• ×
  • تسجيل

السبت 29 فبراير 2020 اخر تحديث : 02-24-2020

قائمة

almushref
بواسطة  almushref

الأطفال و متطلبات التحصين ضد الانحراف

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بقلم: عبد الله أبو أيــاد العلــوي : أستاذ باحث في سيكولوجية الانحراف
في ظل مناخ نفسي اجتماعي يعاني فيه الإنسان من هيمنة ثقافة السمع بلا فهم. أي السمع الذي يقابله الكلام الموجود بالخوالج، والذي يعتبر لدى صاحبه؛ هو الصواب وان ما نسمعه من الآخرين، مجرد هراء. وأنهم لا يأبهون بالصواب ولا يبحثون عنه. في أوضاع تتشكل فيها شخصية الإنسان وقناعاته من النزعات والرغبات الفردية والانتماءات العصبية. المعطلة للقدرات العقلية والمعيقة للفهم. والمحاصرة في البحث عن براءة الذات وإدانة الآخرين...



حيث يحتدم الجدل وتستتب مضاعفات العجز عن الاستماع، فتتحول إلى ثقافة سائدة. فتنتج الحاكم المستبد، الذي لا يسمع إلا لنفسه. والمربي الانتهازي الذي يوظف هذه الثقافة في تحقيق أغراضه الخاصة، وتخريب كل جهد إيجابي، والبيروقراطي الذي لا يصرف سوى لجة التعليمات.
أو الأبويين السلطويين والمربي والمدرس الذين ينشئان الأحبال على ثقافة الصمت والغش ... في ظل هذا المناخ الذي تحطمت داخله كل سبل وجسور التواصل وفشل المشروع التربوي وهيمنة الإجتماعات الاستعراضية العقيمة واللقاءات والندوات الفاشلة. وتحول القنوات والمنابر الإعلامية، إلى مجرد أبواق للدعاية وتسويق ثقافة الفقر وتنمية التخلف. فلا تجد المشاعر والانفعالات المحاصرة سوى آليات الأذى والكيد. وحياة الهامش كآليات دفاعية لحماية الذات دون التفكير في ترقيتها نحو ما هو مثالي... ولعل التصرف الإجرامي عامة والتصرف المنحرف لدى الأطفال والناشئين بالخصوص ما هو إلا إفراز طبيعي لهيمنة هذا المناخ النفسي الاجتماعي الذي لا يأبه بما يقدمه البحث العلمي في هذا الصدد من نتائج على قلتها وضيق نطاقها- لأن المستبد لا يأبه بالعلم إلا عندما يستثمره في تسويق منتوجه الاستبدادي، فلا ريب بأن العدو رقم واحد لدى الحاكم المستبد هو المواطن الذي يرى في تعليمه وتربيته على التفكير والإبداع والاختراع والتنظيم على قواعد العدالة والمساواة وتجدد الفاعلية... خطر على هذا الحاكم الذي يحمي نفسه باحتكار العلم والدين والثقافة وخوصصة الاقتصاد. ليحوله إلى ملكيات خاصة بيد أعوانه وإن تم ذلك نحت مسميات مختلفة- وعليه يرى في انتشار التصرف الانحرافي والإجرامي لدى الأطفال والناشئين، هو أداة توازن تحفظ للحكم استمراريته بهيمنة متجددة تكرس الفقر والتخلف في أوساطهم وتقوي ثقافة الفقر في البرامج والمناهج السائدة داخل كل المجالات المتحكمة في عملية التنشئة الاجتماعية..
دون الانطلاق من هذا المناخ ومحاولة فهمه بشكل جيد يصعب على الباحث الحديث عن ملامح السياسة الوقائية الواجب اعتمادها لتحصين الأطفال والناشئين ضد التصرفات الانحرافية عامة والإجرامية بالخصوص.
فالتصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين قد أضحى ظاهرة إنسانية ليس من اليسير التصدي لها نظرا لسيادة المناخ الذي تعيش فيه.. نهيك عن العديد من العوامل والمتغيرات منها الظاهر، عادة ما تحدث نتيجة لأسباب كثيرة. ثم أن مسألة التحكم في هذه الأسباب ليست بالأمر السهل والهين، لكن التصدي للتصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين كظاهرة إنسانية هو أكثر صعوبة لعدة أسباب يمكن إيجازها كما يلي :
1-إن مصطلح التصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين مصطلح يعاني الكثير من الغموض بدليل تعدد المرادفات التي تستعمل غالبا بمعنى واحد: انحراف- جنوح- إجرام إثم-
2-إن تحديد فترة الطفولة والمراهقة وإن حسمت على مستوى السن. فهي غير مدركة لدى من يتحكمون في مصير هذه الفئة من الناس على المستوى النفسي والبيولوجي والعقلي والاجتماعي.
3-الأمر الثالث في هذه المسالة يتعلق عموما بالمقاربات المعتمدة على المستوى العلمي. فلكل تيار من تيارات علم الإجرام تصوراته في تفسير التصرفات الانحرافية. والأسباب المؤدية لها. وقد ظهرت هذه التيارات ولها مبرراتها وأدواتها وأساليبها العلمية، وفي نفس الوقت انتقدت بذات الأسلوب أو بأسلوب أكثر حدة ، وسبب ذلك أن الظاهرة المرصودة مرتبطة بالإنسان بغض النظر عن شريحته العمرية التي ينتمي إليها. وهو سريع التأثر بمعطياتالبيئة المحيطة . وبكل مكوناتها الجغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية وبالتالي أصبح من الصعب التنبؤ بتصرفاته بعيدا عن بنيته النفسية والثقافية والبيولوجية.
4-إن السبب المشار إليه أدى إلى عدم وجود مقاربة واحدة يمكن الركون إليها بثقة مطلقة في تفسير التصرف المنحرف عامة ولدى الأطفال والناشئين خاصة والتعامل معه في ضوء هذه المقاربة.
5-إن اعتماد المنهج الواحد لرصد حقيقة هذه التصرفات يكفل أكبر قدر من الصلاحية العلمية وليس الثبات العلمي أمر غير كاف خاصة إزاء ظاهرة إنسانية لا يمكن حصرها في أساليب التكميم أو إلى مقولات العوامل السائدة التي تحول صاحب التصرف إلى مجرد رقم يمكن احتسابه دون اكتراث بقيمته الكيفية. وهي عراقيل تعوق الوصول إلى خلاصات علمية تحدد آليات المعرفة العلمية المساعدة على معرفة التصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين عند الرشداء على حد سواء.
ولربما بسبب هذه الصعوبة وجدت مقاربة تعدد العوامل صدى لها أو حظيت على الأقل- باهتمام أكبر من غيرها.
وهي المقارنة التي يمكن استخدامها لحد الآن في تحديد أهم ما يمكن اقتراحه. من أجل صياغة سياسة وقائية للتحصين ضد التصرفات الانحرافية.
وفي هذا الصدد يصعب الحديث عن سياسة وقائية أو علاجية لهذه الظاهرة الإنسانية. في غياب الإقدام على إصلاحات دستورية وقانونية قادرة على إحداث القطيعة مع كل صنوف الاستبداد وصياغة مؤسسات قادرة على حفز الهمم وتوحيد الجهود واستثمار الطاقات والقدرات وتمكينها من إيجاز قراءة جديدة لرسالة المجتمع وتوظيفها في تنشئة وصيانة الأفراد وتأهيلهم لبذل جهودهم بأكثر فاعلية في الإيمان بالله والتفكير بالواجب أمامه وفي حق مخلوقاته على قواعد حرية التفكير والاختيار، والوعي بقيمة الاختلافات والفروق العقلية والنفسية والجسمية والعاطفية بين الأفراد والجماعات، وهذا من مسؤوليات مكونات التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام وفضاءات الوقت الحرة والإدارة والأمن والقضاء. وإذا كان المجال لا يتسع لتناول شرط الإصلاح الدستوري والقانوني وأهميته في النهوض بالمجتمع وفتح الطريق أمام الناس ليمارسوا مسؤوليتهم في الاستخلاف بقدرات أعلى كفاءة وأكثر مردودية، لأداء حقوق الله وحقوق عباده عليهم. فإن الإسهام في وضع صياغة للسياسة وقائية ضد التصرفات المنحرفة لدى الأطفال والناشئين تحتاج إلى التوقف بنوع من التريث عند المحطات التالية:
-الأسرة
-المدرسة
-الحي السكني
-الإعلام
-الشرطة
-فضاءات الوقت الحر.
أولا : الأسرة والتصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين
إنها من أهم اللبنات الإنسانية وأقدمها، ففيها يولد المرأ وينمو، وهي أكثر النظم الاجتماعية التي تقع على كاهلها عملية التربية والتنشئة الاجتماعية. بالإضافة إلى كونها الجسر الذي يعبر الفرد من خلاله إلى مجالات الحياة. فهي مركبة الوعي الاجتماعي والتراث الحضاري التي تزوده بأنماط السلوك المختلفة في طفولته المبكرة. وهي الإطار المرجعي لكل تصرفاته إزاء ما يعترضه من مواقف.
ولا ريب في أن للأبوين مواقف وسلوكات متباينة، وأن هذه المواقف قد تكون مرغوبة وقد لا تكون كذلك. فاتجاهات الوالدين والإخوة الكبار وتصرفاتهم قد يتقفاها صغار السن بصرف النظر عن توعيتها ومدى طابعها الإيجابي أو السلبي.
والأطفال في البلدان الثالثية غالبا ما يمرون بتنشئة تقليدية ترتكز على جملة من القيم، والعادات والتقاليد تتوارث من السلف إلى الخلف، لكنها ليست كلها صالحة للإسهام في تربية الأطفال والناشئين وتنشئتهم بشكل صحيح ذلك لأن التراث الاجتماعي والثقافي لأي مجتمع هو كله تعقيدات مليء بالتناقضات.
فالاعتقاد الراسخ بالنسبة للتصرف الانحرافي بالمعنى الاجتماعي هو كل فعل أو امتناع يخالف العادات والقيم والأعراف حتى وإن كانت غير سليمة؛ مفهوم مهزوز والعمل بأحكامه غالبا ما ينتج مردودا عكسيا سلبيا، فكيف يمكن تفسير الخروج عن عادات تقليدية متخلفة وسيئة ولا تتفق مع أحكام الشرع ولا مع منطق العقل بأنها تصرفات انحرافية ؟
إن هذه التفسيرات والمعتقدات لا يمكن إلا أن تساهم في خلق نوع من عدم التوافق في السلوك ينعكس بشكل سلبي في اتجاهات الطفل وتصرفاته فيتم وصمه بالانحراف أو الجنوح أو الإجرام وعندها تكون البداية.
فالمشكلة إذن تتجلى في آن لكل أسرة أسلوب تميز بمقتضاه في التعامل مع هذه القيم والعادات، وهذه بدورها تعكس نماذج الاتجاهات التي تسودها. وأصناف السلوكات التي يستطيع بها الطفل من خلال أسرته والتي يعتمدها في مواجهة كل الصعوبات التي تعترض حياته. فالطفل يقتدي بأنماط سلوك الأبوين وهذه الأنماط تتأصل فيه بإيجابياتها وسلبياتها في الغالب الأعم إلا إذا تدخلت عوامل أخرى... من هنا كان على ألا ننقل القيم المقبولة اجتماعيا إلى الجيل الجديد فحسب. بل عليها أن تحاول حماية الطفل أيضا من التأثر بأنماط التصرف المنحرف وكذا القيم الجامدة والعادات السيئة.
وقد أكد الباحثون في علوم التربية وعلم النفس على الأهمية البالغة للتربية المنزلية في عمليات التنشئة والتأهيل الاجتماعي في صياغة ونمو شخصية الفرد. كما أكدت العديد من الدراسات المتخصصة فإن الإهمال الأبوي للأبناء وبالخصوص من الناحية النفسية والتربوية يعد عاملا حيويا خطيرا في ترسيخ مشاعر الدونية والازدراء بالذات بالإضافة إلى التربية الخاطئة المعتمدة على القمع والضغط والتشدد أو التراخي والدلال. لا يستطيع الطفل أو الناشئ التحرر منها إلا بالالتحاق بجماعات خارج البيت بحثا عن الاعتراف وطلبا للانتماء الاجتماعي الذي عجزت الأسرة تمكينه منه. وقد نصت النتائج التي توصل إليها الأستاذ حبيبي عبد الإله في دراسته بعنوان \"مفهوم الذات لدى الحدث الجانح\" : بأن الجماعة الجانحة لا تظهر إلا عندما تعجز أو تفشل المؤسسة الأسرية في القيام بأدوارها النفسية والتربوية... فاندفاع الحدث يقول الباحث نحو امتصاص قيم وسلوكات الجماعة الجانحة بمثابة إعلان عن إفلاس أسرته وتلاشي تأثيرها ودورها الفعال - لكن هل هناك أسرة في المغرب واعية بأدوارها النفسية والتربوية قديما أو حديثا ؟ إن الصحيح مع الأسف هو انعدام هذا الوعي وغياب هذه المهمة نظرا لهيمنة الأمية في غالبية الأوساط. وحتى إذا كان الأبوين متعلمين فإن تعليمهما لا يؤهلهما للقيام بأي دور نفسي بل إن المجتمع بأكمله يعاني من أزمة ثقافية نفسية غير قادرة على حماية الصحة النفسية للأطفال والناشئين وكل المجتمع مما يجعل الأمراض النفسية كثيرة الانتشار في أوساط الأطفال والناشئين متغذية باستمرار بالأوبئة السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية المتنوعة والشديدة الفتك.
وقد بينت العديد من الدراسات المتخصصة بأن غياب الرعاية النفسية وهيمنة التربية الخاطئة داخل أسر الأطفال والناشئين، أصحاب التصرفات المنحرفة مقارنة مع أسر الأطفال والناشئين، أصحاب التصرفات غير المنحرفة في بريطانيا عاملين موجودين بنسبة خمسة إلى واحد أي وجود هذين العاملين في خمس أسر من أسر أصحاب التصرفات المنحرفة يقابله وجود نفس العاملين في أسرة واحدة لأصحاب التصرفات غير المنحرفة .
كما وحد وليام هيلي وبرونو أن 4% من بين 4000 حالة من أصحاب التصرفات المنحرفة في ولايتي شيكاغو وواشنطن نشأوا في أسر تفتقر للرعاية النفسية والتربية الأسرية السليمة.
وتوصل جيلدوف والتيور حلوك إلى مجموعة من النتائج في دراسة احتوت عينتين الأولى ضابطة والثانية تجريبية اشتملت كل منهما على 500 طفل. فتبين أن 95.8% من الأمهات و93.45% من الآباء الذين ينتسب إليهم الأطفال أصحاب التصرفات المنحرفة كان أسلوب التربية لديهم يتراوح بين منتهى الدلال أو القسوة البالغة.
و65.6% من الأمهات و55.5% من الآباء الذين تنتسب إليهم العينة الضابطة. يتسم أسلوب التربية لديهم بالحزم المفعم بالحنان وهذا يؤدي إلى إحساس الأطفال والناشئين بالدفئ والطمأنينة والعدالة. ويستخلص هذان الباحثان أن أسلوب التربية المعتمدة من لدن أمهات وآباء أصحاب التصرفات المنحرفة كان أقل فاعلية من ذلك المتبع من قبل أسر أصحاب التصرفات غير المنحرفة. وذلك راجع إلى الإفراط في استعمال العقوبة البدنية والحرمان من المزايا والتهديد والتحقير أكثر من اللجوء إلى التفاهم والتواصل مع الأطفال والناشئين داخل العينة التجريبية.
وفي دراسة \"لناي\" حول آثار العلاقات الأسرية بالتصرفات المنحرفة بالولايات المتحدة الأمريكية. أوضح هذا الباحث بأن التربية في الأسرة قد ترتبط بالتصرف المنحرف من خلال تأثيرها على عناصر الضبط بطرق ثلاثة :
1-قد تمنع القسوة؛ الأطفال والناشئين من تحقيق حاجاتهم إلى التجمع والترويح خاصة في جماعات الأنداد.
2-الافتقار إلى التربية أو قصورها أو كليهما معا يمنع الأطفال والناشئين من الضوابط المباشرة أو غير المباشرة على تصرفاتهم داخل الأسرة أو خارجها.
3-إذا لم تكن التربية عادلة قد تؤدي بالطفل أو الناشئ إلى تكوين اتجاهات سلبية أو متقلبة نحو الوالدين وهذا يؤدي بدورها إلى الإقلال من فعالية الضوابط الاجتماعية.
ويشير هذا الباحث أن المعاقبة غير العادلة من جانب الأب ترتبط ارتباطا له دلالته بالصاحب التصرف المنحرف أكثر من ارتباط هذا الطابع بصاحب التصرف المنحرف إذا ظهر من جانب الأم.
واتضح أيضا أن هناك ارتباط له دلالته بين تميز الوالدين في العقوبة والتصرف المنحرف لدى الأطفال والناشئين وإن كان ارتباط هذا الطابع من المعاملة أعمق في دلالته بالنسبة للتصرف المنحرف إذا اتخذ من جانب الأب.
والمثير للانتباه في هذه الدراسة، أن هناك علاقة بين قسوة الأمهات والتصرفات المنحرفة لدى البنات، بينما لم ترتبط القسوة من جانب الأبوين بالتصرف المنحرف لدى الذكور ارتباطا ذو دلالة إحصائية.
وقد سجلت هذه الدراسة أيضا الآثار السلبية للدلال والتراخي والإرضاء المفرط من قبل أبوي الأطفال والناشئين أصحاب التصرفات المنحرفة. وذلك بدلالة إحصائية ذات تكرارات كبيرة.
وفي دراسات أخرى طالت أصحاب التصرفات الإجرامية من الرشداء. وخاصة أولئك الذين ينعتون من لدن القانونيين والقضاة ورجال الأمن بالعتاة والطغاة والجبابرة. يتبين أن أغلبية هؤلاء كانوا غير ناضجين من الناحية العاطفية وغير مطمئنين في طفولتهم. ذلك لأن علاقة الطفل بأبويه تلعب دورا متميزا في تنشئة الطفل وحمايته من عوامل السقوط في التصرف المنحرف وهي كثيرة ومتعددة وهذا يرتبط بتفكك وبتصدع الأسرة فالتفكك قد يكون ماديا ويقصد به غياب أحد الوالدين أو كلاهما لأي سبب من الأسباب. والأسرة المتفككة غالبا ما تعجز عن تربية أطفالها بشكل جيد لأن غياب الوالدين أو إحداهما يترك فراغا في الدور الوظيفي للأسرة. يحدث أن تعجز مثل هذه الأسرة عن إشباع حاجات أطفالها وتلبية رغباتهم مما يدفع بهم إلى محاولة إشباع هذه الرغبات بطرق عديدة تجر إحداها إلى الانحراف بتأثير الحاجة الملحة.
أما الأسرة المتصدعة فهي التي تسودها الاضطرابات أو الخلل في العلاقات الذي برغم الأطفال والناشئين على الخروج بحثا عن بدائل خارج الأسرة قد تكون ذات طابع انحرافي أو معرضة على السقوط في التصرف الانحرافي.
وقد أجريت في هذا الصدد عدة دراسات في عدة بلدان حول علاقة تصرف المنحرف بالتفكك أو التصدع الأسري، دلت نتائجها على وجود صلات قوية ووثيقة بين المتغيرين.
ففي دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر حول : (السرقة عند الأحداث) تبين ارتفاع نسبة حالات الطلاق بين والدي الأطفال والناشئين أصحاب هذا التصرف المنحرف. وذلك بنسبة تتراوح بين 10.7% و 11% في حين أن النسبة العامة للطلاق في مصر في ذات العام قد بلغت 2.3% في الألف من السكان.
وتوصلت دراسة دولية طالت 18375 فتاة ذات تصرف منحرف تنحدر من 25 دولة اتضح أن 15104 منهن ينتمين إلى عائلات مضطربة غير مستقرة أي بنسبة 81.78%.
أما دراسات \"جلوك\" حول أصحاب التصرفات المنحرفة من الأطفال والناشئين بالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا فقد أظهرت أن 60% من الأطفال والناشئين الذين طالتهم الدراسة من أصحاب التصرفات الانحرافية كانوا محرومين من رعاية الأب منذ الطفولة. أما المبتدئين من الأطفال والناشئين من أصحاب هذه التصرفات في فرنسا. فإن 40% منهم كانت تعوزهم منذ طفولتهم الأولى رعاية الأم .
من خلال ما تقدم يتبين مدى أهمية الأسرة في حياة المرء والمجتمع. ولعل صيانتها ضد الفقر وثقافة البؤس وهيمنة الأمية وتحصينها ضد التصدع والتفكك بتوفير الرعاية الصحية النفسية والجسمية والعقلية والاجتماعية والتعامل معها كمقاولة متخصصة في الاستثمار في التنمية الإنسانية على قيم التواصل والتفاعل والتعاون والتضامن وتعبئة كل المكونات المجتمعية في خدمتها من أجل الانتعاش وتخطي الصعوبات من خلال الإسهام في صياغة الأب الأفضل والأم الأنسب على الانخراط في حركة تربوية تجديدية تعي التحولات التي تطال الإنسانية، والإسهام بقدرات تكاملية مع باقي مكونات التنشئة والقيادة، الاجتماعية والسياسية بغاية تمكين الناشئين والأطفال من إنسانيتهم عبر إنماء الفاعلية لديهم، وهذا يتطلب مراجعة جريئة واعية لرسالة الأسرة في أفق القرن الجديد الذي يصعب على البنية الأسرية الحالية الانخراط فيه أو تعويل على منتوجاتها للإسهام في وضع تحدياته. ذلك لأن الواقع الأسري الراهن الذي يعاني من عدة صعوبات في مقدمتها الأمية التي لا تنحصر في العجز عن القراءة والكتابة فقط بل هي منهج تعليمي وعادات تفكير تبدأ من حكايات الجدة والأم خلال مرحلة الطفولة التي تسمى مرحلة الاتكال على الغير. فاستمرار هذا الاتكال يعني استمرار هذه الأمية وهذا لا يعني الفرد بل يطال الأسرة والمدرسة والجماعة المحلية والدولة والثقافة. التي تحول دون حرية التفكير والتعبير والاختيار.. وتعيق القدرات العقلية وتعلم التفكير والوعي والنمو النفسي ودرجة النضج الاجتماعي.
وقد يرى البعض بأن الأسرة بإمكانها أن تحصن المجتمع ضد الانحراف من خلال تنظيمها النسل وتحريمها تعدد الزوجات والتزامها باتفاقية حقوق الطفل وأحكام مدونة الأسرة... آليات كافية لتحميل الأسرة في المغرب مهام التحصين ضد الضياع والإهمال والانحراف والإجرام، لكن الحقيقة هي عكس ذلك ففاقد الشيء لا يعطيه فلا يمكن التوقع من أسرة غير مطمئنة على قوتها اليومي وبيتها السكنية والمفتقرة للحد الأدنى من التأهيل التربوي والثقافي. وحرمانها من قدرات التواصل والتعبير مما يجعلها عرضة لتهديدات التفكك والتصدع.. أسرة جاهلة بأمور التربية وأساسياتها أن تقدم نموذج المواطن الأمثل والأسرة الأفضل لأبنائها ووقايتهم ضد أشباح الانحراف والإجرام والقلق من الحاضر والمستقبل.
ثانيا : المدرسة والحماية ضد التصرف الانحرافي
إذا كانت أكثر البلدان نجاحا هي البلدان التي استطاعت أن تجعل من المدرسة قضية وطنية يتم التعامل معها على أعلى مستوى من صناعة القرار السياسي بمشاركة القطاعات والفئات الخاصة والمدنية والحكومية وهي البلاد التي تتوفر على رؤية واضحة وخطة شاملة تسير عليها وتؤدي المدرسة فيها دورا مهما. والمدرسة أيضا تعد هيئة اجتماعية أوجدها المجتمع الإنساني، ليتمكن عبرها من تحقيق أهدافه في الحياة. كما تعتبر بمثابة التجربة الاجتماعية الأولى في حياة الأطفال بعد البيت. لأنها تتضمن بيئة تحوي في نطاقها العديد من الجماعات كما تتجلى أهميتها في كونها المكان الأول الذي تظهر فيه علامات الخطر الأولى على نمو الطفل في المستقبل. ولهذا كان لما يتخذ من إجراءات سديدة في معالجة الطفل الذي يعاني نوعا من صعوبات التوافق في حياته الأسرية والمدرسية أهمية مباشرة في تحصينه ضد التصرفات المنحرفة... فللمدرسة أهمية بالغة في تهييئ الإمكانات الملموسة تربويا واجتماعيا وتعليميا ذات الآثار المجتمعية البناءة التي تطال الأطفال والناشئين عبر ما تقدمه لهم من معارف وما تساهم به من أدوار من أجل إحداث التطور الإيجابي في سلوكاتهم وبناء شخصياتهم. من خلال اعتماد أساليب التربية والتعليم المعتمدة على المستهدفين بشكل كبير. لتمكينهم من اكتساب مناهج حل المشكلات والتعلم الاستكشافي والدراسة الإستيعانية والتعلم التعاوني. واعتماد قياسات التقويم التي تستطيع رصد الجوانب المختلفة للمستهدفين مع التركيز على الميول والاتجاهات والجوانب المهاراتية ثم التحصيل العلمي. إنها المدرسة ذات الإدارة القوية والحازمة والمحترفة وصاحبة الرؤية والأهداف الواضحة. والمحافضة على مستوى عال من الشراكة مع البيت والمجتمع والمحيط. والمتوفرة على كل وسائل الاتصال المفتوحة مع المجتمع. والقوية على تأمين احتياجات المدرسة من الأجهزة والأدوات. والمتمكنة من رصد وتتبع مستويات أداء العاملين والمتعلمين، وتوفير البيئة المدرسية الآمنة البناءة والإيجابية؛ الإدارة الكفيلة بالعلم والعمل على الرفع من الدفاعية لدى العاملين بالمدرسة بتوظيف التكنولوجيا وتشجيع العمل الجماعي واستثمار كل المبادرات واستخدام كل الآليات والأدوات المتاحة والممكن إتاحتها لتحسين أداء المدرسة. إدارة تستطيع إعادة قراءة رسالتها بشكل متجدد باعتماد التقويم المؤسساتي المرتكز على :
-المعلم
-المتعلم
-الإدارة المدرسية
-المناهج
-البنيات التحتية
-العلاقات الإنسانية
-المجتمع
الإدارة المدرسية القوية على إجراء البحوث الإجرائية للوقاية من المشكلات التربوية، وعلاج المشكلات الميدانية التي قد تواجه بعض المعلمين أو المتعلمين إنها الإدارة التي تتبنى مفهوم المدرسة دائمة التعلم، وتضمن عبر برامج متجددة النمو المهني لكافة العاملين بها أو تساهم في دعم النمو النفسي والحضاري لمحيطها السوسيوثقافي والاقتصادي. عبر تتويج برامج استقرائية وعلاجية وتطويرية وتنشيطية...
الإدارة المدرسية المدركة إلى أن كل خطأ في تفكير طاقمها أو أثناء ممارسته العملية من شأنه إحداث أضرار دائمة ذات آثار سلبية على النمو النفسي والأخلاقي والمعرفي للطفل وانعكاساته السيئة على المجتمع في المدى البعيد.
من خلال ما تقدم يبدو أن المدرسة ذات أهمية كبرى في حياة الطفل والمجتمع. وأن التصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين. يتوقف على الإمكانيات الذهنية التي لديهم، وعلى نوع المعاملة التي يتلقونها داخل المدرسة بدرجة كبيرة، فالفشل الذي قد يلحق بالطفل أو الناشئ يسبب قصور يعانيه، سواء كان هذا القصور عقليا أو جسميا أو نتيجة لعدم التوافق المطلوب مع العملية التعليمية . أو نتيجة لمخالطة أنداد يعانون من نفس الصعوبات. أو قد سقطوا في تصرفات انحرافية. التقى بهم داخل المدرسة، قد يؤدي بأحدهم أو بعضهم على اختيار آليات دفاعية للتخلص من تلك الصعوبات، قد تتجلى في الهروب من المدرسة، وإبداء ردود فعل مضادة للمجتمع، نتيجة هيمنة الإحساس بالنقص والقصور عن باقي الزملاء في الفصل، والذي قد تكون أسبابه عضوية كضعف البصر أو نقص في السمع أو تلعتم في اللسان... وقد تكون الأسباب نفسية كالخوف أو العناد أو الاكتئاب. وقد تكون اجتماعية أو مادية كعدم قدرة التلميذ على الاستفادة من الدروس الخصوصية بالمقابل الفقر المادي للأبوين... وهذه أهم العوامل التي أدت بالعديد من أصحاب التصرفات الجانحة في المغرب حسب دراسات ميدانية إلى التخلف الدراسي ومغادرة المدرسة. لكن المؤسف هو استمرار سياسة عدم الاكتراث بهذه الصعوبات داخل المدرسة المغربية رغم كل الشعارات الداعية للجودة.
ففي دراسة استطلاعية طالت الأطفال والناشئين نزلاء المؤسسات الإصلاحية بالمغرب. تبدو وبشكل كبير الصلة بين الفشل الدراسي والسقوط في التصرف المنحرف. كما أظهرت هذه الدراسة نسبة كبيرة تصل إلى 88.5% الكراهية التامة للمدرسة وللمعلمين من قبل المبحوتين مع اللامبالاة بكل اقتراح يرمي إلى العودة إليها. أو الاستمرار في التعليم.
أما في مصر العربية فقد أظهرت دراسة لوحدة بحوث الجريمة ببحث حول التصرفات المنحرفة لدى الأطفال والناشئين. بأن الفشل الدراسي يظهر واضحا لدى هؤلاء في سن مبكرة فنسبة 62% من المبحوثين سبق لهم الرسوب أكثر من مرة في المدرسة. و28.3% لم يتعدى المرحلة الابتدائية. وفي لبنان فإن المستوى التعليمي للأطفال والناشئين المحالين على المحاكم برسم سنة 2000 فقد بلغت 47.9% لا يزيد مستواهم عن التعليم الابتدائي. أما الأميون فتزيد نسبتهم عن 52%.
أمام هذه المعطيات تبرز أهمية الوظيفة التربوية التأهيلية والإنمائية والوقائية والعلاجية والإدماجية المفترضة في المدرسة.
ولما كان هروب الأطفال والناشئين من المدرسة عرضا من أعراض سوء التوافق النفسي والاجتماعي فالضرورة تقتضي من المعنيين بالشأن المدرسي وفي مقدمتهم المقرر السياسي استنفار كل قوى البحث العلمي بعيدا عن السياسوية- للكشف عن حقيقة هذا السلوك. وما هو دور الإدارة المدرسية وطاقم التدريس وجمعية آباء وأولياء التلاميذ والمحيط السوسيوثقافي والاقتصادي والجماعات المحلية والشرطة التربوية إزاءه ؟ إن كل هؤلاء مسؤولون أمام الأجيال الصاعدة، عن ذلك الكبح والإبعاد الذي تعانيه إلى درجة الاغتراب- من جراء انعدام الإصغاء والترك الذي يجعلها لقمة صائغة لدى كل شبكات الأنترنيت والقنوات الفضائية الهدامة التي تستقبلهم بسهولة وتمكنهم من كل وسائل الإحساس بالدونية وتحقير الذات وكن العداوة للمجتمع المعيش بكل قيمه ومؤسساته فيتعمق الاغتراب وتتسع الرغبة في المصادرة التي قد تكون عملية ولو بطرق غير مشروعة أو يتم الاكتفاء بالمغادرة الرمزية.
فالواجب هنا ليس التركيز على نتائج التحصيل الدراسي كغاية في حد ذاتها بل الهام هنا هو المحصول البيتي الجيد الذي يتمثل في العلاقة الحميمية بين الأطفال والناشئين والمدرسة وعلاقاتهم الطيبة بين بعضهم البعض وعلاقتهم الجيدة مع المناهج الدراسية والتربوية اعتمادا على قدرات توافقية نفسية واجتماعية وأخلاقية ومعرفية. بالنسبة للوظيفة الوقائية للمدرسة.
أما الوظيفة العلاجية لهذه المؤسسة بالإضافة إلى الوظائف التربوية والمعرفية والتثقيفية فتتمثل في اهتمامها بمشكلة التوافق الاجتماعي لدى الأطفال والناشئين ومواجهة مشكلاتهم السلوكية.
ولعل أول وظيفة علاجية تقوم بها المدرسة هو مواجهة الآثار السلبية التي قد تفرزها في نفسية الطفل أو الناشئ . فعندما يبدأ الطفل الذهاب إلى المدرسة، يكون قدرا كبيرا من اتجاهاته وأنماط سلوكه قد حددتها الأسرة بمعية جماعة اللعب وبيئة الجوار، وبعض هذه القوى قد يشوب الخلل أداؤها لوظائفها الاجتماعية، ومن ثم تخلف لدى الأطفال والناشئين آثارا سلبية ضارة.
ولعل من أهم شروط محاصرة التصرفات الانحرافية وتحصين الأطفال والناشئين وكل شرائح المجتمع ضدها هو إيجاد مدرسة فاعلة وقادرة على أن تكون أداة جيدة للتربية والتنشئة والتعليم للمستقبل. مدرسة قادرة على حشد التعاضد وتحقيق التفاعل بين جميع المكونات المجتمعية وقيادتها نحو الرقي الحضاري. وهذا يتطلب انفتاحها الكامل على محيطها وتمكينها من الاشتغال لصالحه لمدة لا تقل عن 16/24 ساعة في اليوم بناء على شراكات مع الجماعات المحلية وفعاليات المجتمع المدني بغاية التغلب على الآثار السلبية التي تنتاب الواقع البيئي العام وتحسين إذا كل فعاليات وتمكين جميع المواطنين من الانخراط فيها عبر آليات وتمكينها من التصدي لكل القيم الرديئة التي تتعارض مع القيم النبيلة للمدرسة والمجتمع.
ثالثا : الحي السكني ومسؤولية التحصين ضد التصرف الانحرافي
الحي السكني هو ذلك الفضاء الترابي الذي يوجد فيه المساكن أو الوحدات السكنية التي يعيش فيها الأطفال والناشئين بكل مقوماتها القانونية والإدارية والمادية فالحي السكني يضم المباني والطرقات والأسواق والمصانع ومراكز الخدمات الإدارية والأمنية والاجتماعية التي تقع في الحيز الجغرافي الذي يوجد فيه مسكن الطفل أو الناشئ وقد يكون ذو طبيعة قروية أم حضرية وقد يصنف ضمن الأحياء غير المهيكلة أو الأحياء المهمشة أو الأحياء التقليدية أو العصرية الاقتصادية أو العصرية الراقية في بنياتها. وبغض النظر عن هذا التصنيف يعتبر الفضاء السكني من العوامل المؤثرة في صياغة التصرفات الانحرافية لدى الأطفال والناشئين.
فليس بالضرورة أن يكون الحي السكني فقيرا لترتفع نسبة التصرفات الانحرافية فيه أو غنيا لتنعدم فيه تلك التصرفات أو تنخفض.
لكن الأمر هنا يتعلق بطبيعة تركيب الحي بغض النظر عن الأحوال المادية لقاطنيه. مع التأكيد على أن الوضع المادي وحده لا يكفي وأن المقصود هنا بنوع الحي السكني هو أن بعض الأحياء تعاني من الاكتظاظ وتنوع الأعمال وتصادم المصالح وغياب الضابط التربوي والأخلاقي داخلها وهي عوامل تحفز على السقوط في التصرف الانحرافي بالنسبة للأطفال والناشئين الذين يعانون نقصا في التحصين التربوي.
هذا بالإضافة إلى أهمية التصميم المعماري للحي وما لها من آثار في صياغة حياة التضامن وتوفير حاجيات الأمن الفردي والجماعي في جميع الأوقات.
فالأحياء سواء كانت اقتصادية أم راقية أو عشوائية مفتقرة لخدمات تسهل التواصل الحضاري بين الساكنين والمتعاملين معها عبر المرافق المهمة للحياة الإنسانية وخاصة ما يتعلم باستثمار الوقت الحر لدى الأطفال والناشئين. مرافق تساهم في حياتهم ضد القلق والتوتر النفسي خصوصا إذا كان الحي مزدحما. وأن الكثافة السكانية للوحدة السكانية أو الحي بكامله مرتفعة نسبيا. ومفتقرة لأي ساحة للعب أو مساحة خضراء أو أندية لاستثمار الوقت الحر كما هو حال بالبنايات التي تدعي القضاء على مدن الصفيح أو البنايات المتعلقة بالحياء الراقية التي قد تكون متوفرة على مساحات خضراء داخل البيوت وبجوانبها لكن سبل التواصل بالنسبة لساكنيها وتحصين الأطفال والناشئين منهم ضد الفراغ أمور لا توجد حتى بالأحياء الراقية مما يساهم في استعاضة الأطفال والناشئين عن تلك الفضاءات التي من شأنها تنظيمهم وتأهيلهم وحمايتهم ضد التصرفات الانحرافية بممارسات تتراوح ما بين الشذوذ الجنسي وتناول المخدرات. واستعمال العنف والتخريب وما إلى ذلك من التصرفات المنحرفة. فإذا كانت العمارة التقليدية قد استطاعت قد استطاعت في إطارها التاريخي الإسهام في صياغة ثقافة التضامن والتفاعل عبر قواعد تواصلية أنتجت تفاعلات هامة في جهود صيانة الأفراد والمجتمع وتوطيد أركان الأمن بكل أبعاده الدينية والأخلاقية والاجتماعية والمادية وهي عمارة قتلها المد الاستعماري الذي عرقل نموها وتطورها انطلاقا من ثقافة المجتمع وأصالته. عبر أساليب تخريبية تمثلت في نزع الأراضي للأهالي في المجالات القروية وطردهم للسكن في هوامش المدن لقرويتها أو بدويتها فإن آثار هذا المد لم تتحرر منه السياسات السكنية لحد الآن خاصة بعد خلوها من أي بعد ثقافي حضاري. فقد يرفع شعار القضاء على أحياء الصفيح ببدائل لا تنشد استئصال مدن الصفيح بمعناها الثقافي المتجلي في الأمية الصحية والعلائقية ومعناها البيئي المتمثل في ضيق الفضاء المنزلي واكتضاض ساكنته. فسياسة السكن الاجتماعي عبارة عن سجون مفتوحة تحتوي على زنازن مرقمة ومؤدى عنها ومراقبة لكنها غير متواصلة.
وهي تجربة فاشلة في العديد من البلدان الأوربية كفرنسا التي أقلعت عن هذا الصنف من العمارة. نظرا لما يجره من ويلات صحية وأمنية وبيئية، فالمسكن الذي يسكنه الطفل أو الناشئ إذا كان مسكنا غير صحي ومكتظا أو ضيقا أو عرضة للعوامل الحيوية المختلفة أو غير متصل بفضاء يتسع للعب، وممارسة الهوايات الخاصة أثناء الوقت الحر. أو إذا كانت المنطقة السكنية ذاتها متصلة بمناطق الأوراش أو المصانع أو المناطق الملوثة أو الخربة المهجورة كل ذلك من شأنه أن يجعل البيئة غير صالحة لنمو الأطفال والناشئين. وكل السكان نموا سليما من التشنجات والاضطرابات والتصرفات الانحرافية.
وسواء أكانت هته الفضاءات السكنية المتواضعة أو الراقية فإن التقليد الاجتماعي لبعض المظاهر السلوكية يصبح سهل الاقتباس خاصة عندما تسيطر قيم الاستهلاك التفاخري التي أصبحت سائدة بشكل فضيع يعمق النزعة التملكية في الفرد ويبعده عن كينونته. فإن كل شيء يصبح سهل الاقتباس ويعد السبيل نحو كل الاحتمالات، وبمرور الأيام يجد الطفل أو الناشئ أو حتى الشخص الراشد نفسه مفتقرا لكل الجوانب المضيئة في الحياة بشكل حضاري. فاقد لكل اختمار معرفي أو رصيد أخلاقي يحصنه ضد الإحساس بالحرمان، ويسانده في الانتصار عليه بشكل إيجابي.
وعليه فالحي السكني والمسكن بغض النظر عن شكله أو اتساع مساحته أو ضيقها يعتبران من أهم مصادر تربية الشخص وتزويده بالقيم والاتجاهات والعادات والمعايير السلوكية.
لكن ما يجب التأكيد عليه في آخر هذا المحور هو أن الوسط الفقير ليس سبب مباشر في صياغة التصرف الانحرافي لأنه ليس من العيب أن يكون المرء فقيرا ولكن العيب هو أن يرزح تحت نير ثقافة الفقر التي تهيمن على كل مكونات التنشئة الاجتماعية وكذا البرامج الاقتصادية والسياسات المالية داخل مجتمعه.
فمن السهل القضاء على الفقر لكن من الصعب اقتلاع ثقافة الفقر التي أصبحت متحكمة في البرامج السياسية والاقتصادية والتربوية الدولية والوطنية والتي حولها أصحاب تلك البرامج إلى جزء رئيسي من تدخلاتهم لبناء استراتيجية الهيمنة والاستبداد. في العالم وفي الوطن العربي على الخصوص حيث يلاحظ المتتبع مدى اتساع نطاق المستسلمين والخاضعين والمتملقين والمنبطحين والانتهازيين والمرتشين والمفسدين وتقلص فئات المناضلين المكافحين ضد الفقر والتخلف الممنهج الذي تعتمده سياسات دسترة وتنمية الاستبداد بكل وسائلها الرسمية والحزبية والجمعوية والادعائية كما هو حال المغرب. فقد تكون ثقافة الفقر وسياسة تنمية التخلف صانعا رئيسيا للتصرف الانحرافي. لكن الفقر المادي الذي يواجه بالنفوس الغنية بكرامتها القوية على تطوير معارفها وتوطين التقنيات والعلوم من أجل النهوض بمجتمعاتها على قاعدة المقاومة المستمرة لثقافة التفقير والتيئيس بغرض الإخضاع والتركيع لغير الله... لم ولن يكون سببا في إنتاج التصرف الانحرافي.
لكن الحي السكني الذي يتم تشييده وفق عقلية تشييئ الإنسان وإفراغه من إنسانيته التي قد تحول دون تحقيق الربح المادي الذي تنشده السياسة السكنية وما تعرفه من مضاربات في البلاد العربية. هو فضاء غير قادر على احتضان ساكنيه وتحفيزهم على التواصل والتفاعل الإيجابي والتضامن. لأنه يوجد على شكل علب صغيرة تتراوح مساحاتها ما بين 60 و70 متر مربع لفائدة أسر تتألف من ستة أفراد إلى 10 في الأدنى. أو في شكل فيلات شاسعة تفوق مساحتها 1500 متر مربع لأسرة لا يفوق عدد أعضائها ستة، وإذا كانت هذه الأحياء الأخيرة تضم بعض الميسورين وكثيرا من سارقي وضعياتهم الاجتماعية والاقتصادية. فإن التصرف الانحرافي الذي تنتجه هذه الأحياء غالبا ما يكون أشد تعقيدا من الناحية النفسية والتربوية. حيث تدل الأبحاث أن الشذوذ الجنسي وتناول المخدرات باهضة الثمن وزنى المحارم لدى الأطفال والناشئين. ثم استغلال النفوذ والارتشاء واختلاس المال العام... هي التصرفات الغالبة داخل هذه الأوساط أما في الأحياء التي يغلب فيها البشر فتدل الدراسات على أن أغلب التصرفات الانحرافية داخلها تتسم بالعنف والسرقة البسيطة وتناول المخدرات والتشرد والتسول.
من خلال ما تقدم يتبين بأن الحي السكني الغير مجهز بالمرافق والبنيات الاجتماعية سواء كان من الأحياء الراقية أو المسماة بالسكن الاجتماعي يشكل دائما مصدرا من مصادر صناعة التصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين بسبب غياب التأطير المطلوب تأمينه من لدن الهيئات المحلية اعتمادا على السكان في سياق تنموي وحضاري متجدد ومتوازن.
الإعلام وإشكالية التصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين
لا ريب في كون الإعلام بكل وسائله المختلفة وما طالها من تطور تيكنولوجي يمثل أهمية كبرى داخل المجتمعات المعاصرة.
وخاصة الإعلام المرئي إعلام الصورة التي قال عنها \"بجيس دوبريه\" في كتابه حياة الصورة وموتها باسطا رأي أحد المهندسين المعماريين وهو ليون باتستا البرتي : \"على المصابين بحمى كبرى أن يتأملوا رسومات تمثل المنابع والأنهار والشلالات. فلذلك فضل على صحتهم. وإذا ما أصاب الأرق أحدا يوما فليتأمل ينابيع الماء فسيصبح النوم يسيرا عليه\". وقد ثبت بشكل متجدد بأن المرء يحتاج إلى العديد من المثيرات الحسية على نحو دائم. فالمخ لا يعمل من دونها وأن أكثر المثيرات تأثيرا على المخ هي المثيرات المرئية التي تشكل 80% وربما أكثر من الانطباعات الحسية التي تستعمل للحصول على المعطيات عن البيئة هي مدخلات وانطباعات بصرية حسب دراسة Lester PM. Visual communication Images and Messages.
ولقد ساهم ويساهم الإعلام عامة والإعلام البصري خاصة، في عمليات التربية والتعليم موظفا التحول التكنولوجي التي تعتمد الفيديو والسينما وأجهزة عرض البيانات Data Show والأنترنيت... وعبر شاشات التلفزيون كما كانت له أدوار مهمة في توسيع الحوار بين المجتمعات والشعوب والجماعات والأفراد. وأدوار أخرى في عمليات التسويق بالإضافة إلى تأطيره لبرامج الاستجمام والترفيه خلال الأوقات الحرة التي تعد متاحة لدى الجميع وفق وثيرة زمنية موحدة...
إلا أن هذه المساهمات لم تخلوا من سلبيات وصفها بعض الباحثين بعمليات تزييف الوعي وإخفاء الحقيقة و استثبات السطحية والوقتية والأمور العابرة على حساب الكينونة والحقيقة والجوهر. ومن بين هؤلاء السوسيولوجي الفرنسي المتميز \"بيير بورديو\" وضع تحليلا للندوات التلفزية التي تنظمها قنوات التلفزيون واصفا إياها بأنها تبدو حرة لكنها ليست كذلك. حيث تدخل عمليات الرقابة المنظمة ومصادرة حق الكلام بالإضافة إلى ما يحدث من ريادة التنافس بين قنوات التلفزيون والمصورين الصحفيين سعيا وراء السبق الإعلامي وأحيانا على حساب القيم والأخلاق... وقد اعتبر بعض الباحثين أن للإعلام المرئي مسؤولية معنوية إزاء ارتفاع الجرائم وعن تدهور مستوى التربية والتعليم بسبب غزوه الكبير لكل البيوت والمحلات وهيمنة منتوجه على تأطير خبرات الأطفال والناشئين اليومية. وقد لا يتسع المجال للتعمق في الأهمية المجتمعية للإعلام يقتصر الحديث في هذا الجانب عن الإعلام كأداة للتربية والتثقيف والتأهيل والترفيه وهي أداة تلعب دورا مهما يفترض أن يكون إيجابيا في هذا المجال إزاء الأطفال والناشئين على الخصوص. فأمكنة الأنترنيت ودكاكين الأقراص المضغوطة والأشرطة الصوتية والمرئية قد أصبحت متاحة للعموم داخل الأحياء والشوارع ولا يحتاج فتحها لأي شرط ويسهل بواسطتها الاستماع أو المشاهدة لأي عمل إعلامي بمجرد الضغط على زر التشغيل. والصحيفة أو المجلة يمكن قراءتها بعد الحصول عليها من زقاق الحي أو المدرسة أو الخزانة إلا أن هيمنة الإعلام المرئي قد ساهم في الحد من قدرات القراءة نظرا للتطور التكنولوجي المذهل الذي مكن المشاهد من مشاهدة أية محطة بث من أي بقعة من العالم، هذه الوسائل الإعلامية وما تتميز به من سهولة الحصول على فرصة التلقي، تظل من أخطر العوامل التي قد تسهم في صياغة التصرف المنحرف لدى الأطفال...
إن التأثير الذي ينبعث من وسائل الإعلام في الراهن المعيش يمكن أن يكون له مردود إيجابي ونافع. والعكس صحيح. فعندما تنشر الصحيفة الأخبار المشبوهة والقصص التافهة غير ذات المضمون الإنساني، قد تثير دوافع غير المحصنين نفسيا ومعرفيا وأخلاقيا وخاصة الأطفال والناشئين إلى تمثل المواقف والمغامرات الهشة في حياتهم اليومية. إن الطفل أو الناشئ المشحون بشحنات الإيحاء المنبعثة من المواقف المثيرة، قد لا تمكنه مقاومة ما بداخله وذلك لقلة تجاربه وعدم رجاحة عقله، وقصور تقديره للنتائج المترتبة عن تصرفاته، ويزداد تأثير الأعمال الإعلامية حينما نتصور حوادث الإجرام. وكأنها قصص بطولية، إن الأفلام والمسلسلات الرخيصة المبتذلة تؤثر في بعض الأطفال والناشئين وتساهم في رسم النماذج لمخططات حياتهم وتصرفاتهم وتعطيهم إحساسا خفيا بأن هناك طريقة أخرى للحياة خلافا لطريقة الكسب المشروع وأن حياة الانحراف والجنوح مليئة بمظاهر الشجاعة والبطولة والذكاء.
فلا خلاف في أن الإعلام المرئي بالخصوص يخلق وضعا نفسيا خاصا يختلف من شخص إلى آخر. ومرد هذا الاختلاف هو درجة التحصين لدى الفرد. فالطفل أو الناشئ الذي يعيش تنشئة اجتماعية سوية. فالتأثير عليه من أجهزة الإعلام لد مردود إيجابي وإمكانية تأثره بالمنتوج الإعلامي الرديء ضعيفة إلى حد كبير، بيد أن الطفل الذي يعيش ظروفا اجتماعية صعبة غير مريحة فدرجة التأثير غير المرغوب فيه تعمل في وجدانه بطريقة سيئة وبالتالي سيكون المردود سلبيا و من هنا احتمال كل عوامل الإقدام على التصرف الانحرافي.
ويستفاد من الدراسات الميدانية التي قام بها الباحث متتبعا لحالة التصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين خلال أكثر من خمسة عشر سنة بأن للإعلام المرئي درجة تأثير كبيرة في صياغة التصرف المنحرف لدى الأطفال والناشئين المحالين على مراكز حماية الطفولة والأجنحة الإصلاحية التابعة لإدارة السجون. وقد ظهرت أحدث الدراسات التي أجراها الباحث حول علاقة الإعلام المرئي بالتصرف المنحرف لدى الأطفال والناشئين النتائج التالية :
49 % من المبحوثين ساهمت أفلام العنف والرعب في تكوين الرغبة لديهم في حمل السلاح البيض واختيار العنف كوسيلة لحل كل ما يعترضه من مشاكل مع الغير.
28% من المبحوثين استنهلوا أساليب السرقة من خلال الأفلام المسماة بالبوليسية.
21% استفادوا من الإعلام المرئي في كيفيات إخفاء آثار تصرفاتهم المنحرفة.
12% قاموا بتقليد ممثل يقترف تصرفا إجراميا في شريط سينمائي عرض على شاشة التلفزة.
45% أوحى إليهم التلفزيون بفكرة كسب المال بصورة سهلة.
26% أوحت إليهم بالممارسات الجنسية الشاذة والدعارة والاغتصاب.
لكن رغم هذه التأثيرات السلبية للوضع الإعلامي الراهن على الصعيد العالمي. لا يمكن إنكار أهمية الإعلام الذي حول العالم إلى قرية صغيرة يسهل عبرها التواصل والتفاعل والتضامن بين كل ساكنة المعمور. إلا أن هذا العطاء الحضاري لا يزيح عنه نعت السلاح ذو الحدين. حيث يكون من ناحية أداة للتربية والتعليم والتثقيف والتنمية والتحضر وتيسير سبل التواصل الفعال، وتقريب المسافات الحميمية وإرساء أواصر التضامن بين الأفراد والمجتمعات الإنسانية. أو يكون إذا أسيئ استعماله معولا للهدم وتخريب للإنسان وتشييئه وانحلال القيم والروابط الإنسانية وتعميق التخلف واستتباب الفساد وتهديد الاستقرار الشخصي والجماعي والمجتمعي.
الشرطة ومسؤولية تحصين الأطفال والناشئين ضد التصرف المنحرف: يستفاد من محتوى المادة الثانية عشر من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأطفال أصحاب التصرفات الجانحة. على أن أجهزة الشرطة المتعاملة مع الأطفال سواء على المستوى الوقائي أو العلاجي يجب أن يتلقوا تكوينا وتأهيلا متخصصا يمكنهم من القيام بمهامهم على أحسن وجه. كما ينبغي إنشاء وحدات شرطة خاصة لذلك الغرض في المدارات الحضرية وفي المدن المكتظة بالخصوص.
فالإلحاح على وجوب توفير التأهيل المتخصص لكل المكلفين بإعمال القانون كافة ونظرا لأهمية الشرطة باعتبارها نقطة الاتصال الأولي بهذا الموضوع فإن تصرف أعضاء هذا الجهاز بكيفية تربوية مستثيرة ولائقة من شأنه الإسهام بشكل واسع بتحصين الناشئين ضد التصرفات المنحرفة خاصة إذا تم منح هذا الجهاز قدرا مناسبا من السلطة التقديرية كما تنص المادة السادسة من قواعد بيكين. في جميع مراحل الإجراءات يستطيع من خلالها جهاز الشرطة لعب ادوار وقائية وتنموية بتعاون مع الفعاليات والمؤسسات المدنية داخل المحيط المجتمعي.
فجهاز الشرطة الذي يستطيع تحصين الأطفال والناشئين وكل المجتمع ضد التصرفات المنحرفة هو الذي يستطيع أعضاءه منع الأنشطة المضادة للمجتمع Anti Social Activites بكل الوسائل والأساليب الصالحة لذلك وخاصة المشاركة في الأعمال التي تطهر البيئة من عوامل الانحراف. ومنها محاربة كل مظاهر الفساد وحماية فضاءات استثمار الأوقات الحرة والمشاركة في تأطيرها وتحصين أبواب المدارس والإعداديات والثانويات ضد مروجي المخدرات بواسطة التواصل الفعال بين هذا الجهاز وكافة الفاعلين التربويين والسوسيوتنمويين.
ولتحقيق ذلك يجب إحداث تكوين متخصص داخل فضاءات ت

إرسال لصديق
بواسطة : almushref
 0  0  1.4K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 06:55 صباحًا السبت 29 فبراير 2020.