• ×
  • تسجيل

الإثنين 19 نوفمبر 2018 اخر تحديث : 11-12-2018

قائمة

فتحي حسن محمود الجمل
بواسطة  فتحي حسن محمود الجمل

ثقافة استهلاك أم ثقافة استهلاكية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
هناك خلط كبير من جانب غالبية المتخصصين في علم الاجتماع في استخدامهم لمفهوم ثقافة الاستهلاك والثقافة الاستهلاكية ، فهم يستخدمون ثقافة الاستهلاك علي أنه الثقافة الاستهلاكية وكذلك يستخدامون مفهوم الثقافة الاستهلاكية علي أنها ثقافة الاستهلاك.
فبعد البحث العميق والإبحار في كتابات من تناولوا الاستهلاك في علم الاجتماع، قد اتضح لي هذا الخلط من جانب من تناول هذه أو تلك، حيث من خلال دراستي للماجستير والدكتوراة والتي استمرت قرابة عشر سنوات في مجال الاستهلاك الاقتصادي والاستهلاك الطبي، قد تبين لي أن "ثقافة الاستهلاك" تنبع من المعرفة والوعي.
وهذا يتفق مع تعريف "آمال عبد الرحيم" التي تري أن ثقافة الاستهلاك: هي المعرفة المكتسبة من مصادر مختلفة بخصوص حصول كل فرد في المجتمع على احتياجاته المثلى من السلع والخدمات دون زيادة أو نقصان كل وفقاً لجنسه وعمره ونوع العمل الذي يؤديه على أن يكون ذلك في حدود الموارد المتاحة.()
ويتفق أيضا مع تعريف "بوتقرابت رشيد " التي تري أنها: معرفة الفرد المادة المستهلكة وخصوصيتها وأصل إنتاجها وطريقة استهلاكها وبالتالي الوعي الفردي والاجتماعي بها()
ومن هنا يمكن تعريف "ثقافة الاستهلاك" بأنها "معرفة الفرد ووعيه المكتسب من مصادر مختلفة بالمادة المستهلكة وخصوصيتها وأصل إنتاجها وطرق استخدامها، لإشباع حاجات صحية وبيولوجية واجتماعية وثقافية ونفسية مع مراعاة الجوانب النسبية المرتبطة بالمكان والزمان والإطار القيمى والثقافي الخاص بكل أسرة.
بينما الثقافة الاستهلاكية لا تعني ذلك مطلقا فهي نتاج من الهيمنة والقهر، فالثقافة الاستهلاكيّة تعرف في اللغة: بأنها ثقافة غير متأصِّلة قوامها استعراض المعلومات ().
لذا يري "الجابري" أنها: ثقافة إشهارية إعلامية سمعية وبصرية تصنع الذوق الاستهلاكي، تقدمها العولمة بديلاً من الصراع الأيديولوجي، لاختراق الهوية الثقافية للأفراد والأقوام والأمم وتسطيح الوعي بهدف تكريس نوع معين من الاستهلاك لنوع معين من المعارف والسلع والبضائع().
وبناء عليه، يري "باربر" أنها: ثقافة دارجة كونية تحركها التجارة التوسعية، طابعها الترف، وقالبها أمريكي، وسلعها الصور والمعدات، وهي واقع وهمي خلقته شبكات المعلومات().
لذا يعرفها احمد مجدي حجازي بأنها: نظام معرفي مخطط يهدف إلى تغيير الفكر لتقبل مخرجات السوق والسلع المتداولة فيه، بالاعتماد على وسائل عدة من أهمها المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال والوسائط الإعلامية المسموعة والمرئية إلى جانب دراسة الثقافة والشخصية للجمهور المستهلك().
ويري أنها ثقافة من صنع المجتمعات الغربية الرأسمالية، تم تصنيعها والترويج لها بذكاء تقنى، على قاعدة ثابتة تشير إلى أن الناس في كل مكان قادرون على الاستهلاك، وهى ثقافة خطط لها بوعي وتم دعمها بأساليب متنوعة وبفكر عملي وبعقلانية ربحية ظهرت بوضوح فى توسيع دائرة الإنتاج وتعميم ثقافة التعطش لاقتناء كل ما هو معروض من سلع، وهى ثقافة تحمل رموزا وأفكارا وقيما كفيلة بتبرير وتدعيم النزعة إلى الاستهلاك والرغبة فى البحث - بشغف - عن كل ما هو متداول في الأسواق، فهي تستخدم أساليب متعددة لتحريك الرغبات والطموحات والأحلام وهذا هو السبب الرئيس في تسميتها الثقافة الاستهلاكية().
بينما يعرفها "احمد زايد" بأنها: مجموع المعاني والرموز والصور التي تصاحب العملية الاستهلاكية، بدءا من تبلور الرغبة الاستهلاكية، مرورا بالاستهلاك الفعلي وانتهاء بما بعد الاستهلاك".()
ويؤكد " احمد زايد" أن مفهوم الثقافة الاستهلاكية بهذا المعني يرتبط بمجموعة آخري من المفاهيم مثل النزعة الاستهلاكية: التي تعني تحول معاني ورموز الاستهلاك إلى هدف في حد ذاته، وذلك تحت تأثير الانتشار السريع لثقافة الاستهلاك وتحولها من خلال وسائل الاتصال الجماهيري إلى ثقافة جماهيرية، ومن هذه المفاهيم أيضا مفهوم أسلوب الحياة الذي يشير إلى أنماط محددة وواعية من التفضيلات تميز السلوك الاستهلاكي وتضفي عليه طابعا أسلوبيا متميزا، ومن هذه المفاهيم مفهوم رموز الاستهلاك والتي تشير إلى تحول الاستهلاك إلى لغة أشبه بلغة الحياة اليومية يخاطب بها الأفراد بعضهم البعض ويكونون من خلالها رصيدا رمزيا يحدد مكانة الأفراد ونطاق تفاعلهم. ومن هذه المفاهيم أيضا مفهوم استهلاك الصور حيث يرتبط استهلاك سلعة معينة بصورة ذهنية معينة تلتصق بهذه السلعة من خلال أسلوب العرض أو تكرار الدعاية والإعلان عن هذه السلعة. ()
وترتبط هذه المفاهيم ترابطا وثيقا في بوتقة واحدة هي بوتقة الثقافة الاستهلاكية، فالنزعة الاستهلاكية أقرب إلى الثقافة الجماهيرية التي تتسرب إلى الأفراد من خلال وسائل الاتصال، ولذلك فإن عملها وتأثيرها سابق على كل استهلاك، أما أسلوب الحياة الاستهلاكي فإنه يشير إلى الاستهلاك كما هو قائم بالفعل، أما رموز الاستهلاك ووظائفه فتأتي بعد أن يكون الاستهلاك قد تم بالفعل ليحقق أهدافه الاجتماعية والثقافية، لذا يعد التحديد الإجرائي لهذا المفهوم أمر صعب؛ وذلك لأنه أكثر ارتباطاً بالبناء الداخلي للأفراد().
ويعرف "سعيد المصري "الثقافة الاستهلاكية بأنها: هي كافة المعاني والرموز والتصورات الدافعة للاستهلاك، والمصاحبة للاستهلاك من خلال تمثلها في وعي المستهلكين وإدراكهم لأنفسهم وعلاقتهم بغيرهم، وكذلك المعاني والرموز والصور العالقة بأذهان الناس عقب الاستهلاك، وخصوصا فيما يتعلق بارتباط السلع بالمكانة"().
فهي ليست ثقافة تحمل مظاهر ثقافات الشعوب التقليدية من قيم واعتقادات وفنون، بل تعني بالدرجة الأولي الجوانب الغريزية بالإنسان وبالمظاهر والكماليات والشكلية التي تحدد قيمة الإنسان بمقدار ما يقتنيه من أشياء مادية أو معنوية، فهي تعمل علي تحويل جميع مظاهر الثقافة الإنسانية إلي سلع استهلاكية.
وبناءً عليه تعرف "سماح حسين" الثقافة الاستهلاكية بأنها عملية إهلاك القيمة الاستعمالية، وتتجلي إما بصورة تجديد أو تحوير المادة الاستهلاكية لأشكال جديدة ومغرية للاستهلاك في إطار عملية الإنتاج، أو شكل إهلاك محض بفعل الاستعمال لحظة التملك بهدف تلبية الحاجات أو شراء شيء أو خدمة ما واستعمالها.()
علي حين يري "فيرونيك أبو غزاله" أن الثقافة الاستهلاكية هي: ثقافة مادية تركزّ على استهلاك السلع بشكل مُسرِف وتجعل من الاستهلاك نشاط يطغى على كلّ الأنشطة الأخرى في الحياة. ()
وهذا ما ذهب إليه " Baker " حيث رأي أن في ظل الأنشطة التسويقية تحولت الثقافة إلي سلعة من خلال الإعلان والموضة وشعائر أو طقوس المستهلك، حيث تُحرك بضائع المستهلك من خلال الإعلان والموضة، وتُحرك معاني الاستهلاك من خلال طقوس المستهلك.() التي اخترعها رجال التسويق من أجل نقل المعاني الثقافية الهامة من المنتجات إلي المستهلك مثل: تطوير بعض محلات الملابس التسويق المعقد وطقوس المشتري لزبائنهم الأثرياء، وذلك بالعرض في غرفة خاصة وتقديم القهوة، وعرض مجموعة خاصة من الأزياء عند تناول العشاء في مطعم جيد، يشارك الناس في طقوس عدة لنقل معاني معينة، مثل جلوسهم بجوار الجرسون أو التحدث مع مقدمي الخمور واستخدام الفضيات والأكواب المختلفة وتناولهم كل طبق علي حدة.()
والملاحظ للتعريفات السابقة يجدها قد انطلقت في تعريفها للثقافة الاستهلاكية من وجهة نظر"Parrillo" القائلة بأن تغلغل الرأسمالية في دول العالم الثالث أدي إلي تحولت شخصية الفرد من منتج إلي مستهلك، وأصبح تقييم شخصية الفرد تبعاً للرواج بين الآخرين، وتحولت عملية الإنتاج إلي عملية أعادة الإنتاج - أي تهذيب المنتجات بدلاً من إشباع الحاجات الأساسية - وسعي الإعلان إلي خلق حاجات زائفة لدي الجمهور ليس فقط للبضائع؛ بل للخبرات والإشباع الشخصي.()
وبناء عليه، فقد أوجد انتشار الثقافة الاستهلاكية من مركز النظم الرأسمالية إلى محيطات العالم الثالث أيديولوجية استهلاكية قوامها النظر إلى الاستهلاك كهدف في حد ذاته وربطه بأسلوب الحياة، وبأشكال التميز الاجتماعي، الأمر الذي جعل الناس يتدافعون نحو الاستهلاك بغض النظر عن حاجاتهم الفعلية.
وبالرغم اختلاف وجهات نظر العلماء والباحثين حول تحديد مفهوم الثقافة الاستهلاكية إلا أن "حجازي" () قد حدد أهم ملامح وأهداف هذه الثقافة في أنها:
من صنع قوى تملك الوسائل الدعائية للتأثير والترويج والترغيب.
تخلق جوانب المتعة في الشراء وحب التملك والتعطش إلى التسوق والبحث عن مكانة اجتماعية مفقودة.
تستخدم المعاني والصور والرموز، كالموسيقى والغناء والفيديو كليب، بهدف نشر ثقافة الاستهلاك وإسباغ أسلوب مميز عليها يرسخ النزعة نحو الاستهلاك والرغبة في الشراء، وهى في ذلك تتجاوز الدرس الاقتصادي التقليدي الذي كان يركز على معايير الجودة والثمن كشرطين أساسيين في فهم عمليات الإنتاج والتسويق.
تخدم حضارة السوق والقوى الرأسمالية العملاقة، وتشكل تحديات كبرى ومؤثرا سلبيا على اقتصاديات الدول المعتمدة على استيراد السلع المنتجة في الدول المتقدمة.
تخلق تطلعات ونزعات استهلاكية بلا حدود معتمدة في ذلك على الترغيب والتشويق، وكذا الإجبار والقهر كأساليب تستند على مقولة "محاكاة الغير والرغبة في تقليد الآخر"، وتوظيف الخصوصيات الثقافية الكامنة والراسخة في عادات الشعوب وتقاليدها.
تعمل على تقديم نوع من الإحساس بالتميز والتفوق للمستهلك فيصبح الهدف هو امتلاك السلعة بغض النظر عن الحاجة إليها، وتدريجيا يتعود المستهلك على متابعة حركة السوق والرغبة فى الشراء ويبحث عن أقصر الطرق للحصول على كل ما هو جديد من سلع معروضة أو معلن عن طرحها في الأسواق فيهرول إليها مما يؤدى إلى إصابته بحالة تشبه الإدمان.
تعمل على تسكين وبقاء المستهلك فى دائرة الاستهلاك والجوع إلى التسوق.
تملك وسائل عدة للضغط، وأساليب متباينة للقهر، مما يجعل المتطلعين إلى الاستهلاك راغبين فيه وباحثين عنه ومتعطشين إليه .
وتأسيساً علي ما سبق، أتفق مع "حجازي" في تعريفه "للثقافة الاستهلاكية" بأنها: "نظام معرفي مخطط يهدف إلى تغيير الفكر لتقبل مخرجات السوق والسلع المتداولة فيه، بالاعتماد على وسائل عدة من أهمها المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال والوسائط الإعلامية المسموعة والمرئية إلى جانب دراسة الثقافة والشخصية للجمهور المستهلك".
خلاصة القول أن ثقافة الاستهلاك تحمل بين طياتها مميزات وعيوب ويمكن تفسير ظواهرها في ضوء نظريات الفعل، بينما الثقافة الاستهلاكية لا تحمل إلا العيوب ويمكن تفسير سطرتها في ضوء نظريات البنية.

والله الموفق.

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  152

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )