• ×
  • تسجيل

الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 اخر تحديث : 12-07-2018

قائمة

د.مشنان فوزي
بواسطة  د.مشنان فوزي

قراءة نقدية في كتاب علم الاجتماع الحضري

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
منذ أن عرف الانسان المدينة، كان ذلك تحولا كبيرا في حياته، ففي كنف المدينة استطاع، ان يبني اعظم الحضارات وارقاها، وعرف كيف يستثمر قدراته البدنية والعقلية، وفي المدينة عرف الانسان الاستيطان الدائم، وممارسة الاعمال غير الزراعية، واقامة المباني العامة، فضلا عن تطور نظم الحكم، واختراع الكتابة، وغيرذلك.
لذلك كانت المدينة او الحضر، من الموضوعات التي عالجها علماء الاجتماع وفصلوا القول فيها، حتى صارت موضوعا مهما من موضوعات علم الاجتماع وقسما قائما بذاته. ومن هنا تأتي اهمية دراسة د.عبدالرؤوف الضبع الموسومة بـ(علم الاجتماع الحضري) الصادرة عن دار الوفاء، الاسكندرية/ مصر التي تناول فيها موضوعة التحضر، وما يتعلق بها قديما وحديثا من خلال استعراض تاريخي وتحليلي.
لقد سعى المؤلف الى ان يكون كتابه مقتصرا على هذه (الثيمة)، لذلك جاءت ابوابه الثلاثة لتتحدث عن قضايا نظرية وتحليلية.
جاء الباب الاول الذي حمل عنوان (الحضر) ليتحدث عن موضوعات نظرية عبر فصوله الاربعة. فقد توقف الباحث في الفصل الاول عند تعريف الحضر وقد اورد تعريفات كثيرة، الا انه ارتضى ان يعرفه على انه عملية تغير اجتماعي معقدة، تحدث بترك الناس للقرى كأماكن للاقامة والزراعة كمهنة، وما يصاحب ذلك من تغيّر ممثلا في اكتساب اساليب جديدة ملائمة للحياة الحضرية التي يختلف فيها نسق القيم المحدد للادوار والمكانات والعلاقات الاجتماعية.
ولكن الشيء المهم هنا ان المؤلف توقف مليا عند نظرية (ويرث) بشأن الحضرية التي لخصها بالنقاط الاتية:
1- ان الحضرية ليست مجرد حجم السكان او كثافتهم، او الانشطة المادية والتكنولوجية التي يتطبع بها المكان.
2- إن المدن هي نبت طبيعي لعمليات من النمو والتطور، فان الاثار التي تمارسها في طبع نمط حياة الانسان لايمكنها ان تمحو نهائيا نمط الحياة القديم الذي عرفته البشرية.
3- ان المدينة والقرية يعدان قطبين تتأرجح بينهما سائر التجمعات البشرية بدرجات متفاوتة، ومن ثم فان الحضرية الخالصة قول مبالغ فيه، كما ان الريفية الخالصة يمكن أن تكون قولا مبالغا فيه كذلك.
4- ان الحضرية هي طريقة او اسلوب في الحياة يعكسه واقع البناء والتنظيم الاجتماعي القائم.
وقد حمل الفصل الثاني من هذا الباب عنوان (النمو الحضري)، إذ انّ المؤلف رصد فيه مراحل عملية التحضر في العالم، التي بدأت منذ سبعة آلاف سنة في دلتا وادي النيل ومنطقة ما بين النهرين في العراق ووادي السند وغيرها. وقد توصل الى ان عملية التحضر في العالم سارت بخطى سريعة خلال القرن التاسع عشر، فمع بدايته كان عدد المدن التي يزيد سكانها عن مائة الف واحداً وعشرين مدينة، اصبح عدد هذه المدن الان اكثر من خمسمائة مدينة وظهرت المدن المترو بوليتانية بخصائصها ومؤسساتها والخدمات المختلفة التي فيها.
واما الفصل الثالث فقد نهض بمهمة رصد ظاهرة التحضر في مصر تحديدا وقد اشار الى ان التحضر في مصر، مرَّ عبر ثلاث مراحل تبدأ بمرحلة النمو الحضري الريفي المتعادل مرورا بمرحلة النمو الحضري المرتفع نسبيا وانتهاء بمرحلة معدل النمو الحضري المرتفع.
ثم صنف المؤلف الاقاليم الحضرية في مصر على وفق معدل الزيادة السكانية الى ثلاثة اقاليم حضرية وهي:
1- محافظات ذات معدل نمو مرتفع
2- ومحافظات ذات معدل نمو متوسط
3-ومحافظات ذات معدل منخفض
ثم عاد وصنفها على وفق النمط الحضري الريفي للاقاليم الى ثلاث بيئات، بيئة حضرية وبيئة نصف حضرية وبيئة ريفية.
وتوصل الباحث الى ان اتجاه التحضر في مصر، سوف يمضي في التزايد وذلك للظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.
وقد ختم المؤلف هذا الباب بالحديث عن حضرية القاهرة تاريخيا وهو موضوع الفصل الرابع، وقد توصل فيه المؤلف الى ان (القاهرة) حتى بداية القرن التاسع عشر تعبر عن ملامح مدن العصور الوسطى، الى ان جاء محمد علي الذي ابدى اهتماما كبيرا بتطوير المدينة وتوسيع نطاقها، فضلا عن ان الهجرة الريفية ووجود (الازهر) كانا عاملين اخرين في نموها السكاني.
وقد توزع الباب الثاني الموسوم بـ(مشكلات النمو الحضري في مصر) الى ثلاثة فصول فقد حمل الفصل الاول مهمة الحديث عن مشكلات الاعاشة والتلوث وتكلم الفصل الثاني عن الاحياء المتخلفة، وفيما نهض الفصل الثالث بمهمة الحديث عن الاحياء العشوائية (المكان والسكان).
ووقف الباحث في هذا الباب عند مشكلات اشباع الحاجات الانسانية ومنها على سبيل المثال: الاسكان والمرافق، ومشكلات تلوث البيئة، وتلوث السطح وتلوث الهواء، والتلوث بالضجيج، وتلوث مياه النيل.
وقد ختم المؤلف كتابه بالباب الثالث الذي حمل عنوان (نحو حضرية جديدة) ليتحدث عبر فصوله الخمسة، عن المشاركة الاجتماعية والحد من اخطار التلوث البيئي، والنمو الحضري، والمدن الجديدة، وتجربة المدن الجديدة عالميا، والنمو الحضري والمدن الجديدة في مصر، والمدن الجديدة واشباع احتياجات السكان.
والشيء المهم ان المؤلف توصل عبر هذه الفصول الخمسة الى جملة امور يمكن ان تحد من اخطار التلوث البيئي من بينها:
1- تشجيع قيام جمعيات اهلية تأخذ على عاتقها الحفاظ على البيئة من التلوث.
2- مساندة الجهات الحكومية لما تقوم به الجهات الاهلية.
3- تبني وسائل الاعلام الدعوة الى قيام جمعيات المحافظة على البيئة.
4- العمل على ربط الجامعة بالمجتمع.
5- تدريس مادة البيئة والحفاظ عليها في دور التعليم المختلفة.
فضلا عن انه ارجع مشكلة (النمو الحضري) الى جملة اسباب، من بينها:
1- مشكلة نقص الوحدات السكنية.
2- مشكلة عجز شبكات الامداد بالمياه والكهرباء والاتصالات.
3- ومشكلة الازدحام والتكدس السكاني.
4- مشكلة البطالة الحضرية المقنعة.
5- ومشكلة الامتداد العشوائي على اطراف المدن ومشكلة تلوث البيئة باشكالها.واخيرا فان الكتاب يعد - بحق - اضافة جديدة الى المكتبة العربية، لما فيه من معلومات كثيرة، ودراسات جادة، جاءت عبر الاستقصاء والتحليل العلميين، وعلى وفق منهجية واضحة المعالم.
مدخل لدراسة المجتمع المحلي
1 – جوانب من التراث السوسيولوجي للمفهوم:
ارتبط مفهوم المجتمع المحلي شأنه في ذلك شأن معظم المفاهيم السوسيولوجية التي اشتقت منه لغة الحياة اليومية بمعاني كثيرة ومتعددة.
وتنقسم التعريفات إلى قسمين رئيسيين:
تعريفات وجهات النظر التقليدية أو الكلاسيكية:
تعريف روبرت ماكيفر : المجتمع المحلي هو وحدة اجتماعية تجمع بين أعضاءها مجموعة من المصالح المشتركة، وتسود بينهم قيم عامة وشعور بالانتماء، بالدرجة التي تمكنهم من المشاركة في الظروف الأساسية لحياة مشتركة.
تعريف روبرت بارك: "أن المجتمع المحلي في أوسع معاني المفهوم يشير إلى دلالات وارتباطات مكانية جغرافية، وأن المدن الصغرى والكبرى والقرى بل والعالم بأسره تعتبر كلها رغم ما بينها من الاختلافات في الثقافة والتنظيم والمصالح.. الخ، مجتمعات محلية في المقام الأول".
تعريف لويس ويرث: أن المجتمع المحلي يتميز بما له من أساس مكاني إقليمي يتوزع من خلاله الأفراد والجماعات والأنشطة، وبما يسوده من معيشة مشتركة تقوم على أساس الاعتماد المتبادل بين الأفراد، وبخاصة في مجال تبادل المصلحة.
تعريف آموس هاولي: "إن التحديد المكاني للمجتمع باعتباره منطقة جغرافية أو مساحة مكانية يشغلها مجموعات من الأفراد محاولة تعسفية للتعريف, وإنه من الملائم أن ننظر إلى المشاركة في الإيقاع اليومي والمنتظم للحياة الجمعية على أنها عامل أساسي يميز المجتمع المحلي ويعطي لسكانه طابع الوحدة، إن المجتمع المحلي أكثر من مجرد تنظيم لعلاقات التكافل بين الأفراد، وأن الحياة الجمعية تشتمل على قدر من التكامل السيكولوجي والأخلاقي إلى جانب التكامل التكافلي أو المعيشي، وأنه يتعين على الباحث أن ينظر إلى الجوانب السيكولوجية والأخلاقية على أنها مظاهر متكاملة، وليست مختلفة أو متميزة لحياة المجتمع المحلي، خاصة وأن الأنشطة المعيشية وما يرتبط بها من علاقات تكافلية تتداخل وترتبط بمجموعة المشاعر والأحاسيس وأنساق القيم والمعايير الأخلاقية وغير ذلك من موجهات السلوك والتفاعل اليومي".
تعريف تالكوت بارسونز: المجتمع المحلي هو جمع أو حشد من أفراد يشتركون في شغل منطقة جغرافية أو مساحة مكانية واحدة كأساس لقيامهم بأنشطتهم اليومية.
تعريف بلين ميرسر: المجتمع المحلي هو تجمع لأشخاص تنشأ بينهم صلات وظيفية، ويعيشون في منطقة جغرافية محلية خلال فترة محددة من الزمن، كما يشتركون في ثقافة عامة، وينتظمون في بناء اجتماعي محدد ويكشفون باستمرار عن وعي بتميزهم وكيانهم المستقل كجماعة.
تعريفات وجهات النظر المتطورة أو الأكثر حداثة.
قدم موريس شتاين عدداً من الانتقادات التي وجهها للتطور التقليدي للمفهوم "إن انتشار الحضرية أفقد الأفراد إحساسهم وشعورهم بالمجتمع المحلي كما أن مقومات التنظيم الاجتماعي التقليدي في كثير من المجتمعات المحلية الأمريكية قد تقوضت نتيجة لتعرضها للمؤثرات الخارجية التي أفقدت الأفراد شعورهم بالانتماء إلى مجتمعاتهم المحلية، والتي مكنت من إحلال الانقسامية والجزئية محل الشمولية فطورت مجتمعات محلية فرعية –معادية لبعضها البعض- بدلاً من الشعور التقليدي بالانتماء والتعاون المحلي، وباختصار فإن القومية والعالمية قد غدت سمة العصر التي تؤكد وباستمرار خاصية الاعتماد المتبادل بدلاً من خاصية الاستقلالية والاكتفاء الذاتي، التي كانت من أهم مقومات التصور التقليدي لمفهوم المجتمع المحلي إن تقدم وسائل النقل والاتصال وما ترتب عليه من اعتماد متبادل بين المجتمعات المحلية ارتبط بالعديد من المصاحبات النفسية التي أدت إلى ضياع أو فقدان المجتمع المحلي السيكيولوجي.
ويشارك شتاين في تصوره السابق كل من ملفين فيبر ورونالد وارن فقد انتقد فيبر تصور أن المجتمع المحلي وحدة اجتماعية ذات ارتباط وتحديد مكاني، إن إنسان العصر الحديث، وبخاصة سكان الحضر يعيش في مجتمعات محلية عديدة كما أن هذه المجتمعات التي يرتبط بها وينتمي إليها لم تعد مجرد مكان محدد يلتزم به كأسلافهم بل أصبح أكثر ارتباطاً بمجتمعات المصلحة المتنوعة مهما اختلف أساس هذه المصلحة، ولم يعد الأفراد بحاجة إلى التركيز المكاني، ومن ثم لم تعد الحدود المكانية مؤشراً هاماً للعلاقات الوظيفية أو أساساً للنظام في المجتمع.
ويعتبر تعريف رونالد وارن من أحدث التعريفات "إن مصطلح المجتمع المحلي يتضمن بعداً سيكولوجياً وآخر جغرافي وثالث سوسيولوجي فهو من الناحية السوسيولوجية يتضمن المصالح المشتركة والخصائص المميزة للأفراد والروابط المشتركة بينهم كما هو الحال بالنسبة لمجتمع المصلحة، كما أنه من الناحية الجغرافية يشير إلى منطقة بعينها يحتشد فيها جماعات من الإفراد ومن وجهة النظر السوسيولوجية يرتبط البعدان السيكولوجي والجغرافي معاً ليشير المصطلح إلى المصالح المشتركة وإلى أنماط متميزة من السلوك يختص بها جماعات بعينها من الأفراد نظراً لاشتراكهم في نفس المنطقة أو المكان.
ملاحظة هامة: ارتباط المفهوم واستخدامه في علم الاجتماع من تصورين مختلفين فمن ناحية نجد تصوراً يفيد الإشارة إلى جمع بشري محدد يشغل منطقة جغرافية معينة، ويتخذ من الاشتراك في المكان الواحد أساساً ترتكز عليه كل محاولة للتعريف أو التنميط أو الدراسة كما ينظر إلى البعد المكاني باعتباره متغيراً مستقلاً يفسر ما لنماذج المجتمع المحلي المختلف من خصائص متميزة ومن ناحية أخرى نجد تصوراً آخراً يؤكد البعد السيكولوجي ويعتبر الاتصال والإجماع أو الاتفاق شرطاً ضرورياً أو مقوماً أساسياً من مقومات المجتمع المحلي، ومن ثم يصبح المجتمع المحلي عبارة عن كل أخلاقي تندمج فيه عقول الأفراد، ومن خلاله فقط، تتاح الفرصة للأفراد للتعبير عن قدراتهم وإمكاناتهم بطريقة كلية وملائمة.
2 – محاولة لإعادة التعريف: وجهة نظر:
هناك اعتبارين تلقي الضوء لإعادة التعريف:
الاعتبار الأول: يختص بتقييم البعد المكاني:
المجتمع المحلي هو: "تجمع إنساني تقوم بين أعضائه روابط الاعتماد الوظيفي المتبادل ويشغل منطقة جغرافية محددة ويستمر خلال الزمن عن طريق ثقافية مشتركة تمكن الأفراد من تطوير أنساق محددة للاتصال والإجماع فيما بينهم كما تيسر لهم سبل التفاعل وتنظيم أوجه نشاطاتهم اليومية".
الاعتبار الثاني: يدور حول تطبيق المصطلح واستخداماته:
أ – كثيراً ما يشار إلى بعض المؤسسات على أنها مجتمعات محلية مثل "السجون والمستشفيات العقلية والأديرة والملاجئ والثكنات العسكرية" ومن اللائم أن نطلق على هذه الكيانات اسم "المؤسسات الشمولية العامة" ففي مثل هذه التسمية ما يشير إلى أنه بإمكان الفرد أن يقضي حياته بأكملها بين جدرانها.
ب – يشار في بعض الأحيان إلى بعض الوحدات الاجتماعية ذات الأساس المكاني الأكثر اتساعاً كالأقاليم والولايات والدول بل والعالم بأسره على أنها مجتمعات محلية وكثيراً ما نقرأ أو نسمع عن "مجتمع الأطلنطي، أو عن المجتمع العالمي" ويعكس استخدام المصطلح بهذا المعنى نفس الفكرة المألوفة عن "مجتمع المصلحة"، أو "المشاركة في وجهات النظر والاهتمامات".
ويجب التأكيد على البعد الزماني إلى جانب التأكيد على البعد المكاني، بمعنى أن يشير مفهوم المجتمع المحلي إلى أن "مناطق بعينها ذات تفاعل يومي مستمر ومنتظم".
3 – عناصر التعريف:
أ – عنصر الإقليم أو المكان المحدد: يشير إلى منطقة محددة ذات خصائص طبيعية أو مصطنعة فريدة ومتميزة يتوافق لها بالضرورة ما يطوره المجتمع من نسق خاص للتنظيم الاجتماعي، ويبدو من الصعب فهم وتفسير طريقة الحياة في المجتمع دون الرجوع إلى خصائص المكان كمتغير أساسي يميز المجتمعات المحلية عن بعضها البعض.
ب – خاصية الاستقلال والاكتفاء الذاتي:المجتمع المحلي عبارة عن جماعة مكتفية بذاتها من الأفراد، فيعتمد الأفراد على بعضهم البعض للقيام بالوظائف الأساسية كما ترتبط الأهداف الجمعية والنشاطات الفردية بتنوع واسع النطاق من الاحتياجات والمصالح والاهتمامات التي لا يمكن لمؤسسة أو تنظيم بعينة أن يواجهها أو يشبعها.
ج – خاصية الوعي الذاتي: وتعتبر من أهم الخصائص المميزة للمجتمع المحلي وتتضمن هذه الخاصية الاعتراف المتبادل بين الأفراد إلى جانب الشعور بالانتماء والتميز.
د – القيم والمعايير المشتركة: من أهم ما يميز المجتمع المحلي عن أشكال التنظيم الاجتماعي الأخرى ما يسوده من أنساق خاصة للقيم والمعايير إذ عادة ما يعاد صياغة الكثير من القيم المطلقة في الثقافة الكبرى في ضوء الرموز والأحداث ذات الدلالة والمغزى في السياق المجتمعي المحلي.
4 – مدخل متعدد الأبعاد لدراسة المجتمع المحلي: وجهة نظر:
أ – المجتمع المحلي كوحدة مكانية إقليمية:
أي أنه تجمع من أفراد يعيشون داخل منطقة جغرافية ذات خصائص معينة، وترجع أهمية هذا العبد المكاني إلى سببين رئيسيين أولهما أن العوامل المكانية تساعد في تفسير قيام المجتمع وبقائه وتنظيمه، وثانيهما أن أفراد المجتمع بما يطورونه من تنظيمات وميكانيزمات للتفاعل بينهم يعدلون وباستمرار من الوسط أو القاعدة المكانية التي يعيشون في إطارها وحدودها، معنى ذلك أن العلاقة جد وثيقة بين المكان وخصائصه ومتغيراته، وبين التنظيم الاجتماعي وطريقة الحياة التي يعيشها أفراد المجتمع.
ولعل السبب الرئيس لظهور المجتمعات المحلية يكمن في أن الإنسان لا يستطيع بحال من الأحوال أن يسمو أو يتجاوز حدود المكان أضف إلى ذلك أن إشباع الحاجات النفسية والاجتماعية للإنسان تتضمن بالضرورة الجوار أو الاقتراب المكاني.
موجز القول إن المتغيرات المكانية -سواء نظرنا إليها كمتغيرات مستقلة أو تابعة- عناصر أساسية لا يمكن إغفالها في الدارسة السوسيولوجية للمجتمع المحلي، وإن الاهتمام والتركيز على هذه المتغيرات كان سبباً في تطوير أحد المداخل الكبرى في دراسة المجتمع هو ما يعرف باسم المدخل الإيكولوجي، ومن علمائه المعاصرين آموس هاولي إذ يعرف المجتمع المحلي بأنه "تلك الرقعة المكانية التي يرتبط بها وفيها السكان والتي من خلالها يتم تكامل الأفراد مع بعضهم البعض استجابة لمتطلباتها اليومية وخصائصها".
ب – المجتمع المحلي كوحدة للتنظيم الاجتماعي:
هناك ثلاثة مداخل:
1 – مدخل لدراسة المجتمع المحلي كجماعة اجتماعية.
2 – مدخل لدراسة المجتمع المحلي كنسق اجتماعي.
3 – مدخل لدراسة المجتمع المحلي كشبكة أو نسيج للتفاعل الاجتماعي.
يرجع تصور المجتمع المحلي كشكل من أشكال الجماعات الاجتماعية إلى هيللر حيث ذهب إلى أن للجماعة الاجتماعية عدداً من الخصائص الأساسية التي تعد من أهم مقومات بناء المجتمع المحلي، وهي احتوائها على تجمعات الأفراد وتحديدها لبناء الدور والمكانة وشمولها على مجموعة من المعايير التي يلتزم بها الأعضاء.
ويعد مدخل النسق الاجتماعي لدراسة المجتمع المحلي ترجمة معدلة لمدخل الجماعة الاجتماعية فالنسق الاجتماعي شأنه شأن الجماعة الاجتماعية يشتمل على أعضاء وبناء معياري ومحددات للدور والمكانة ومقاييس أو محكات للعضوية، ولو أن هذه المقاييس تأخذ في مدخل النسق الاجتماعي حدوداً اجتماعية ونفسية ومكانية في نفس الوقت ويعتبر رونالد وارن أحد مؤيدي هذا المدخل حيث يتصور المجتمع المحلي على أنه "نسق كلي يتكون من أنساق اجتماعية فرعية أصغر تقوم بدورها بعدد من الوظائف ذات الملائمة المكانية المتخصصة كالضبط والمشاركة والدعم والإنتاج والتوزيع والاستهلاك.. الخ"، ووفقاً لهذا المدخل يعتبر المجتمع المحلي الوحدة الأساسية للتنظيم الاجتماعي.
ويلتقي المدخل التفاعلي مع مدخل النسق الاجتماعي في نقطة هامة هي أن التفاعل لا يتم بين أفراد فحسب، بل يقع بين الجماعات والنظام والمؤسسات أيضاً، ولعل من أهم مشكلات هذا المدخل أن الظروف المحيطة بالمجتمعات المحلية في الوقت الراهن لا تتفق تماماً مع التعريفات التي حددت لمفهوم التفاعل من قبل الغالبية العظمى من علماء الاجتماع، فالتفاعل هو علاقة المواجهة المباشرة بين شخصين أو أكثر بحيث يتعين على كل فرد أن يضع الآخرين في اعتباره وتقديره عند قيامه بفعله، غير أن شمول أو احتواء كل أعضاء المجتمع في شبكة التفاعل على هذا النحو أمر يندر أن يتحقق إلا في أبسط المجتمعات المحلية وأصغرها حجماً خاصة وأن كبر الحجم وزيادة التعقيد وتنوع المصالح والاهتمامات قد تحول دون حدوث التفاعل على نحو مباشر وشمولي، ويميل بعض العلماء إلى الجمع بين مدخل الأنساق والمدخل التفاعلي، بحيث لا يقتصر تحليلهم إلى وحدات أو أنساق فرعية متفاعلة داخل المجتمع المحلي، ويشير رونالد وارن إلى محاور أفقية ورأسية للتفاعل أما المحور الأفقي فيتضمن علاقة الفرد أو الجماعة بالجماعة داخل مكان أو إقليم محدد، بينما يتضمن المحور الرأسي علاقة الفرد بالجماعات المحلية أو الأنساق الفرعية، أو علاقة الوحدات والجماعات المحلية بوحدات أو جماعات إقليمية أو قومية أكثر شمولاً، وباختصار يوفر هذا المدخل أداة تصورية أكثر ملائمة لوصف تفسير العلاقات المتداخلة بين مختلف الوحدات التي يتركب منها المجتمع المحلي.

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  390

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )