• ×
  • تسجيل

الجمعة 21 سبتمبر 2018 اخر تحديث : 09-12-2018

قائمة

د.مشنان فوزي
بواسطة  د.مشنان فوزي

إشكالية التحضر في العالم الثالث

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن إشكالية التحضر في دول العالم الثالث[34]، وما يرتبط بها من إشكالات اقتصادية واجتماعية وثقافية وادراية وسياسية ومجالية... أضحت من بين الإشكالات الكبرى التي تواجه تطبيق الخطط والاستراتيجيات التنموية في هذه الدول.
غير أن خصوصية التحضر بهذه الدول، تجعل من مسألة التنمية الحضرية بل التنمية في معناها العام أمر صعب التحقق نظرا لجسامة الإشكالات التي أضحت تعاني منها المدينة كفضاء وإطار ترابي ومجالي وببنية مورفولوجية مركبة تجمع بين أكبر من خاصية من خصائص التحضر، بحيث لم تتضح بعد وبشكل جلي مميزات وخصائص التحضر والحضرية في مدن دول التبعية، التي تتشكل من فسيفساء من الأنماط الاجتماعية والاقتصادية تجعلك من الصعب عليك التمييز بين ما هو ريفي- قروي وبين ماهو حضري- مديني.
وهذا التداخل راجع بالأساس المدينة أو ظاهرة التحضر في هذه الدول لم تنمو بشكل طبيعي وفق سيرورة تاريخية تخول لها التطور والتقدم بشكل طبيعي، إذ غالبا ما ارتبط تشكلها الحديث بالتوسع الإمبريالي الذي تعرضت له خلال نهاية القرن 19 وبداية القر20، وبتزايد النمو الديمغرافي وارتفاع حركات الهجرة القروية بفعل الكوارث الاقتصادية، والطبيعية التي كانت تتعرض لها البادية وتفكك بنياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أكثر مما ارتبط بتراكمات وسيرورة تقدمية طبيعية عكس الدول الغربية التي كانت فيها الظاهرة الحضرية استجابة للتحولات والتغيرات الاجتماعية والثورات الصناعية والثقافية التي عرفتها أوربا في مسيرتها التاريخية الحديثة. " إن التحضر في الدول الصناعية كانت نتيجة حتمية لعملية تاريخية ذاتية كاستجابة للثورة الصناعية وما صحبها من تحولات عميقة في البنيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. في حين أن التحضر في البلدان المتخلفة كان نتيجة لميكانيزمات أخرى تختلف اختلافا جوهريا عن الشروط التاريخية التي عرفتها البلدان الصناعية. إن التحضر في البلدان المتخلفة ليس إعادة تاريخية لتجربة الدول المصنعة بل عملية لها خصوصياتها التاريخية"[35].
وإذا كانت ظاهرة التحضر هي ظاهرة اجتماعية قديمة في جميع المجتمعات، ومنها دول العالم الثالث فان عدد السكان الحضريين حتى القرن التاسع عشر لم يكونوا يمثلون سوى 1.7% من مجموع السكان، وقد ازدادت هذه النسبة بشكل متسارع جدا، إذ نلاحظ أن سكان العالم قد تضاعفوا مرتين بين 1800 و 1950 في حين أن السكان الحضر قد تضاعفوا عشرين مرة وأصبحوا يمثلون سنة 1960 % 25 من سكان العالم[36].
وإذا كانت أوربا قد عرفت استقرارا نسبيا في النمو الحضري خلال النصف الثاني من القرن19 فإنه على العكس من ذلك ذلك قد عرفت دول العالم الثالث انفجارا حضريا خاصة بعد مرحلة تحررها الوطني من قبضة الاستعمار، وقد ترتب عن التوسع الحضري الفجائي والفوضوي العديد من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، نظرا لكون التحضر في هذه الدول لم يأتي نتيجة للتقدم الصناعي والاقتصادي لسببين أولهما أن هذه البلدان لم تعرف تقدما صناعيا ذاتيا مستقلا، وثانيهما أن التحضر في هذه البلدان يرجع بالأساس الى التدخل الاستعماري الأجنبي الذي عمل على تفكيك البنيات الاجتماعية ولاقتصادية والثقافية لهذه الدول.
" إن التحضر في دول العالم الثالث يتم بعيدا عن التقدم التكنولوجي والاقتصادي وتؤكد بعض الدراسات الغربية الأمريكية بصفة خاصة، أن النمو السكاني والحضري يسير في اتجاه معاكس مع النمو التكنولوجي، إن الارتباط بينهما سلبي"[37]
ومن أهم خصائص التحضر في الدول التابعة للميتروبولات الغربية، أنه جاء نتيجة عاملين أساسيين: هما ارتفاع نسبة النمو الديمغرافي في هذه البلدان ثم ارتفاع حركة الهجرة القروية نحو المدن، غير أن هذين العملين يبقيان قاصرين على تفسير الظاهرة الحضرية في هذه الدول، إن لم نأخذ بعين الاعتبار موقع هذه الدول داخل نمط الإنتاج الرأسمالي حسب امانويل كاستيلز الذي يؤكد على أن هذه الظاهرة ليست ذاتية وجاءت نتيجة لنمو وتقدم تاريخي طبيعي تراكمي طبيعي، بل ان ظاهرة التحضر والتخلف والتبعية والفقر... في هذه البلدان ذات الكثافة السكانية المرتفعة جاءت نتيجة حتمية للعلاقة اللامتكافئة بينها وبين الدول الاستعمارية التي استفادت من هاته العلاقات وعملت على ترسيخ التخلف وتشويه سيرورة التقدم التاريخي في هذه المجتمعات التي ظلت قابعة لفترات طويلة تحت نير الاستعمار، كما عملت على تفكيك بنياتها التقليدية ونشر نمط انتاجي رأسمالي ليست هس في عداد قواه ولا تتوفر على الشروط التاريخية لاستيعابه وبالنتالي انتشرت في هذه البلدان أنماط انتاجية هجينية تتميز بالازدواجية بين نمط انتاجي رأسمالي حديث ونمط انتاجي تقليدي. هذ ه الازدواجية لم تسمح لهذه البلدان لكي تحقق قفزة نوعية في تاريخها من أجل الخروج من التخلف والتبعية لدول المركز.
ومن المظاهر الأخرى للتحضر في الدول التبعية، فهو أنها تعرف ما يسمى بالتحضر المتسارع كخاصية تاريخية مرتبطة بها، الذي يعبر عن جدلية تلك العلاقة اللامتكافئة والهيمنة الممارسة على دول المحيط من طرف دو المركز، ويصنف كاستيلز الهيمنة هاته الى ثلاث أصناف:
الهيمنة الاستعمارية.
الهيمنة الرأسمالية التجارية.
الهيمنة الامبيرالية والصناعية.
وتتخذ التبعية هاته أشكال متعددة على المستوى العالمي بين دول المركز ودول المحيط وعلى المستوى المحلي بين القرية والمدينة، هذه الأخيرة تمارس كل أشكال الهيمنة والسلطة والإغراء على البادية، التي تصبح بسبب علاقاتها اللامتكافئة مع المدينة خاضعة لسيطرة والاستغلال وفاقدة بالتالي لخيراتها وثرواتها ورأسمالها البشري لصالح المدينة التي تستفيد منه دون الاستثمار في العالم القروي.
وهكذا يمكن القول بأن التحضر السريع والفجائي الذي عرفته بلدان التبعية قد ترتب عنه جملة من المشاكل والظواهر الاجتماعية كاكتظاظ السكان، والمدن الصفيحية، السكن العشوائي (غير قانوني) الأمراض، الأوبئة، البطالة....
وغيرها كثير من الظواهر الاجتماعية التي أصبحت معرقلا حقيقيا للتنمية والتحديث في دول التبعية .

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  197

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )