• ×
  • تسجيل

الإثنين 19 نوفمبر 2018 اخر تحديث : 11-12-2018

قائمة

د.مشنان فوزي
بواسطة  د.مشنان فوزي

التحضر المجتمعي ودوره في إنتاج الوعي المدني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
التحضر المجتمعي ودوره في إنتاج الوعي المدني
د. عمر امحمد البنداق



التحضر المجتمعي ودوره في إنتاج الوعي المدني
مقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدمة
شكل التحضر بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإيكولوجية اهتمام الدارسين والباحثين في عدة تخصصات، الأمر الذي أدى الى تعدد الأطر النظرية والمعرفية وكذا المنهجية وخاصة في مجال الدراسات الحضرية، ويعد التحضر عملية ملازمة للتحول الحضري والوعي المدني وما صاحبه من تشرب وانتشار للأنشطة الثقافية والاقتصادية والتجارية والصناعية. ونال التحضر أهمية خاصة عند بعض السوسيولوجيين والإنثروبولوجيين، وبالتالي تعددت تصوراته وبرزت مظاهره ويستطيع الانسان العادي ان يرصد مظاهره ومشكلاته المختلفة، ومن هذا المنطلق تناولت الورقة ظاهرة التحضر من المنظور النظري، وقد حرصت على استعراض مفاهيم التحضر ذات العلاقة بمسألة الوعي المجتمعي.

دراسة التحضر المجتمعي تستلزم معرفة بالمفاهيم المتنوعة، وبيان أهميتها في مسألة الوعي الذى يؤدي الى انتشار ظاهرة الحراك المعرفي؛ ومن أجل ذلك تناقش الورقة التحضر من المنظور النظري والتطبيقي وربطهما بإنتاج وتراكم المعرفة. إن ندرة الكتابات العربية التي تربط التحضر المجتمعي بالوعي المدني أمر دفعني الى كتابة هذه الورقة؛ لذا وجب القيام بمثل هذا البحث لإعطاء صورة عامة عن المجتمع الحضري من المنظور الخلدوني حيث إن أغلب الدراسات الحضرية في الوقت الحاضر تركز على التحضر من منظور الفكر الغربي، حيث كتب الكثير من العلماء والباحثين وبلغات متعددة عن مساهمات ابن خلدون في سوسيولوجية الحضر، ولاتزال حتى الآن تظهر من حين الى آخر دراسات حول مدى مطابقة أفكاره الحضرية مع الحياة المعاصرة، وما كتب عن تأثيره في ميدان علم الاجتماع الحضري متفرق بين عدد من الورقات البحثية، وهى مجرد اشارات دون اختبارها على الواقع في زمننا المعاصر. فالمقدمة تناولت الحضر كنمط مجتمعي مقابل لحياة البدو، وقد اتصفت نظرته الى الحياة الحضرية بالشمولية.

التحضر المجتمعي من المنظور النظري:
شهدت العقود الماضية بروز مساهمات في مجال الأطر النظرية للتحضر المجتمعي؛ حيث نال التحضر اهتماماً لدى مختلف الباحثين وخاصة في مجالات الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع والجغرافيا الخ..، وبالتالي تعددت مفاهيمه ومؤشراته. وعلى الرغم من ان التحضر زادت سرعته الآن لارتباطه بالعولمة، إلا أنه ظاهرة اجتماعية قديمة قدم الثورة الصناعية في بريطانيا والثورة الثقافية في فرنسا. وللتحضر مردودات وانعكاسات متداخلة ومؤثرة في بعضها البعض سواء على مستوى الفرد أو الجماعة وخاصة في المراكز الحضرية التي تعتبر من أهم الأماكن التي تستغل تأثيرات التحضر، بل إن مظاهر التحضر عامة تظهر ديمومتها نتيجة توفر آليات الوعي المعرفي.

للتحضر مفاهيم متعددة، وقد ورد في لسان العرب: أن مفهوم التحضر مأخوذ من لفظ يقصد به التواجد والحضور الدائم والاستقرار والاقامة في المدن او القرى وهذا خلاف للبداوة التي تركن دائما للحركة والتنقل بحسب توفر مكان الرزق التي فيه غالبا الماء والعشب (ابن منظور: 659). أما في منجد اللغة والعلوم والآداب فإن مفهوم التحضر أشتق من كلمة حضر ويقصد بها الاستدامة في الاستقرار في مكان واحد (المنجد:13). أما عند ابن خلدون فقد برز في فلسفته ونظرياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولاتزال تظهر الكتابات والدراسات من حين الى آخر حول آرائه ونظرياته. وقد تمحورت أفكار ابن خلدون في رؤى يمكن ان نطلق عليها النظرية الحضرية التي بينت خصائص الحضر، ويمكننا ان نتناولها بشيء من التحليل السوسيولوجي والمقاربة وربطها بواقع المجتمعات الحضرية في زمننا المعاصر. وفي ظل تزايد الاهتمام بالبحث الحضري، يبدو من المناسب تناول خصائص الحضر كما يصورها العلامة العربي ابن خلدون.

المجتمع الحضري المعاصر مجتمع قائم على الروابط الاجتماعية النفعية، حيث يحرص الأفراد على تبادل المصالح المادية، والتخلي أو عدم التمسك بظواهر المجتمع التقليدية، واحلال محلها ظواهر أخرى. ويتوقع أن تضيف عملية استحضار مساهمة ابن خلدون مهما لفهم طبيعة المجتمع الحضري والوقوف على واقعه. أما تستال Tisdale فيري ان التحضر عملية تركيز سكاني يقوم على تعدد نقاط المراكز الحضرية من ناحية وزيادة حجم المراكز الفردية من ناحية أخرى (Tisdale 1940: 331-332)، غير أن كاربنتر وكوين (Carpenter and Queen) أكدا على صعوبة تحديد مفهوم التحضر باعتباره مستحدث في كثير من الدراسات الحضرية وتعددت استعمالاته، ومن ثم نجد أن مفهوم الحضرية يختلف عن التحضر حيث يشير هذا الأخير الى ظاهرة سكان المدينة (كوين وكاربنتر1953: 29). وأما لنسون Linson فيرى أن التحضر عملية ونتيجة في آن واحد ويمثل عملية من عمليات التغير الاجتماعي، يتم من خلالها انتقال سكان الارياف الى المدن والعيش فيها (Linson، 1969: 37). وأما أرفن Irivin يرى ان التحضر عملية يمتد تأثيرها الى تحويل سكان الريف ذوي النزعة القبلية إلى أنماط حضرية، من خلال التغير الثقافي الذى يتضمن تغيراً في القيم والاتجاهات والمواقف والتصرف تجاه المهاجرين نحو التوافق والانسياق مع الانماط الحضرية المحلية (Irivin 1980: 2). ويعرف التحضر على أنه اتجاه عام نحو الاقامة في المراكز الحضرية، والعمل على تعميرها وتوسيع نطاقها الحضري.. وهذا المفهوم سائد على المستوى العالمي وليس قاصراً على مستوى منطقة دون غيرها، رغم التفاوت الواضح بين مناطقها من حيث التباين في الدرجة أو المستوى (الكردي، 1986: 30.) ويعرف التحضر بأنه الانتقال من الحياة الريفية الى المدن للعيش فيها، ويكون هذا الانتقال بسبب الهجرة، وتتطلب من الفرد أو الجماعة التكيف مع المنظومة الاجتماعية المتمثلة في القيم والثقافة السائدة في مجتمع المدينة، وقد ينتج عن حالة سوء التكيف تدهور الوضع المادي والمعنوي وقد يترتب عليه العودة الى القرية (غيث، 1989: 499). بينما ولتر بمجامين Walter Bemjamin يشير الى ان حياة الحضر ماهي الا تفاعل بين الذكريات الشخصية والخبرة وتتعلق بهيمنة القيم.

إن المتفحص لهذه التعاريف يدرك تماماً أنها تثير الكثير من القضايا بعضها يتعلق بمصدر المعرفة وأخرى تختص بنوعية الثقافة وأشكالها، وثالثة تثير قضية العلاقة بين الحضر والواقع، وتجد اطروحة ابن خلدون حيزاً كبيراً لها من جهة ارتباطها بالواقع بالرغم من المسافة التاريخية الطويلة، ويمكن تطبيقها على حياة الناس في زمننا الحاضر.

ان مقدمة ابن خلدون تناولت أهل الحضر بالتحليل والمناقشة وهى في الواقع تنتمي الى نمط مجتمعي معين يحمل سمات الطابع الحضري، وهو نمط المدينة العربية الاسلامية في العصور الوسطى. ويعالج موضوعات سوسيولوجية مختلفة كالقرابة والدين بمنظور تحليلي متكامل، ودراسته للعصبية وعلاقتها العضوية بالنسق السياسي تدخل في مجال علم الاجتماع الحضري.

إن كتاب ابن خلدون " العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" قد نال شهرة كبيرة وواسعة؛ بسبب مقدمته الرئيسة وعنوانها: "في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان، والكسب والمعاش والمصانع والعلوم، وما لذلك من العلل والأسباب" وتعتبر هذه المقدمة عملاً أصيلاً في تسجيل الحياة الاجتماعية لمجتمعات المغرب العربي، ولا سيما العادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب بعض المحاولات النظرية لتفسير كل ما رآه من أنظمة اجتماعية مختلفة. وقد شكلت موضوعات هذه المقدمة - فيما بعد - اهتماماً رئيسياً في الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المستشرق نبيل دي فرجيه نشر مقتطفات من كتاب ابن خلدون سنة 1841. أما مقدمة ابن خلدون فقد ظهرت في باريس في ثلاثة مجلدات أصدرها المستشرق كاترجير سنة 1858 (عنان،: 188).

كتب ابن خلدون عن الواقع العربي الإسلامي بمنظور أنثروبولوجي وسوسيولوجي، واستنتج أطروحاته في علم العمران البشري مستفيداً من سلسلة تطور المعارف في عصره، فضلاً عن ظروف ذلك العصر. فمقدمة ابن خلدون تتناول مجتمعات تقليدية ومجتمعات حضرية، ويعالج ابن خلدون القرابة والسياسة والدين معالجة أنثروبولوجية بمنظور كلى شمولي، ومن بين أهم الموضوعات التي تناولها ابن خلدون في مقدمته، والتي لها صلة باهتمامات الأنثروبولوجيا، العلاقة بين البيئة الجغرافية والظواهر الاجتماعية. فقد رد ابن خلدون اختلاف البشر في ألوانهم وأمزجتهم النفسية وصفاتهم الجسمية والخلَقية إلى البيئة الجغرافية التي اعتبرها أيضاً عاملاً هاماً في تحديد المستوى الحضاري للمجتمعات الإنسانية (ابن خلدون ج1، 1966: 291). كما تناول ابن خلدون في مقدمته أيضاً مسألة قيام الدول وتطورها وأحوالها، وبلور نظرية (دورة العمران) بين البداوة والحضارة على أساس المماثلة بين حياة الجماعة البشرية وحياة الكائن الحي. وكان لهذه الفكرة أصداء واسعة عند علماء السوسيولوجيا سواء في الشرق أو في الغرب خلال العصور الوسطى. حيث اعتبر ابن خلدون أن التطور هو سنة الحياة الاجتماعية، وهو الأساس الذي تستند إليه دراسة الظواهر الاجتماعية. يقول ابن خلدون في ذلك: "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم، لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، وإنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول (ابن خلدون 1966: 252). فعمر الدول عند ابن خلدون كعمر الكائن البشري، تبدأ بالولادة وتنمو إلى الشباب والنضج والكمال، ثم تكبر وتهرم وتتلاشى إلى الزوال. وان التطور هو سنة الحياة، لكن النظريتين الماركسية والدارونية تختلفان في أن التطور لا ينتهى إلى التدهور كما جاء في نظرية ابن خلدون. سنة الحياة في الماركسية والدارونية أن التطور والنشوء دائما يمضيان قدماً برغم ما قد يعترضه من عقبات، والتدهور عند هاتين النظريتين هو مرحلي تعقبه مواصلة التطور في الماركسية والنشوء في نظرية داروين.

أن الأطر النظرية للتحضر تعد قديمة قدم علم العمران البشري فالعلامة "ابن خلدون " في القرن الرابع عشر حدد بعض خصائص اهل الحضر كما يلي:-
1 - التفنن في اساليب الحياة بقوله "واستكثروا من القوت، والملابس، والتأنق فيها، وتوسعت البيوت، واختطاط المدن، والأمصار للتحضر ثم تزيد أحوال الرفاه والدعة فتجني عوائد الترف البالغة مبلغها في التأنق في علاج القوت، واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك، ومغالاة البيوت والصروح وإحكام وصفها في تنجيدها، والانتهاء في الصنائع، والخروج من القوة إلي الفصل إلي غايتها فيتخذون القصور، والمنازل، ويجرون فيها المياه، ويعالون في صرحها، ويبالغون في تنجيدها، ويختلفون في استجادة ما يتخذنه لمعاشهم من ملبوس وفراش أو أنية أو ماعون وهؤلاء هم الحضر. ومن هؤلاء ينتحل في معاشه الصنائع ومنهم من ينتحل التجارة (ابن خلدون 1984: 120).

وللمقاربة السوسيولوجية مع الواقع الراهن نلاحظ التفنن في الزخرفة والنقش بأبهة وابداع وخاصة في دور العبادة، فأهل الحضر يتفننون في مبانيهم السكنية، فالمبنى السكني يضفي على الانسان قيما حضرية مادية في ثقافة مجتمعاتنا المعاصرة.

2 - اعتماد الحضر على الحاجيات الكمالية أكثر من الضرورية، وميل الحضر إلى السكون والرعاية (إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش، وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفقة دعاهم ذلك إلى السكون والدعة، وتعانوا في الزائد على الضرورة.

3 - اعتناء أهل الحضر بحاجات الترف والكمال في حياتهم (إن الحضر معتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم ولا شك أن الضروري أقدم على الحاجي والكمالي وسابق عليه، لأن الضروري أصل والكمالي فرع ناشئ عنه.

4 - فقدان وازع الحشمة بين أفراد الحضر بقوله: ”لقد ذهبت عن الحضر مذاهب الحشمة في أحوالهم فنجد الكثير منهم يفزعون في أقوالهم الفحشاء في مجالسهم وبين كبائرهم وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولاً وعملاً (مقدمة ابن خلدون: 215 ). وانطلاقا من أراء ابن خلدون في هذا الموضوع يتبين لنا تماما أنها تنطبق تماماً مع الصفات المعاصرة لدى الحضر وخاصة في المجالس النسائية.

5 - توكيل الدفاع لمن يحكمهم (والسبب في ذلك أهل الحضر القوا جنبوهم على مهاد الراحة والدعة انغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيئة ولا ينفر لهم صيد، فهم قارون آمنون قد القوا السلاح (مقدمة ابن خلدون: 218 ).

6 - يميل اهل الحضر إلى الاستقرار الاستيطاني ومراعاته صحيا وجغرافيا (أن المدن قرار تتخذه الأمم عند حصول الغاية المطلوبة من الترف ودواعيه فتؤثر الدعة والسكون وتتوجه إلى اتخاذ المنازل للقرار ولما كان ذلك للقرار والمأوى ويجب أن يراعى فيه دفع المضار بالحماية من طوارقها وجلب المنافع وتسهيل المرافق لها فأما الحماية من المضار فيراعى لها أن يدار على منازلها جميعا سياج الأسوار وان يكون وضع ذلك في ممتنع من الأمكنة (مقدمة ابن خلدون 618).

7 - ارتفاع أسعار حاجيات السوق لدى الحضر (إن المصر الكثير العمران يختص بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجاته ثم تزيد المكوس غلاء لان كمال الحضارة إنما تكون عند نهاية الدولة في استفحالها وهو زمن وضع المكوس في الدولة لكثرة خرجها حينئذ والمكوس تعود على البيعات بالغلاء لان السوقة والتجار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتى في مؤونة أنفسهم، فيكون المكس لذلك داخلا في قيم المبيعات وأثمانها (مقدمة ابن خلدون:664 ).

8 - التحايل على تخليط العيش (ضمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها وما يعود على النفس من ضرر بعد تحيلها بحصول لون آخر من ألوانها، فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحايل على تحصيل المعاش من وجهة ومن غير وجهة... وتجدهم أجرياء على الكذب والغش والسرقة والفجور في الايمان والربا في البياعات (مقدمة ابن خلدون: 663).

9 - تنوع الصناعات (إن عمال أهل المصر يستدعي بعضها بعضا لما في طبيعة العمران من التعاون وما يستدعي من الأعمال يختص ببعض أهل المصر فيقومون عليه ويستبصرون في صناعته ويختصرون بوظيفته ويجعلون معاشهم منه ورزقهم منه لعموم البلوى به في المصر والحاجة إليه...الخ (مقدمة ابن خلدون: 671).

يعد ابن خلدون من الباحثين الاجتماعيين الاوائل الذين نظروا للمجتمع الانساني من منظور ثنائي: الحضر والبدو، وفي الحقيقة إن الثنائية عموماً لها جذورها التاريخية الفلسفية الموروثة منذ القدم، فكل الأديان تورد الكثير من الثنائيات: الخير والشر، الجنة والنار، الإنس والجن...إلخ، والدراسات الاجتماعية والانسانية المختلفة اعتمدت على قطبينPolarity مثل: الريف والمدينة، الزراعي والصناعي، البدائي والمدني، الساكن والمتحرك، المقدس والمدني (الدنيوي)، التقليدي والعقلاني (البعجة 2006: 30)، وهنا يمكن القول بأن القطب الثاني يمكن ان نطلق عيه القطب المتحضر المرن حيث يتيح للمرء تعلم وتشرب قيم جديدة، فالتحضر المجتمعي يتصف بالشمولية لكل الابعاد السلوكية والتنظيمية والتقنية، وهي مجتمعة تؤدي الى التغير الحضري والحياة المدنية.

تتسم الحياة المدنية بالتعقد والترف والثقافة، وفي هذا الصدد يذهب ابن خلدون في قوله: ”فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها. ومتى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف وعوائده عاج الى الدعة وأمكن نفسه إلى قياد المدينة. وهكذا شأن القبائل المتبدية كلهم.. (مقدمة ابن خلدون: 413). وتبرز البداوة من خلال نمط الحياة والتصرف مع المواقف المختلفة والثقافة، وفي الواقع ان للبداوة أصولا اقتصادية وبيئية حيث تعني ندرة مقومات الحياة مما يضطر الناس الى التنقل والتجوال تبعا لمواسم الامطار والعشب.

رؤية ابن خلدون لمجتمع الحضر وفق الصورة المتقابلة وليس المتضادة في سرد سمات الحضر مؤكداً على مسألة التدرج والتطور من النمط البدوي الى النمط الحضري من خلال البعد الانساني، والبيئة الطبيعية والمهنة ولم يعط اهتماماً كبيراً للمجتمع الزراعي بل كان منشغلاً بالقطبين الحضري مقابل الريفي. فمفهوم التحضر لدى ابن خلدون "..هو تجمع الافراد وتفاعلهم معاً وينجم عن هذا التفاعل مجموعة من الظواهر والاتساق والنظم كالنظام السياسي والاقتصادي والتربوي والديني..." فتعريف العلامة ابن خلدون تعريف شامل لا يقتصر على مفهوم التحضر ويمكن ان يكون تعريفا للمجتمع البشري بصورة عامة.

ان مسألة استعراض مساهمة ابن خلدون في علوم الانثروبولوجيا الحضرية والاجتماع الحضري من العمليات الضرورية من الناحية العلمية والحضارية لتحليل وتشخيص الحضر في المجتمعات الاسلامية، حيث يعاني الكثير من الدارسين عدم وضوح الرؤية الخلدونية لضعف التكوين العلمي والمعرفي، وضعف المناهج المعتمدة والمتأثر بالدوائر الفكرية الخارجية، فينبغي تحليل التحضر المجتمعي والتركيز على دوره في العيش المدني ضمن السياق الشمولي.

للتحضر المجتمعي اتجاهات وأسس يعمل من خلالها للمحافظة على التراث المعرفي والديني والخلقي، ومن سياساته الاجتماعية والتربوية نقل العادات والتقاليد والثقافة وخاصة إلى جيل صغار السن. ويناقش التير هذه الخصائص بشكل مسهب في كتابه "اتجاهات التحضر في المجتمع العربي"، حيث يؤكد على أن لجهود المفكر العربي ابن خلدون أهمية خاصة في تطوير التصورات التي تسيطر اليوم على التفسيرات النظرية للظاهرة الحضرية. ويرى أن ابن خلدون وفق هذا المفكر في تطوير تصور جد متقدم، فالفترة الزمنية التي تفصل بين تاريخ تواجده، وتاريخ بداية المحاولات الجادة لتطوير نظرية حضرية لا تقل عن ستة قرون. وقد يجد الباحثون المعاصرون توظيفات مفيدة للمفاهيم التي طورها ابن خلدون، ولا تزال العلاقات بين أسلوب الحياة والأنماط السلوكية التي حددها ابن خلدون، تجد صدى في كتابات الباحثين المعاصرين المهتمين بالدراسة الحضرية (التير، 1995: 33).

تتعدد مفاهيم التحضر بتعدد المدارس والنظريات الحضرية ومن اقدم المفاهيم السوسيولوجية لدى ابن خلدون كونه حصيلة تجمع الافراد والتفاعل فيما بينهم مما ينتج عنه مجموعة من النظم المختلفة. التحضر يرتبط بإقامة الناس في المراكز الحضرية، ويعملون على تعميرها وتوسيع نطاقها الحضري. وهذا مفهوم سائد على المستوى العالمي وليس قاصرا على مستوى منطقة دون غيرها، رغم التفاوت الواضح بين مناطقها من حيث التباين في الدرجة او المستوى (الكردي 1986: 30).

خلاصة ما قدمه ابن خلدون يعد توضيحا وصفيا لمجتمع الحضر الذي قال عنه بأنه يتميز بتقسيم عمل مقام على أساس (الصناعة)، وإن هذا المجتمع (الحضري) يبحث عن الكمالي أكثر من الضروري، ويميل إلى الراحة، ويتأنق في ملبسه، ومأكله، ومسكنه، ويتصف أيضا بارتفاع أثمان سلعه بسبب ارتفاع مستوى العيش، وتزداد مشاكله الاجتماعية كالربا، والفحشاء، والغش، والمقامرة وغيرها من الانحرافات السلوكية والخلقية. هذه هي أبرز صفات المجتمع الحضري التي قدمها ابن خلدون، ومن الممكن أن نجد مثل هذه الأطروحات عند المتخصصين في الدراسات الحضرية سواء من المنظور السوسيولوجي او الانثروبولوجي.

تتعدد نماذج واشكال التحضر ومن أهمها التحضر الكلاسيكي كتركز السكان في المدن الرئيسية، والنمو السريع للمدن الصغيرة والمتوسطة وخاصة المراكز الخدمية التي تحظى بالتجهيزات الهامة لتحقيق اغراضها وهو ما ينطبق مثلا على مراكز البلديات التي تقدم الخدمات الادارية والتعليمية والصحية. وهكذا شهدت بعض المراكز الحضرية الصغرى الساحلية وغير الساحلية نمواً حضرياً. وساهم نمو القطاع الخاص بدرجة كبيرة في انطلاق تسارع النمو الحضري. وقد بقي عدد من المدن الصغيرة الليبية على حالها ولم تتطور، بل أصبحت بيئات طاردة باتجاه العاصمة التي تضاعف عدد سكانها، وبدت مركز الثقل الحضري في البلاد.

التحضر المجتمعي من منظور التعايش:
للتحضر تأثيرات هائلة لا على العادات وأنماط السلوك فحسب، بل على أنماط التفكير والقيم، فالفضاء المجتمعي يرتبط بآليات الحراك الحضري باعتبار ان التحضر يخلق بيئة تفاعلية تتخذ أوجه مختلفة. فمشارب سكان الحضر ليست واحدة، فهناك تباين واضح بين سكان المدينة التغاير في المعارف والثقافات، ولكن قد لا ترتفع درجة التغاير إلى مستوى عال كما هو الحال في البلدان التي نمت فيها المدن بسرعة كبيرة؛ كنتيجة مباشرة لانتقال السكان من الريف إلى المدينة. ففي هذه الحالات يحافظ الريفيون على قيمهم وعاداتهم التي يفرضونها على المدينة بدلا من أن يتكيفوا مع متطلبات الحياة الحضرية. وقد رصد التير هذه الظاهرة في حالة المجتمع الليبي فكتب:".... ويمكن القول إن غالبية سكان المدن الرئيسية قدموا من بيئات ريفية، لذلك لا تزال القبيلة حاضرة اليوم في ذاكرة نسبة كبيرة من السكان الحضر، خصوصا وأنه بدلاً من أن يأخذ المهاجرون من الريف إلى المدينة بأسباب الحياة الحضرية دخلوها خلال العقود الماضية كفاتحين، ففرضوا على المدينة وعلى سكانها مختلف خصائص حياة الريف. عرفت المدينة لأول مرة الخيمة تتوسط شوارعها الفرعية والرئيسية كمكان لإقامة مناسبة اجتماعية سارة أو حزينة. وأحضر كثيرون بعضا من حيواناتهم وطيورهم لتعيش معهم، وضرب الكثيرون بقوانين السير الحضرية عرض الحائط، فكثرت حالات عدم احترام إشارات المرور، والتسابق بالسيارات بعقلية التسابق بالخيل نفسها، وغير هذا مما تعرفه القرية والبادية من أنشطة. أحضر المهاجرون معهم قيمهم المتمثلة في عادات وتقاليد وولاءات وأنماط سلوكية. وتمت المحافظة على البنى القبلية التقليدية بما فيها من جوانب إيجابية وأخرى سلبية" (التير، 2013: 64).

وقد اتفق المختصون في مجال الدراسات الحضرية على أن للتحضر دوراً متميزاً في التنمية المعرفية والثقافية، ولا يمكن أن تتحقق حياة حضرية متميزة في غياب الوعي المدني، فإدماج الانسان وتحسيسه بأهميته ومكانته جعله يدرك بأن لديه قدرات وإمكانات، تجعله إيجابي؛ فيتعامل مع مختلف مكونات المنظومة الاجتماعية بشكل أفضل.

فأدبيات التحضر تشير إلى أهمية التحضر المجتمعي؛ لأن متطلبات الحياة المدنية قائمة على ادراك الوعي والاهتمام المشترك، والتفاعل المستمر بين الإنسان والمؤسسة، فالإنسان الحضري بحاجة إلى ثقافة حضرية مدنية تدفعه الى المشاركة في مختلف ميادين الحياة.

يتميز مجتمع الحضر بجملة من السمات أهمها كبر حجم سكانه، ولا يعرف كل فرد منهم الآخر معرفة قديمة إلا من خلال الجيرة أو القرابة. وبالرغم من انتشار مظاهر التحضر المادي على نطاق واسع في الأقطار العربية إلا أنه لم يؤثر على طريقة التفكير، ونمط العقلية السائدة بشكل عميق. ونستطيع أن نقدم مفهوما عاما له علاقة بالتحضر والحياة الحضرية، حيث يعني من المنظور السوسيولوجي التصرف والتعامل والتفاعل مع مختلف المواقف والأحداث الاجتماعية بشيء من العقلنة دون تعصب وبكثير من الحيادية التي تضبط ضغط النزعة التلقائية العفوية.

التحضر والوعي المدني:
شهدت العقود الماضية اهتماماً بالعديد من المفاهيم أهمها عولمة المدينة، الشخصية العولمية، التثاقف الحضري، ثقافة الكوكا، التحضر المعدل، الحياة المدنية والوعي المدني، ويعد الوعي المدني أحدث هذه المفاهيم، الّذي برز لدى المثقفين ورجال الفكر والمجتمع. وقد كان ظهور مفهوم الوعي المدني والمجتمع المدني نتاج طبيعي لتطور المجتمع البشري اجتماعيا وثقافيا وسياسيا. ظهر مفهوم المجتمع المدني وتراكمت معه المعارف والخبرات الخاصة به، فالوعي المدني يرتبط بالمعرفة والثقافة المدنية، لكن المفاهيم المرتبطة به لا تتسم بالوضوح الفكري. المجتمع الحضري ينمي الوعي بمسألة الحرية، واحترام حقوق الانسان، والتنمية، والمساواة، والاستقلال، على اعتبار ان هذه المقومات هي أطار عام والحياة الحضرية تتيح الانتقال نحو المجتمع المدني وتحقق الحياة اللائقة والمشاركة الحقيقية، لذلك ينسب الوعي المدني الى المدينة الحديثة التي تتسم بتطور الوعي الثقافي العام والعقلانية.

التنمية التوعوية مقصد للمؤسسات التربوية ولأغلب مؤسسات المجتمع المدني، وأن الوعي المدني يؤدى الى تحسين ظروف ونوعية حياة الناس من الناحية المعيشية والاجتماعية والصحية، ويرسخ ثقافة التسامح والتفاهم والتواصل بين مختلف مكونات وفئات المجتمع المدني، ويعزز المشترك الثقافي بين الأفراد والجماعات، ويحدث تقارب بين المجتمعات المتواصلة ثقافياً ومعرفياً.

إن على التربية ومؤسساتها تلبية حاجات المجتمع، وان تبقى مرنة، بحيث تتغير بتغير المجتمع، وأن تدعم التجديد في الأفكار والتفكير الذي يواكب كل جديد فيه، حيث إن الحاجات الجديدة تستدعي أفكارا جديدة، هذا ما يجعل من الضرورة أن تتغير التربية بهدف إحداث تغييرات هامة في المجتمع (قباري، 1989: 115).

يعد التحضر نموذجاً أساسياً للحياة؛ بمعنى تغيير أساسي في كل أنماط الحياة السائدة من الناحية الكمية والنوعية؛ في صور العلاقات الاجتماعية وفي كافة مجالات النشاط البشري. للتحضر أهمية حياتية باعتباره وسيلة وأداة للوعي والتنمية المعرفية. ويحقق التحضر الظروف الملائمة للحراك المدني واحترام حقوق الانسان، وحق بناء وتشكيل المؤسسات والكيانات والجمعيات الثقافية المختلفة، فالحياة الحضرية تعمق الممارسات المدنية.

تعمق طبيعة المجتمعات الحضرية العمل المدني بنوع من الاختيارية، والسلوك المدني خاصية من خصائص الحياة الحضرية، لما له من أهمية على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع، والمجتمعات الإنسانية أينما كانت تسن القوانين من أجل إرساء الوعي المدني ويتيح للفرد الدخول في علاقات اجتماعية مع أشخاص آخرين قد يختلفون عنه في سمات ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، الخلفية الحضرية تنمي المشاركة في العمل الأهلي بإيجابية وفاعلية.

يتفق أعلب المتخصصين في الدراسات الحضرية على ان الوعي المدني نتاج المنظومة الحضرية، ويعد احد إجزاء النسق الحضري العام، ويتكون من عناصر لها أهداف ووظائف أهمها بناء الشخصية الحضرية. وفي العادة الانسان المتحضر يمتلك قسطا كبيراً من الوعي المدني والذى يعني الإلمام بجميع الممارسات التي نلاحظها في كل يوم، وهى تختلف من مجتمع لآخر من حيث الاختلاف في النظرة القيمية الخاصة بالمجال الحياتي. الوعي المدني يعبر عن جميع مفاهيم الوعي عند الفرد ويهتم بإنسانيته وعاطفيته، وبوجود الوعي تتحقق البنية المتكاملة في عملية التحضر المجتمعي، ويلعب الوعي المدني دوراً كبيراً في تحضير المجتمع.

الوعي في حد ذاته يعني المعرفة بأصول الحياة والتمرس في فنونها وامتلاك المهارات والتمرس في العادات الخيرة رافضاً التعصب، وان الانسان المدني دائماً متوازن مع نفسه والآخرين، يحترم القوانين ويعمل بها وينتمي الى وطنه قبل الانتماء الى عشيرته وقبيلته واي تنظيم اجتماعي او سياسي (نصر، 2011: 125).

من أهم ما يتميز به عصرنا الحاضر، الاهتمام بشؤون الوعي المدني، باعتباره ضرورة حيوية للتنمية وللعيش في المجتمعات الحديثة، ولم يتردد رجال الفكر والمعرفة في ان يطلقوا على القرن الحالي اسم العصر العولمي حيث تتشابه فيه المجتمعات الانسانية وخاصة الحضرية منها.

ومن أهم المؤسسات التي يتلقى فيها الفرد الوعي المدني هي المؤسسة المدنية الأهلية، والتي تمثل نسقاً اجتماعياَ، تحكمه الادوار والتكامل، وهو ما يساعد على نمو الوظيفة المدنية التوعوية، وبالتالي الوعي المدني نتاج نظام حضري يحمل مبادئ ثقافة المجتمع ويرسخ ثقافة التسامح، وهناك عدد من الكلاسيكيين في علوم الاجتماع لا يؤكدون على أهمية نقل المعارف، بقدر ما يؤكدون على أهمية تنمية الانسان وبناء شخصيته من مختلف الجوانب.

يعتبر لويس ويرث Louis Wirth أول من أشار بصراحة لأهمية السلوك الحضري مبيناً الارتباط مع الحياة الحضرية، كما أنه حريص على تحديد خصائص الشخصية الحضرية باعتبارها تمثل حالة ديناميكية تتعايش مع المتطلبات الحديثة للشخصية.

انطلاقاً من ذلك يمكن القول إن التحضر المجتمعي يسهم في بناء الشخصية ويعمق الوعي ويدعم التجديد في الأفكار، حيث أن الحاجات الجديدة تستدعي أفكارا جديدة باستمرار، وفلسفته ومبادئه مستوحاة من النظام التربوي المجتمعي، وكل أجزاء المنظومة المجتمعية تعمل على تنمية الوعي والنهوض بإفراده للمشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية في ظروف تتسم بالحرية والثقافة الحضرية.

يجب أن يعمل النظام الحضري المجتمعي على التنمية وغرس القيم والأفكار والمحافظة على العادات الايجابية، وتمكين كل أفراد المجتمع من إبراز قدراتهم في خدمة المجتمع، وبالتالي يتحقق نوع من التطبيع الحضري والتكيف والاندماج الاجتماعي.

الثقافة الحضرية تؤدى الى انتشار القيم الإيجابية في المجتمع، فكلما كان الفرد متحضراً ارتفعت درجة مشاركته وحرصه على المساهمة والمتابعة والانتماء للمؤسسات المدنية، وبناء على هذا القول يمكن التأكيد جلياً بأن الوعي المدني مرتبط بالتحضر ارتباطاً وثيقاً وبنوع الثقافة الحضرية السائدة في المجتمع. فالمدينة باعتبارها منبعاً ومركزاً للثقافة الحضرية وللمنظمات العالمية والجماعات الدولية ومركزاً لكافة المؤسسات المدنية والثقافية فأصبحت الأداة الفاعلة في الشؤون الحياتية ومنها تهب كافة التغيرات الإيجابية. المؤسسات الفاعلة دائما تسعى إلي تحقيق درجة من الوعي والتنمية المعرفية، وخصوصيات مجتمعات الحضر المحلية تأخذ في طريقها الى التقلص والتآكل تحت تأثير تيارات التحضر العالمي الذى تنشده العولمة في صورها المتعددة كحرية الفكر والتعبير، وتتغير المجتمعات الحضرية بسرعة مع الأنماط المدنية المختلفة، فالمجتمعات الحضرية توفر الشروط الضرورية لتعميق الوعي المدني، وتأكيد قيمه الاساسية ينبع من فلسفة المجتمع الحضري، والمؤسسات الحضرية بمثابة البنية التحتية للتنمية الثقافية كنظام للحياة وأسلوب لتسيير وتقديم الخدمات للمجتمع، وهى أفضل اطار وبيئة مناسبة للقيام بدورها كمدارس للتنشئة والتوعية بالحياة المدنية. التحضر يعمق مبادئ احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية طبقا لميثاق الأمم المتحدة، والدول المتحضرة قد تتدخل لأغراض إنسانية والتدخل الدولي الإنساني مثل حي لذلك الاهتمام. كما يدخل ضمن مظاهر التحضر العالي في تركيزه واهتمامه بالقضايا ذات الطابع العالمي مثل حقوق الإنسان وترقية المرأة وتنميتها وتمكينها اجتماعياً واقتصادياً وسياساً، وتحقيق السلام، وتعد منظمات حقوق الإنسان وفي طليعتها منظمة العفو الدولية مثالاً ناصعاً للعمل الدائب والنشاط المستمر والجهد المعنوي الذي يتوخى احترام حقوق الإنسان. وترفع الدول المتحضرة شعارات حضرية كاحترام حقوق الإنسان والمشاركة الاهلية، وتواجه دول العالم الثالث تحديات كبيرة تجاه هذه الشعارات مما أفرز ثقافة التعددية الثقافية، بيد أنها لم تؤد إلي تغيير أساسي في طبيعة وأساليب الممارسة الحضرية العولمية بسبب خصوصية مرحلة التحول المجتمعي وخاصة في المرحلة الراهنة للمجتمع الليبي، وهناك القيود والضوابط القانونية والإدارية التي فرضها الواقع الثقافي والاجتماعي للنخب الثقافية، مما فرغها من مضامينها الحقيقية.

يعتبر المجتمع الحضري في أكثر من بلد عربي مؤهلا لوجود وظهور أشكال متعددة من علاقات الشراكة بين المؤسسات الأهلية والحكومية من جهة، وبين المؤسسات الأهلية وسكان البيئات الحضرية من جهة أخرى، إذ يمكن القول إن الوعي المدني بات سمة أساسية من سمات المجتمعات الحضرية، وتوليها الدول الحديثة أهمية في تنفيذ برامجها وخططها، فتنمية الوعي بأهمية ودور مؤسسات المجتمع المدني بات مسألة مرتبطة بمستوى التحضر ودرجة حضرية المجتمع.

الوعي المجتمعي يشجع على العمل الاهلي والتطوعي ويعني التطوع توظيف الافراد والجماعات بدون أجر لتقديم الخدمات الانسانية خارج اطار المؤسسات الحكومية، وتحتاج المدينة العربية إلى الاهتمام بالعمل الاهلي وتطويره وانتشاره، وإحداث منظومة تكاملية من التعاون بين قطاعات المجتمع العامة والخاصة والأهلية من أجل اشباع العديد من الاحتياجات المجتمعية، والتخلص من عوائق الافعال المدنية، بهدف تحقيق تحضر مجتمعي متميز ومتكامل.

طبيعة التركيبة الاجتماعية في المجتمع العربي بصفة عامة تخضع للعلاقات السلطوية داخل الاسرة، وتمتد الى علاقة الفرد بالسلطة، وتنعكس على آلية اتخاذ القرار نتيجة التسلط الذى يصل الى حد القمع وتقييد الحرية، وانتشار ثقافة الخوف. يؤدي هذا إلى أن يفقد الفرد حريته على مستويين: المستوى الشخصي ومظهره الانتماء الاجتماعي المتمثل في الولاء القوي للأسرة أو الطائفة أو القبيلة، والخضوع لتناسقها القيمي. أما المستوى الثاني فمجتمعي، ومظهره عدم المشاركة السياسية والاجتماعية الحقيقية، وعليه اتسم العمل المدني في مناسبات كثيرة بالمظهرية. وكما هو معروف الفرد الاجتماعي نتاج عمليات التنشئة الاجتماعية وبما فيه من قيم تنعكس على الممارسات الحياتية اليومية.

أغلب النظم الحاكمة في بلدان العالم الثالث تكبل تنظيمات المجتمع المدني بكثير من القيود الأمر الذي يحد من حريتها واستقلاليتها، لذلك تسير عملية التحول الديمقراطي ببطء شديد بسبب الهيمنة الكاملة للسلطة السياسية، وتعدد مظاهر انتهاك حقوق الإنسان. بينما تولي المجتمعات الحضرية في الكثير من البلدان المتقدمة صناعيا أهمية كبيرة للعمل المدني، ولمختلف فئات المجتمع، وتؤمن لها حقوقها، وتحد من الانتهاكات الى تتعرض لها بعض الفئات المجتمعية، وتشن الحروب للمحافظة على حقوق الانسان وتعتبرها حروبا انسانية. فالاهتمام باحترام حقوق الانسان والحفاظ على القيم المثلى فهي مطالب حضرية. ولتحقيق تحول حضري حقيقي، يتطلب الأمر نشاط موجه نحو تزويد المواطن بقيم العدالة والمساواة واحترام حقوق الانسان.

ونتيجة للعولمة أصبح التباين بين الحضرية والريفية غير واضح المعالم، خصوصا وأن نسب التحضر في بلدان كثيرة أصبحت عالية جدا. ويرى ارنولد روس: ان ثقافة عالمية قد أثرت في كافة المجتمعات، وتتعلق نتائجها المباشرة بارتفاع نسب الذين يعيشون في بيئات حضرية. أدى هذا ارتفاع معدلات الانتساب للجامعات، وتنوع التخصصات المعرفية والمهنية، وازدياد فرص الحراك الاجتماعي، وارتفاع معدلات المشاركة المدنية. فالتحضر يؤدى الى وعي مدني يشجع على الاندماج الاجتماعي والثقافي والتكيف مع البيئة الاجتماعية الحضرية ويقلل من درجة التميز في النوع الاجتماعي وينمي الولاء المؤسسي وتقليص دور الهياكل التقليدية لتحل محلها الهياكل الحديثة. وقد ساهم الوعي المدني في التثقيف الحضري وتنمية النسيج المجتمعي الحضري.

الخاتمة:
جرت محاولة في هذه الورقة لربط التحضر المجتمعي بالتحولات الكبيرة الناتجة عن الاسهامات المعرفية التنويرية، ومن بعد تأثير التحضر في نمو المعرفة بمختلف مجالاتها، وإثراء التنوع الثقافي. كما جرت محاولة لتوضيح الدور الذي يمكن أن يلعبه التحضر في نمو الوعي المجتمعي الذي يفترض أنه سيرفع من درجة مشاركة المواطن الذي يعيش في وسط حضري. وهي مشاركة اجتماعية واقتصادية وسياسية، من خلال مؤسسات رسمية وأخرى غير رسمية. ونظرا إلى أن كل هذا يتم من خلال عملية نشطة، ودائمة الحركة، فمن المتوقع ظهور أشكال وأنماط جديدة للعلاقات الاجتماعية ولوظائفها، مما يستدعي متابعة مستمرة من قبل المتخصصين في العلوم الاجتماعية بهدف وصفها، وشرحها، ورسم مشاهد لمستقبل تطورها.

ثبت المصادر:
أ - باللغة العربية:
1 - ابن خلدون، عبدالرحمن، المقدمة، بيروت: دار النهضة، 1981.
2 - ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار صادر، 1997.
3 - البعجة، فتحي محمد، التطور الاجتماعي والاقتصادي للبناء السياسي العربي، دار النهضة الحديثة، 20066.
4 - التير، مصطفي عمر، اتجاهات التحضر في المجتمع العربي، الدار البيضاء: المؤسسة العربية للنشر والإبداع، 19955.
5 - التير، مصطفى عمر، أسئلة الحداثة والانتقال الديمقراطي في ليبيا: المهمة العصية، بيروت: منتدى المعارف، 20133.
6 - غيث، محمد عاطف، علم الاجتماع الحضري، القاهرة: دار المعرفة، 1989.
7 - قباري، محمد إسماعيل، أسس البناء الاجتماعي، الإسكندرية: منشأة المعارف،1989.
8 - معجم المنجد، بيروت: دار النهضة، 1976.
9 - نصر، امحمد حسين، "دور المنظمات الاهلية والنقابات في المجتمع المدني"، جامعة طرابلس، مجلة كلية الآداب، العدد التاسع عشر، 20111,
10 - الكردي، محمود، التحضر ج1، القاهرة: دار المعارف، 1986.

ب - باللغة الانجليزية:
1 - Irivin, P., and Estellie, Smith. Urban Place and Process, Reading in the Anthropology of Cities, N.Y.: Macmillan Co., Inc., 1980.
2 - John Linson Robert, Urban Structure, N.Y.: Random House 1969.
3 - H.O.P. Tisdal, "The Process of Urbanisation", Social Forces, March 1940.
4 - Steward A. Queen and Carpenter David, The American City, N,Y. Mc Graw Hill Book, 1953.

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  309

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )