• ×
  • تسجيل

الجمعة 17 أغسطس 2018 اخر تحديث : 08-17-2018

قائمة

د.مشنان فوزي
بواسطة  د.مشنان فوزي

"مدرسة شيكاغو": رحلة السوسيولوجيا إلى العالم الجديد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
"مدرسة شيكاغو": رحلة السوسيولوجيا إلى العالم الجديد
لعبد المومن محو
22 مايو 2016
• الأكثر مشاهدة

في أوروبا، كانت نشأة السوسيولوجيا كعلم مستقل في القرن التاسع عشر مع الرواد الأوائل، خصوصاً الفرنسي إميل دوركهايم (1858-1917)، والألماني ماكس فيبر (1864-1920). لكن هذا العلم الذي سماه الفيلسوف أوغست كونت (1798-1857) في بداياته بـ"الفيزياء الاجتماعية"؛ هو ابن الحراك الاجتماعي، لذلك سيعرف نشأة جديدة على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.
ستترسخ السوسيولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية مع مطلع القرن العشرين كعلم مستقل له أساتذته وشُعبه والتمويل الخاص لأبحاثه، وذلك لأول مرة في التاريخ وفي جامعة شيكاغو بالضبط.
في كتابه "مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضّر والهجرة"، الصادر في طبعته الأولى بداية هذا العام عن "دار أفريقيا الشرق" في الرباط، يحاول الأكاديمي المغربي عبد الرحمن المالكي، في أربعة أقسام ومقدمة، تقريب القارئ العربي والمتخصّص في علم الاجتماع، تحديداً من الظروف العامة التي ساهمت في بناء اتجاه خاص في علم الاجتماع؛ وهو سوسيولوجيا التحضّر والهجرة، الذي وَسَم متن المشتغلين بعلم الاجتماع في "جامعة شيكاغو" الأميركية، والتي أطلقت عليها تسمية "المدرسة" أسوة بمدرسة فرانكفورت الألمانية.
تكمن أصالة هذه "المدرسة" في انبثاقها من أحضان المؤسسة الجامعية الأميركية الفتية آنذاك، ورسمها لموضوع خاص في البحث؛ وعلم الاجتماع الحضري مثال ساطع على ذلك، لأن مختلف مؤرّخي السوسيولوجيا يجمعون على أن الفضل في نشأته يعود إلى "مدرسة شيكاغو". لكن هذا لا يعني - بحسب المؤلف - أنها انفصلت عن أعمال الفكر السوسيولوجي الأوروبي الحضري.
إن كل رائد من الروّاد الأوائل لعلم الاجتماع (إميل دوركهايم، ماكس فيبر، جورج زمل)، اهتم بظاهرة المدينة وحاول تناولها انطلاقاً من زاوية النظر الخاصة به، خصوصاً بعد المشاكل الناجمة عن الثورة الحضرية التي عرفتها أوروبا آنذاك.
دوركهايم، كما يتضح من خلال كتاباته كلها، كان متشبّعاً كمعظم فلاسفة ومفكري عصره بفكرة "التقدّم" خصوصاً في أطروحته "تقسيم العمل الاجتماعي". في هذا الكتاب، التقى دوركهايم بمسألة كيفية احتلال الإنسان للمجال وتغييره وسيرورة خلقه للمدينة، وذلك من خلال سعيه لتفسير عملية الانتقال من مجتمعات التضامن الآلي إلى مجتمعات التضامن العضوي.
مسألة الانتقال هذه عند صاحب "قواعد المنهج في علم الاجتماع"، ستشكّل بالنسبة لعلماء الاجتماع الذين سيهتمون بالمجتمعَين القروي والحضري الأساس الذي سينطلقون منه لوضع مختلف النظريات الثنائية التي تُسمّى عند بعض العلماء نظرية السمات وعند البعض الآخر نظرية المتصل الريفي-الحضري.
يقول المؤلف: "ومن الأكيد أيضاً أن روّاد مدرسة شيكاغو وبالخصوص لويس ويرث (1897-1952) قد شكلوا امتداداً للاتجاه الوضعي في الدراسات الحضرية. (...) لويس ويرث في دراسته التركيبية المتميزة عن التحضّر كمنط للعيش ينخرط في خط فكري يربطه مباشرة بدوركهايم".
لكن الفرق الذي نجده بينهما؛ هو أن دوركهايم كان يبجّل المدينة، بينما يركز ويرث ورفاقه على الوجه البئيس للمدينة، وعلى مختلف الأمراض والانحرافات الاجتماعية التي تجد فيها أرضيتها الخصبة.
يرى المؤلف عبد الرحمن المالكي، في مقدمة كتابه، أن "كل التجديد السوسيولوجي ما يزال ينطلق من هناك، من جامعة شيكاغو، ومن قسم علم الاجتماع بالذات، وكل التيارات الرائدة اليوم (...)، لا زالت تمتح من معين لم ينضب بعد، معين مدرسة اتفق مؤرّخو علم الاجتماع على تسميتها "مدرسة شيكاغو"".
لقد أولى العلماء الذين كان لهم فضل تأسيس "مدرسة شيكاغو"، خاصة وليام توماس، وروبرت بارك، ولويس ويرث، اهتماماً كبيراً لظاهرة التحضّر وسيتمكّنون من خلال دراستهم وأبحاثهم حول مختلف الظواهر الحضرية وضع الأسس الممهدة لظهور فروع السوسيولوجيا الأخرى (سوسيولوجيا العائلة، علوم الإجرام، صناعة الرأي العام وغيرها من المجالات)، من ثم يتضح تأثير هذه المدرسة في كل فروع السوسيولوجيا عموماً.
ما يميّز "مدرسة شيكاغو" عن المحاولات السوسيولوجية السابقة، إضافة إلى التخصّص الحضري، كونها اعتمدت البحث الإمبريقي في عملها. لقد كانت الأبحاث السوسيولوجية قبل ذلك موجّهة صوب "التحقيقات الاجتماعية" الموسومة بالأخلاقية.
كما أن المنهجية المعتمدة من طرف روّاد "مدرسة شيكاغو" وتلامذتهم، هي التي تنطلق من الفرد، أو الفاعل الاجتماعي؛ لأنه لا يمكننا أن نفهم التفسيرات الجماعية لكل سلوك إلا إذا اعتبرناها من وجهة نظر الفاعل.
إن روّاد "مدرسة شيكاغو"، سيتطرّقون للظواهر/ المشاكل الاجتماعية التي تتناسل وتتفاعل في "مختبر اجتماعي فريد" اسمه مدينة شيكاغو. ومن بين تلك الظواهر/ المشاكل هناك ظاهرة الهجرة وما يرتبط بها من تحديات تدخل في إطار ما تعرفه المدينة من "تحضّر" بمعنييه الكمي والكيفي.

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  126

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )