدراسات الأنثروبولوجية للمجتمعات قبل الرأسمالية للإشارة إلى التباهي باستهلاك السلع بهدف اكتساب الهيبة (3) , فبعض الناس يشترون بعض السلع غالية الثمن ليس لأنها أجود من غيرها ، أو لأنها تشبع حاجة بل لأنها غالية فحسب وهو ما يعنى \" التباهي \" بها أمام الناس (4) وهذا يوضح لنا اختلاف الوظيفـة الظـاهـرة Mani Fest للاستهلاك الاقتصاد ي وهى الانتفاع ، بينما يعد تحقيق الهيبة ، وتأكيدها على حد تعبير \" فيبلن \" أحد الوظائف الكامنة لهذا الاستهلاك . (5)
رابعا : الاستهلاك في ظل السوق الكونية
بدأ الحديث عن العولمة يتصاعد في السنوات الأخيرة , بشكل جعل الظاهرة محل اهتمام الكثير من الباحثين في مختلف التخصصات العلمية , فمن علم الاجتماع إلي الاقتصاد الى السياسة , باتت العولمة تمثل بندأ أساسيا علي اجندة المفكرين ورجال الاقتصاد والسياسة .
ومع الحديث عن العولمة بدأ الحديث أيضا يتصاعد عن السوق الكونية , وبدأ البعض يعرف العولمة ذاتها علي أنها الوصول بالعالم إلي مرحلة السوق الكونية الموحدة , وحلت عبارة السوق الكونية في مجال الاقتصاد محل عبارة القرية الكونية في المجال الثقافي .
وقد اختلف الباحثون حول تعريف المقصود بالعولمة , واختلفوا أيضا حول القضايا التي تثيرها العولمة نفسها سواء قضايا اقتصادية او سياسية أو ثقافية , ولعل واحدة من اهم القضايا التي اثارتها العولمة , قضية عولمة السوق وما يرتبط بها من انشطة مثل عولمة سلوك استهلاكي محدد .
فالمتخوفون من العولمة لا يرون فيها سوي أنها عملية تستهدف تعميم قيم استهلاكية محددة ترتبط بثقافة الاستهلاك الغربي ومجتمع الرفاه الغربي علي مختلف الدول والمجتمعات , بغض النظر عن الظروف التي تميز تلك الدول أو هذه المجتمعات , من هنا بدأ الخلاف يحتد حول حقيقة هذه المقولة أو تلك العملية التي تستهدف العولمة تحقيقها , ونظر البعض إلي عملية تنميط السلوك الاستهلاكي وقولبته علي النمط الغربي بوصفه الوجه الاقتصادي للعولمة , وربطوا بين هذا الوجه الاقتصادي وبين الجانب الثقافي من الظاهرة نفسها , علي اعتبار ان عملية تنميط الناس وقولبت سلوكياتههم الاستهلاكية , عملية يترتب عليها تحويل او تحوير في الهويات والخصوصيات الثقافية التي تميز تلك المجتمعات , والتي بدون شك سوف تنال منها العولمة .(1)
وينظر الكثيرون إلي العولمة , علي أنها تساوي الأمركة , ومن ثم فإن السمة التي تغلب علي العولمة ذاتها من وجهة نظرهم , هي عولمة النمط الاستهلاكي الأمريكي , فواقع الحال أن ما يجري من ترتيبات وتحولات في بنية النظام الاقتصادي العالمي , فضلا عن الخريطة السياسية والثقافية للعالم , ما هو إلا نوع من عولمة الثقافة الاستهلاكية الأمريكية , فمعالم ثقافة الاستهلاك الأمريكي , يجري الآن تسويقها علي نطاق واسع في مختلف أنحاء العالم , بداية من الملابس إلي الفن والموسيقي والطعام , كل ذلك يتم تسويقه عالميا ليصير النمط الشائع والمتردد في كل مكان , وفي مختلف دول العالم بغض النظر عن التباينات والاختلافات التي تميز كل مجتمع عن الآخر .(2)
ويدعم وجهة النظر السابقة الكثير من التعريفات التي قدمت في مفهوم العولمة في حد ذاته , , في ذلك يقول جلال أمين : \" أن العولمة في الحقيقة هي عولمة نمط معين من الحياة شاع الاعتقاد بضرورة تبنيه واتباعه لمجرد أنه يندر أن تثار مسألة خصوصيته وارتباطه بثقافة معينة , ونظرة معينة إلي الحياة وإلي الكون , أي أيديولوجيا معينة في الحقيقة \" . (3)
ومراجعة ما يحيط بنا في الوقت الراهن من تحولات يؤكد علي وجهة النظر السابقة , فما حدث الآن في العالم اجمع خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية , يدل علي أن ما يحدث لا يخرج عن محاولة قولبة العالم علي النمط الغربي الأمريكي, ففي \" كل مجالات الحياة , من استهلاك الطعام حتي استهلاك الموسيقي والأغاني, كل ذلك يتم وفقا للطريقة الأمريكية \" .(1)
والحقيقة أن الرجوع إلي تاريخ النظام الرأسمالي نفسه , يؤكد علي أن عملية الاستهلاك بالمفهوم الغربي , وعلي الطريقة الغربية , شكلت بعدا أساسيا في تطور هذا النظام , فالاستهلاك مرتبط في ظل النظام الرأسمالي بالإنتاج , والإنتاج في حد ذاتها , لا يمكن لعجلته أن تدور بدون وجود استهلاك ضخم , من هنا تشكلت الرأسمالية التجارية , ثم الرأسمالية الاستعمارية , لتنتهي برأسمالية العولمة , أو بإمبراطورية العولمة علي حد تعبير أحد الباحثين .(2)
وفي كل مرحلة من مراحل تطور هذا النظام ، كانت الآليات تتطور , وفقا لطبيعة وظروف كل مرحلة , ففي الحقب الاستعمارية , كانت الشركات المتعددة الجنسيات , هي الآلية الأساسية التي من خلالها يتم تصريف الإنتاج للتسويق والاستهلاك في البلدان المستعمرة, من خلال ذلك تمكنت عجلة الإنتاج الرأسمالية والربح الرأسمالي أن يتضاعف وينمو ويدور , \" وفي مرحلة الاقتصاد المعولم , تضخمت هذه الشركات , لتصبح ما يشه بالعنكبوت الكوني , الذي يمتد بشبكته ليغطي كافة أرجاء العالم \" .(3)
لكن ما يحدث الآن يفوق ما مارسه النظام الرأسمالي فيما سبق , منذ نشأته حتي الآن , فقد استحدث النظام آليات جديدة ( مثل الإعلام والاتصال ) وطور آليات قديمة ( مثل الشركات المتعدية الجنسيات ) , وأصبحت عبارة القرية الكونية والسوق الكونية الواحدة , عبارة مألوفة في مختلف الأدبيات التي تحلل ظاهرة الاستهلاك وغيرها من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية .
لقد بدأت العملية الاستهلاكية في ظل العولمة تأخذ أبعادا جديدة لم تكن تعهدها من قبل , فلم يعد الأمر يقتصر علي مجرد بعض السلع التي يأتي بها المستوردون من هنا وهناك , ولكن في ظل الآليات الإعلامية الرهيبة التي تملكها العولمة ,وفي ظل التنامي الرهيب لقدرة الشركات المتعدية للجنسيات في النفاذ إلي الأسواق الوطنية والسيطرة عليها ,أصبح الإنسان محاصر بهالة ضخمة ومتنوعة من الآليات الداعمة لنشر الثقافة الاستهلاكية للنظام المسيطرة علي العولمة , \" وتصبح هذه العملية أكثر خطورة بالنسبة لأوضاع البلدان النامية أو الفقيرة عموما ,تلك التي لم تعد قادر علي الصمود أمام هذا الطوفان الهائل من السلع المدعمة بقوة ونفوذ العولمة \" .(1)
وإذا كانت العولمة تعتمد علي آليات بعضها تقليدي تم تطويره مثل الشركات المتعدية الجنسيات ,وبعضها حديث مثل الآلة الإعلامية الضخمة , فإن الاستهلاك كعملية في حد ذاتها تلعب دور هام في إتمام أو اكتمال حلقة العولمة , وعليه فمن الطبيعي أن تحتل ثقافة الاستهلاك مكانة مهمة فى آليات عملية \" اقتصاديات العولمة \" .
لذلك فقد انتقل اقتصاد العولمة من الإنتاج الصناعي التقليدي إلى إنتاج السلع ، والخدمات الاستهلاكيـة الصلبة بالتكنولوجيـا اللبنة وثيقة الصلة بالمعلومـات والترفيه وأسلوب الحيـاة , وهي أمور تفوقت فيها الدول المتقدمة , خاصة الولايات المتحدة الأمريكية , والتي يصفها البعض بأنها \" صانعة ثقافة العولمة , والمعنية بنشرها في كافة أرجاء العالم , إذ أن العولمة تعني في جانب من جوانبها العديدة , تنميط العالم علي الشكل الأمريكي , ونشر الثقافة الأمريكية , وهي ثقافة يحتل الاستهلاك جزءا كبيرا من تكوينها \" . (1)
وعلى ضوء ما تقدم فإن ثقافة الاستهلاك قد ارتبطت برموز وصور ومعان للتفوق والرفاهية والمتعة , وقد لعبت وسائل الإعلام دوراً بالغ الأهمية وخاصة من خلال الإعلانات فى نشر وتدوين ثقافة الاستهلاك الغربية , وإعلاء قيم الفردية ، والبحث عن المتعة من خلال الاستهلاك , وهي القيم التي تؤكد عليها ثقافة الاستهلاك الغربي ذاتها .
إن هذه الإعلانات تؤدى إلى استنزاف دخول الأفراد ,حيث تلعب هذه الإعلانات دوراً هاماً فى اقتنـاء الفرد السلع بخـلق نوع من اللهفـة فى نفوس النـاس للاستهلاك ، وهكـذا نجح الإعلان الذي اعتمد على قوة ونفوذ وسائل الإعلام المعلوم فى الوصول إلى أغلبية سكان العـالم فى مختلف الطبقات ، والثقـافات ، وصارت السـلع الاستهلاكية وأسمـاء وعلامات الشركات الكبرى متعـدية الجنسيات جـزء من الثقافة المتداولة بين البشر رغم اختلاف اللغات , والثقافات .(2)
لقد فرض الإعلان نوعاً من الهيمنة على الأسواق العالمية , وعلى المستهلكين من خـلال توحيد وتنميط الأذواق ، وخـلق إجماع زائف على استهلاك سلع وخدمات قد لا يكون الفرد أو المجتمع فى حاجة إليها ، أو قد لا تتفق مع احتياجاته ، وأوضاعه المعيشية بل ولا تتفق , وأولويات المجتمع فى الوقت نفسه أدت ثقـافة الاستهلاك وبريق الإعلانات إلى تسليع القيم والأفـكار والمعاني والمشاعر من خلال الاختفاء المبـالغ فيه بأهمية الرموز ، والعلامات المـادية ، وخلق الأشياء الزائفة بين الحصول على سلعة واستهلاك سلعة ، أو خدمة وبين تحقيق السعادة أو الحرية .
فالإعلان وسيلة من وسائل التأثير فى السلوك ، فهو يقتحم المجـال النفسي للإنسان بدون استئذان ، فهو عبارة عن نشر معلومات البيانات عن الأفكار أو السلع أو الخدمات والتعريف بها فى وسائل الإعلام المختلفة ، لخلق حالة من الرضا النفسي فى الجهود بقصد بيعها أو المساعدة فى بيعهـا أو تعليها أو الترويج لها ، نظير دفع مقابل لذلك أصبح الإعـلان الآن وسيلة هـامة من وسائل العلاقات العـامة من أجـل التسويق وترويج المنتجات مثل الرسوم على الجـدران ، واللوحات الإعلانية , أو لوحات الدعاية , أو الملصقات , أو اللافتات الضوئية , والعادية فى الطرق , أو وسائل المواصلات .
إن انتشار ثقـافة الاستهلاك عبر آلية الإعـلان ، وحب التملك , والمحاكاة ، وتقليد الآخرين , تتجسد فى الكثير من المجتمعات, وهو الأمر الذي ترتب عليه تشكل منظومة قيمية استهلاكية تتماشي وقيم الثقافة الغربية عموما , حيث تظهر رغبـات، واحتياجات مصطنعة , وغير ضرورية , إلا أنها تتحـول عبر آلية الإعـلان ، وتفشى قيم الاستهلاك , والرغبة فى تقليد الآخرين إلى احتياجات . والمشكلة هي أن النهم الاستهلاكي لا نهاية له ، وبالتالي فإنه يخلق ضغوطاً اقتصادية مستمرة على الأسرة ، والمجتمع ككل ، وهو الأمر الذي يؤدي في النهاية إلي مزيد من الضغوط علي الظروف الاقتصادية لتلك المجتمعات .
وزيادة على ذلك فإن الإعلانات تشغل معظم الناس وخاصة فى أوقات فراغهم ، مما أدت بطبيعة الحال إلى تزايد القدرة الاستهلاكية من خلال اقتناء ، أو رغبات فى منتجات جديدة تخلق باستمرار عن طريق الإعلانات بزيادة الوقت الذي يقضى فى مشاهدة برامج التلفزيون ، خاصة النساء , والأطفال يقضون وقتاً طويلاً وهم يشاهدون برامج التلفزيون أكثر مما يفعل الرجال والشباب ، وبالتالي ينعكس هذا على المجتمع ككل :- المحاكاة والتقليد , فى ضوء ذلك يقول العالم \" لينيت باليرت : أن معظم المستهلكين غالباُ ما يكونون من النساء , فهو يرى أن النسـاء يتأثرن أكثر من غيرهم بالإعلانات، فضـلاً عن أنهن تقمن بالخدمة فى المنزل ، ويحتفظن بالبضائع ، والطعام ، ويرعين الأطفال . ويلاحظ أن دور النسـاء دور خدمي منتقد ويتحدى الاستهلاك فى المجتمع الحديث ، من خلال أنواع من السـلوك ناتج عن احتياجات فى تشكيل اتجاهات المـرأة وسلوكها ، مما يؤدى إلى تعميق اتجاه النساء والشباب والأطفال نحو زيادة الاستهلاك ويرجع ذلك إلى الإعلانات وبرامج التلفزيون.(1)
وخلاصة القول فأن نمط الاستهلاك الغربي بدأ في الانتشار فى مختلف دول العـالم وخاصة العالم الثالث,وهذا مرتبط بالتطورات التي طرأت علي وسائل الاتصال الجماهيري , أو الثورة في مجال الاتصالات عموما , خاصة فيما يتعلق بالمادة الإعلانية التي تبثها وسائل الإعلام مما أدت إلى زيادة الاستهلاك بشكل كبير أكثر من انخفـاض الأسعار وساهمت فى خلق نوع من \" الفجـوة الاستهلاكية \" بين الأفراد مما زاد الإنفـاق الاستهلاكي على مختلف السلع والمنتجات عبر البرامج التي تطرحهـا المؤسسات العالمية من خـلال هذه الإعـلانات وخاصة على \" شبكة الإنترنت \" التي أدت إلى زيادة الوعي لدى المتصفحين للبرامج عبر الشبكات بشراء المنتجـات التي يودون الحصـول عليها دون أي عنـاء .
في إطار كل ذلك يصبح التساؤل حول قيم الاستهلاك في ظل الثورة الكونية في مجال تكنولوجيا المعلومات , سؤال طبيعي , تفرضه الظروف التي تمر بها المجتمعات سواء علي المستوي الدولي أو المحلي , تلك القيم التي ترتبط بشكل وثيق بالمجتمع الذي تتشكل من خلاله , فإذا كان هذا المجتمع هو بذاته في حالة تغير وتطور وتحول كبير , في ظل التحولات العالمية , تفرض نفسها وبقوة , فإن البناء القيمي الخاص بالاستهلاك , يصبح هو الآخر عرضه للتحول والتبدل .



Helene Brembeck , Elusive Consumption , Berg , New York , 2004 , p., 1 (1)

(2) Angus Deaton author , Understanding Consumption , Oxford University , Oxford , 1992 , p., ix

(1) Ben Fine author , The Material and Cultural Revisited , Routledge , London 2002 , p., x

(1) مصطفى الخشاب , دراسات في علم الاقتصاد ، لجنة البيان العربي ، القاهرة ،1957 , ص 31

(2) آدم سميت , ثروة الأمم , دار القاهرة للطباعة والنشر , القاهرة ,1959, ص 8

(1) سعيد النجار : تاريخ الفكر الاقتصادي , دار النهضة العربية للطباعة والنشـر , بيروت , لبنـان , 1983 , ص ص 175 - 178

(1) وفاء حسين الزمر , أثر العوامل الاجتماعية على نمط الاستهلاك ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة القاهرة ، 1972 , ص 2

(1) محمد يسرى إبراهيم , اقتصاديات مجتمع الانفتاح ، دار أم القرى للطباعة والنشر الإسكندرية ، الإسكندرية , 1997 ,ص 80

(2) Ben Fine , op cit , p., xi

(1) إنعام عبد الجواد , النسق القيمي في الريف المصري , قيم الإنتاج والاستهلاك , المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية , القاهرة , 1998 , ص ص 1 - 2


(2) محمد يسرى إبراهيم , مرجع سابق , ص 52

(1) عبد العزيز فهمي هيكل , موسوعة المصطلحات الاقتصادية الإحصائية , دار النهضة العربية للطباعة والنشر , لبنان 1986 , ص 553

(1) عبد الرحمن السيد فهمي , الاستهلاك في مجتمعات الخليج العربي , مركز دراسات الجزيرة العربية , الرياض , 1999 , ص 148

(2) الطاهر العلوي , ظاهرة الاستهلاك في المجتمعات النامية , دار موفم للنشر , الجزائر , ص 214

(3) ماكس فيبر , الأخلاق البروتستنتية وروح الرأسمالية , ترجمة محمد علي مقلد , مركز الأتحاد العربي , بيروت , ( بدون تاريخ ) ص ص 16 - 19

(1) أحمد زايد : المداخل النظرية في دراسة القيم , نحو مدخل نظري لدراسة قيم العمل في المجتمع القطري , مركز الوثائق والدراسات الإنسانية , الدوحة , 1994 , ص ص 81 - 101


(1) العيسوي ابراهيم شحات , اقتصاديات الوفرة , المركز الدولي للدراسات , بيروت , 1997 , ص 124

(2) المرجع السابق , ص 125

(3) أحمـد أبو زيد : البنـاء الاجتماعي , الجزء الأول , دار الكتاب العربي للبحث والنشر , الإسكندرية 1967 , ص 13

(4) نيقولا تيماشيف ، نظرية علم الاجتماع وطبيعتها وتطورها ، ترجمة محمود عودة وآخرون ، دار المعارف ، القاهرة , 1986 , ص 333

(5) أحمد مجدي حجازي وآخرون : المجتمع الاستهلاكي ومستقبل التنمية فى مصر , مركز البحوث والدراسات الاجتماعية , كلية الآداب , جامعة القـاهرة , 2001, ص 100

(1) هادي النعماني : عولمة الاقتصاد . نظام عالمي جديد . سوق كونية واحدة , الدار الدولية للأبحاث والدراسات والنشر , بيروت , 2002 , ص 159

(2) Rainer Winter , Global AmericaThe Cultural Consequences of Globalization , Liverpool University Press , 2003 , p., 121

(3) جلال أمين : العولمة والدولة , المستقبل العربي , مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت , العدد 228 , فبراير , 1998 , ص 23

(1) أنور أبو عوده : العولمة . الأمركة . وجهان لعملة واحدة , دار الجيل للطباعة والنشر , بيروت , 2003 , ص 321

(2) Jan Nederveen Pieterse , Globalization or Empire , Routledge , New York , 2004 , p., 89

(3) Fu-Chen Lo editor , Globalization and the Sustainability of Cities in the Asia Pacific Region , United Nations University Press , New York , 2001 , p., 19

(1) Priyatosh Maitra author , The Globalization of Capitalism in Third World Countries , PRAEGER Westport, Connecticut London , 1996 , p., 102


(1) Rainer Winter , Global America , op cit , p., 135

(2) سمير محمد حسين : الإعلان , مطابع سجل العرب , القاهرة , 1986 , ص 145

(1) سناء الخولى , التغير الاجتماعي والتحديث , دار المعرفة الجامعية , الإسكندرية , 1988 , ص 256


إرسال لصديق
بواسطة : almushref
 0  1  5.4K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 06:44 صباحًا السبت 29 فبراير 2020.