• ×
  • تسجيل

الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 اخر تحديث : 11-20-2018

قائمة

د.مشنان فوزي
بواسطة  د.مشنان فوزي

حول علم الاجتماع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حول علم الاجتماع
علم اجتماع الحاسوب
علم الاجتماع الأنثوي
الديموجرافيا الريفية
علم اجتماع الجريمة

علم اجتماع العائلة (الأسري)
علم اجتماع الدين
علم اجتماع السوق
علم اجتماع العلم والتكنولوجيا

علم اجتماع السلوك الجمعي
علم اجتماع الإعلام
علم الاجتماع الرياضي
علم اجتماع الكوارث
علم الاجتماع التعليمي
علم الاجتماع النفسي
علم الاجتماع البدوي والصيدي
علم الاجتماع العسكري
علم اجتماع الشيخوخة
علم اجتماع الفن والفراغ
علم اجتماع العواطف
علم اجتماع المعرفة
علم اجتماع اللغة
علم اجتماع العلم
علم اجتماع النوع والجنس
علم اجتماع العمل
علم اجتماع الصراع الدولي
علم اجتماع السلوك الجمعي

المصدر: معلومات صادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع:
Himes, J. S. And W. E. Moore. Study of Sociology. Atlanta: Scott Foreman, 1968: pp. 33-35.
ومن ثم فيهتم علم الاجتماع الريفي بالدراسة العلمية للسلوك الاجتماعي بالمناطق الريفية. كما يمكن تعريفه أيضا بطريقة أكثر موضوعية بأنه الرؤية المحكمة الدقيقة لأنماط العلاقات الإنسانية الريفية المتباينة ومحاولة تفسيرها من خلال معرفة أسبابها ونتائجها ثم اقتراح السياسات والأساليب والإجراءات التي تؤدي إلى رفاهية السكان الريفيين من خلال تحقيق المستويات الأفضل من الرخاء الاقتصادي والرفاء الاجتماعي والرضاء النفسي للغالبية العظمى من هؤلاء السكان دون جور على حق الأجيال القادمة وتأكيدا على قضية استدامة التنمية الريفية.
ويعرف المرحوم الأستاذ الدكتور محمد منير الزلاقي مؤسس العلوم الاجتماعية الزراعية في الوطن العربي وأستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة الإسكندرية علم المجتمع الريفي تعريفا مميزا كما يلي:
علم المجتمع الريفي أي الشئون الاجتماعية الريفية هو الفرع من علم المجتمع التطبيقي الذي تتناول مباحثه المجتمع الريفي أي البنيان الاجتماعي الريفي. فهو إذن العلم الذي يشمل مجموعة الحقائق والروابط القائمة بينها مصاغة في صورة أفكار وآراء وأساليب وتخمينات أي ظنيات ونظريات ونواميس (قواعد أي نحو) يهتدي بها الإنسان أي ينحو نحوها في السيطرة على القوى الاجتماعية المتعلقة بتنشئة وتطوير تركيب المجتمع الريفي مستهدفا من ذلك خير السبل إلى مقاومة الآفات الاجتماعية الريفية وإلى تحسين مستوى الحياة الإنسانية الريفية من النواحي التي لا تطرقها مباحث العلوم الزراعية الاجتماعية الأخرى (الزلاقي، 1958:2).
علاقة علم الاجتماع الريفي بالعلوم الأخرى
مكانة علم الاجتماع الريفي بين العلوم: إذا نظرنا إلى المخلوقات الكونية وحاولنا تقسيمها إلى فئات متنوعة أو متميزة فيمكن أن نحصرها في ثلاث طوائف: الطائفة الأولى هي المخلوقات غير العضوية مثل الرمال والصخور والتربة وغير ذلك. أما الطائفة الثانية فهي المخلوقات العضوية وهى التي تتكون أساساً من مركبات الكربون والهيدروجين والأكسجين وغير ذلك، وهى قد تكون مخلوقات حية أو مخلفاتها. فالمخلوقات الحية تتمثل في المخلوقات العضوية الجسدية البشرية والنباتية والحيوانية. وهنا يجب أن نشير بالنسبة للمخلوقات العضوية البشرية إلى أنها مجرد مادة عضوية. وتتميز هاتان الطائفتان من المخلوقات الكونية بأنهما مرئيتان أو محسوستان أي يمكن إدراك وجودهما المادي بواحدة أو أكثر من الحواس الإنسانية الخمس.
أما الطائفة الثالثة فهي طائفة المخلوقات فوق العضوية، وهى نوع من المخلوقات الكونية التي تتسم بوجود ذاتي وبكيان استقلالي يمكن إدراكه من خلال المنطق العلمي. والفرق هنا بين هذه الطائفة من المخلوقات وبين الطائفتين السابقتين هو أنه لا يمكننا إدراك وجود هذه المخلوقات بأي من الحواس البشرية الخمس، وذلك لأن هذه المخلوقات فوق العضوية مخلوقات غير مرئية أو غير محسوسة. فإذا نظرنا إلى شخص معين فإننا نرى فيه نوعين من المخلوقات أولهما أنه مخلوق عضوي له ملامح معينة وتركيب أو هيئة جسدية معينة، وكذلك نرى فيه أيضاً مخلوقاً آخر هو الذي يكمن فيه كيانه الإنساني وهو "الشخصية"، إذ يمكن النظر إلى هذه الشخصية أو ذلك المخلوق فوق العضوي على أنه مخلوق مصاحب لذلك المخلوق العضوي الإنساني، ولكنه في نفس الوقت يجب أن ننظر إلى هذه الشخصية على أن لها كيانا مستقلا مختلفا عن الكيان العضوي، ويمكن تعريفها مثلاً بأنها عبارة عن البنيان الانتظامي الذي يتكون من العادات والمواقف الفكرية والمناويل المعيارية للأفعال الاجتماعية والعقائد والأخلاقيات التي يفرق الإنسان بواسطتها بين الصواب والخطأ.
وعندما تلتقي شخصيتان أو أكثر في موقف اجتماعي معين بحيث يتم هذا اللقاء بصورة متكررة ومنتظمة وشاملة فإنه يتكون لدينا مخلوق فوق عضوي على مستوى أعلى من التعقيد وهو "الجماعة". وهنا يجب أن نشير أيضاً إلى أن الجماعة تعتبر مخلوقاً فوق عضوي له وجود مستقل عن الوجود العضوي للأفراد أو المخلوقات العضوية البشرية المكونة لهذه الجماعة، بمعنى أنه إذا توفى أحد أعضاء هذه الجماعة فإنها سوف تبحث من خلال قيادتها عن شخصية أخرى تقوم بتنفيذ الدور الاجتماعي الذي كان يؤديه هذا الفرد المتوفى. وعلى ذلك فالجماعة تبقى وتعيش بصورة أبدية في الوقت الذي يموت فيه أعضاؤها ويحل محلهم آخرون.
ثم تنطوي أيضاً المخلوقات فوق العضوية على نوع آخر هو "المجتمع المحلى" الذي يتكون بدوره من كل متكامل تتكون أجزاؤه من جماعات مستقلة مترابطة. ثم يعتبر "المجتمع الكبير" الذي يضم عدداً من المجتمعات المحلية مخلوقاً فوق عضوي آخر أكبر حجما وأكثر تعقيدا.
وهكذا تعتبر كل من الشخصية والجماعة والمجتمع المحلى والمجتمع الكبير من المخلوقات فوق العضوية التي لها وجود مستقل وكيان ذاتي منفصل عما تنطوي عليه هذه المخلوقات من مخلوقات عضوية وغير عضوية مصاحبة لها. ويمكننا أيضاً النظر إلى "الثقافة" على أنها مخلوق فوق عضوي كما يمكن النظر إلى "الفردية" Persona - التي يمكن أن نطلق عليها الشخصية الانفرادية ـ على أنها مخلوق فوق عضوي أيضاً. وتنطوي الفردية أو الشخصية الانفرادية على الميول والاتجاهات السلوكية وأنماط السلوك الفردية التي يسلكها شخص معين في عزلة أو في تحرر من القيود الاجتماعية ومن توقعات الأدوار الاجتماعية، أما "الشخصية" Personality فهي اجتماعية، أي تمثل أنماطا سلوكية فردية وعقائد وأفكار وميول واتجاهات وعادات وأخلاقيات يحكمها المجتمع ويلتزم فيها الشخص بالقيود الاجتماعية وبتوقعات الأدوار الاجتماعية. وعلى ذلك يمكننا تلخيص ما سبق في الرسم التوضيحي التالي:

مخلوقات فوق عضوية Super organic
مخلوقات غير محسوسة

1. الفرديـــــــة Persona
2. الشخصيــــة Personality
3. الجماعـــــــة Group
4. المجتمـع المحلـى Community
5. المجتمع Society
6. الثقافة Culture

مخلوقات عضوية Organic
مخلوقات محسوسة

1. الإنســإن (كلحم ودم عظام)
2. الحيـــوان
3. النبـــات
4. المترممــات

مخلوقات غير عضوية Inorganic

1. الرمـــال
2. الصخــور
3. الزجــاج
4. التربـة

شكل 1. المخلوقات الكونية Universal Creatures
وإذا نظرنا إلى البيئات المختلفة التي تتكون من وجود المخلوقات الكونية السابق توضيحها فيمكننا إدراك وجود ثلاثة أنواع مختلفة من البيئة. النوع الأول هو البيئة الطبيعية Natural environment، وهى التي تنطوي على المخلوقات غير العضوية والمخلوقات العضوية، والنوع الثاني هو البيئة الاجتماعية Social environment، وهى التي تنطوي على المخلوقات الاجتماعية. كما يحيط الإنسان كذلك نوع آخر من البيئة هو ما يسمى بالبيئة الميتافيزيقية Metaphysical environment ، وهى التي تنطوي على الغيبيات التي يعتقد فيها الإنسان. والإنسان ينغمس في هذه البيئات الثلاث يؤثر عليها وتتأثر به دون تفريق منه لكل نوع من هذه البيئات، وإنما يحدث هذا التفاعل مع جميع هذه البيئات التي تتواجد في صورة ممتزجة لدرجة أنها تكون بيئة واحدة للإنسان لا يحس بها وهى الحياة.
تقوم كافة أنواع العلوم بدراسة تلك الحياة أو تلك البيئة الكونية الشاملة للإنسان حيث تقوم العلوم الطبيعية Natural or physical sciences بدراسة البيئة الطبيعية (المخلوقات غير العضوية والعضوية)، وتقوم العلوم الاجتماعية سابقة الذكر Social sciencesبدراسة البيئة الاجتماعية (المخلوقات الاجتماعية سابقة الذكر أعلاه)، وتقوم العلوم الإنسانية Humanities بدراسة الغيبيات والروحانيات والفنون والآداب واللغة والفلسفة وغيرها.
ويقع علم الاجتماع الريفي في هذا المنظومة المتكاملة للعلوم كفرع تطبيقي لأحد فروع العلوم الاجتماعية وهو علم الاجتماع، ومن ثم فيشترك علم الاجتماع الريفي مع بقية العلوم الاجتماعية وكذلك مع بقية العلوم كلها في تطوير وإعمار الكون الذي نعيش فيه، ذلك الذي يسمى بأمنا الأرض Mother earth.
ولم يكن لعلم الاجتماع الريفي في بداية نشأته في مصر ذلك المفهوم العصري لهذا العلم حيث كان ينظر إليه كما سبق الذكر على أنه يمثل المورد البشري في الكون الاقتصادي الريفي. ولذلك كان يعبر الزلاقي (1958: 2 مكرر 3) عن هذه النظرة بقوله أن "علم الاقتصاد الزراعي يختص بدراسة الكون الاقتصادي الزراعي بموارده الطبيعية والبشرية من الناحية الاقتصادية الزراعية أي من الناحية القيمية بينما يختص علم المجتمع الريفي فقط بدراسة الشطر من ذلك الكون الاقتصادي الزراعي المعروف بالمجتمع الريفي أي البنيان الاجتماعي الريفي أي يختص بدراسة الموارد الاقتصادية الزراعية البشرية من ناحية معينة، هي الناحية الاجتماعية الزراعية التي لا يطرقها علم الاقتصاد الزراعي ولا غيره من العلوم الاجتماعية الزراعية الأخرى."
ويضيق المجال هنا على أية حال عن ذكر العلاقة العضوية بين علمي الاقتصاد الزراعي والاجتماع الريفي، والتي تتمثل في وجود عدد من أقسام علمية تسمى "الاقتصاد الزراعي والاجتماع الريفي" في الجامعات الأمريكية يقارب تلك التي تسمى "قسم الاجتماع الريفي" أو تلك التي تسمى "قسم الاقتصاد الزراعي". ولتفصيل العلاقة بين علمى الاقتصاد الزراعي والاجتماع الريفي يمكن للقارئ الرجوع إلى مؤلف "علم الاجتماع الاقتصادي: الأصول الاجتماعية للتنمية الاقتصادية" (جامع، 2010). ولتوضيح ذلك فعليا قام الباحث بعمل إحصائية بسيطة تمثل عدد أقسام الاجتماع الريفي المنفصلة، وعدد أقسام الاقتصاد الزراعي المنفصلة، وعدد أقسام الاقتصاد الزراعي والاجتماع الريفي المتحدة في أمريكا وقد وجدت كالتالي:
أقسام الاقتصاد الزراعي المنفصلة = 6 قسما.
أقسام الاجتماع الريفي المنفصلة = 6 قسما.
أقسام الاقتصاد الزراعي والاجتماع الريفي المتحدة = 5 قسما.
وبالطبع هناك أعداد أكبر من أقسام الاقتصاد الزراعي والاجتماع الريفي تعطي درجة الدكتوراه ولكن بمسميات أعم من مسمى "قسم الاقتصاد الزراعي" Dept. of Agricultural Economics أو مسمى "قسم الاجتماع الريفي" Dept. of Rural Sociology، مما يدل أيضا على العلاقة العضوية بين التخصصين اللذين أنشئا أصلا في ما يسمى بجامعات هبات الأرض الحكومية[2] Land-grant universities.
هذا وقد أصبح الكثير من اهتمام علم الاجتماع الريفي ينصب الآن على الأعمال الزراعية التجارية Agribusiness والجوانب الاجتماعية للإنتاج المزرعي، والهجرة الريفية والجوانب الديموجرافية السكانية الريفية، والبيئة الريفية وتنمية الرفاهية الاجتماعية، والسياسات الخاصة بالحيازة الزراعية، والصحة الريفية، والتعليم الريفي، والشباب والمرأة الريفية، والطبقات الاجتماعية الريفية، والإدارة المحلية، والقيادة الريفية، والمشاكل الاجتماعية الريفية.....وإلى غير ذلك. وسنتحدث عن ذلك بالتفصيل في الفصل التالي.

العلاقة العضوية بين علم الاجتماع الريفي والإرشاد الزراعي
لم تكن صدفة أن تتزامن نشأة علم الاجتماع الريفي كمجال علمي في الولايات المتحدة مع نشأة العمل الإرشادي Extension work أو الخدمات الإرشادية Advisory service فيها أيضا. ويعبر عن ذلك توالي ظهور المرسومين المتعلقين بنشأتهما وهما مرسوم هاتش Hatch Act عام 1887 والخاص بالدراسة العلمية للمجتمعات الريفية في محطات التجارب الزراعية، ومرسوم سميث-ليڤر Smith-Lever act عام 1914 والخاص بإنشاء الإرشاد التعاوني الزراعي. وفي هذا السياق ذكر لارسون Olaf Larson (2010) أن من يتتبع خصائص الخدمات الإرشادية في الولايات المتحدة وتغيراتها عبر الزمن يمكنه أن يدرك بسهولة الإسهامات الخاصة بعلم الاجتماع الريفي في تطور الإرشاد الزراعي بالولايات المتحدة. هذا وقد ساعدت أيضا الأوضاع المؤسسية التي أدت إلى نشأة علم الاجتماع الريفي على فهم وإدراك تلك الإسهامات في تطور الإرشاد الزراعي.
وقد ذكر لارسون خمسة مجالات ساهم فيها علم الاجتماع الريفي في تطور الإرشاد الزراعي تعتمد في مجملها على أن علم الاجتماع يمكن الإرشاد من فهم وتحليل المشكلات والمواقف التي تتطلب قرارات سياساتية، بالإضافة إلى فهم الإرشاد نفسه والحاجة إليه. ومن هذا المنطلق فإن الدولة التي لا تهتم مؤسسات التعليم العالي فيها بعلم الاجتماع الريفي وبالعلوم الاجتماعية الزراعية الأخرى لا يمكن أن ينشأ أو يصح فيها الإرشاد الزراعي. وهذا بالضبط هو ما قاله أولريك نيتش Ulrich Nitsch (1988: 50-56) عندما يقول معترضا على الأصوات التي طالبت بتخفيض ميزانية الخدمات الإرشادية في السويد أو إلغائها تماما لما قام به الإرشاد الزراعي من تطور هائل للزراعة السويدية، وما ترتب عليه من استنزاف للموارد وتلوث للبيئة والغذاء والماء واعتداء على الطبيعة، حيث قال أن العلاج ليس في إلغاء ميزانية الإرشاد الزراعي أو في تخفيضها، وإنما هو في دعوة جميع كليات الزراعة إلى ضرورة إنشاء أقسام للاجتماع الريفي والعلوم الاجتماعية الأخرى لتمكن الطلاب والمهنيين الزراعيين الآخرين من فهم أفضل للزراعة وتمكنهم من تطويرها مستقبلا، وتوضح الملامح الزراعية الجديدة والسياسات البيئية الجديدة التي تعتمد على مواجهة التلوث، والحفاظ على الموارد القابلة للنضوب، والحفاظ على فراغ بيئي ريفي، وتجسيد الجوانب الأخلاقية في الإنتاج الحيواني، وإحياء التنمية الريفية بوجه عام. وهنا يصبح للإرشاد الزراعي رسالة هامة، حيث يجب أن يتعلم الإرشاديون معالمَ كثيرةً مناسبةً لهذه الرسالة يوفرها لهم علم الاجتماع الريفي والعلوم الاجتماعية الزراعية الأخرى، منها الفهم الحقيقي لمفهوم الإنتاجية والكفاءة الزراعية الذي يشتمل على المعايير الاجتماعية والبيئية والأخلاقية.
وعودة إلى المجالات الخمسة التي ذكرها لارسون بالنسبة لمساهمة علم الاجتماع الريفي في تطور الإرشاد الزراعي نجدها تشتمل على ما يلي: أولا: إدراك المفاهيم الأساسية المرتبطة بالإرشاد مثل عمليات تبني المستحدثات الجديدة ونشرها، ومفهوم الفعل الاجتماعي، والقيادة، والجماعات المحلية، والجماعات غير الرسمية. ثانيا: إسهامات تتعلق بالأساليب التي أنشأتها البحوث الاجتماعية والتي يمكن تطبيقها أو استخدامها في الإرشاد الزراعي، وذلك مثل أساليب تحديد الجماعات المحلية والتعرف عليها Locality group identification and delineation، والأساليب السوشيومترية للتعرف على الجماعات غير الرسمية وعلى قياداتها. ثالثا: فهم السياق الاجتماعي للمشكلات والذي يتطلب اتخاذ قرارات سياساتية عامة تتعلق بنظام الإرشاد الزراعي نفسه. رابعا: فهم السياق الاجتماعي للمشكلات والذي يتطلب اتخاذ قرارات تتعلق بأداء الإرشاد الزراعي وإجراءاته. خامسا: إسهامات اجتماعية ريفية تتعلق بالبحث العلمي في المؤسسة الإرشادية أو النظام الإرشادي نفسه وتقييم الإرشاد الزراعي من حيث كونه منظمة، وبرنامج، وطرق، ونتائج، ومن بينها البرامج ومحطات التجارب الإرشادية الزراعية. هذا ويؤكد لارسون في النهاية على أن الاتجاه الذي اتخذه الإرشاد الزراعي في الولايات المتحدة قد خلق المزيد من الإحتياج إلى المعارف الاجتماعية الريفية، وهو في ذلك يتفق تماما مع العلامة السويدي نيتش سابق الذكر أعلاه الذي يعمل الآن أستاذا للتعليم الإرشادي الزراعي بجامعة أبسالا السويدية.
القضايا الرئيسية المعاصرة والمرتقبة لعلم الاجتماع الريفي
بالرغم من وجود علم الاجتماع الريفي ضمن الأركان الأساسية للتعليم الزراعي في أمريكا وأوربا منذ مطالع القرن العشرين إلا أنه للأسف الشديد لا يزال ينظر إليه في بيته كما لو كان غريبا عن الزراعة. وتزداد هذه النظرة فيما بين هؤلاء "العلماء" الزراعيين الذين يعتقدون أن الزراعة ليست سوى زراعة النبات، أساسا، ثم قد تنطوي في نظرهم على تصنيع المنتجات الزراعية، ورعاية الحيوانات والدواجن وتربيتها، أما أن تنطوي الزراعة على الاقتصاد الزراعي فهو من قبيل الرفاهية، ثم أن تنطوي على الإرشاد الزراعي فهو من قبيل الترف الزائد، وأما أن تنطوي على المجتمع الريفي فهذا هو الضلال بعينه. ويقع في هذا الخطأ من ينظرون إلى البيئة على أنها النبات والحيوان والتربة والماء، وينسون أبسط تقسيمات الإيكولوجيين إلى البيئة، والمتفق عليها بلا منازع، على أنها تتكون مما يلي على سبيل المثال:
1. المجال الطبيعي للبيئة Physical sphere: والذي ينطوي بدوره على المجال الطبيعي Natural sphere بالإضافة إلى المجال الحيوي Biosphere.
2. المجال التكنولوجي أو المصنوع للبيئة Techno-sphere: والذي يشتمل على كل ما هو من صنع الإنسان.
3. المجال الاجتماعي للبيئة Socio-sphere: وهو الذي يشتمل على الإنسان ليس كمجرد لحم ودم حيث يدخل بهذه الخاصية ضمن المجال الطبيعي، وإنما كبشر يعملون، يعمرون، ويخربون، بسلوكهم الفردي والجماعي المتمثل في المنظمات والنظم والمؤسسات الاجتماعية وكذلك بقيمهم الأخلاقية وعقائدهم الثقافية.
ولذلك كان من الضروري أن يشير المؤلف إلى عرض موجز "للأجندة" التخصصية لعلم الاجتماع الريفي بعرض مهامه وقضاياه الأساسية، حاضرا ومستقبلا، ورسالته في مصر خصوصا فيما يلي:
أولا: تقييم وعرض المنافع والإسهامات التنموية الخاصة بالعلوم الاجتماعية الريفية، وخاصة علم الاجتماع الريفي، سواء كان تقييما كيفيا أم كميا. ولابد هنا من التحدث عن العلوم الاجتماعية الريفية الزراعية الأربعة (الاجتماع الريفي، والاقتصاد الزراعي، والإرشاد الزراعي، والاقتصاد المنزلي الريفي)، فهي في هذا المقام، يستحيل، كما لا يجب، الفصل بينها إذ تشترك جميعها في تطوير السلوك الاجتماعي الريفي وعلاقاته بالظواهر الطبيعية الزراعية الأخرى بالقرية[3].
ثانيا: التقييم النقدي للاتجاهات النظرية Theoretical ، والمنهجية Methodological، والموضوعية Thematic لعلم الاجتماع الريفي المصري والخارجي منذ نشأته في مصر بالذات، ثم اقتراح التطورات اللازمة للتواؤم مع التغيرات المحلية والعالمية المقبلة في القرن الجديد وذلك فيما يتعلق بهذه الجوانب الثلاثة. ويركز هذا النشاط على عرض ببليوجرافية مقيمة ومقترحات وتوجهات مبتكرة من أجل إعادة بناء علم الاجتماع الريفي Reconstruction of rural sociology.
ثالثا: تحليل الجوانب الاجتماعية للنظم الزراعية، مع التركيز على الزراعة الحيوية (العضوية، المستدامة، زراعة الأولويات البيئية، زراعة المدخلات القليلة المستمرة Low Input Sustainable Agriculture (LISA)، الزراعة البديلة Alternative agriculture...إلخ من مسميات أخرى)، وذلك في ظل الحاجة إلى الصيانة البيئية وزيادة الطلب على المنتجات الزراعية النظيفة الصحية وخاصة بالنسبة للتصدير، وتركيز تطبيقها في محافظات سيناء والإسماعيلية والفيوم والوادي الجديد، علاوة على المحافظات المطبقة فيها حاليا.
ولا يزال علم الاجتماع الزراعي مجالا تخصصيا في غاية من الأهمية. ويقول باتيل Buttel (2002) أن التطورات المعاصرة قد أثارت العديد من القضايا التي تتطلب جهود الاجتماعيين الريفيين وخبراتهم. وتشتمل هذه القضايا على: سلاسل الانتاج والاستهلاك عابرة القارات للسلع والخدمات، واللبرالية العالمية الجديدة في مجال الزراعة والتي في ظلالها تخضع كل من المصالح العامة من ناحية ومصالح صغار الزراع من ناحية أخرى لمصالح الشركات الزراعية، والحركة التصنيعية المتطورة في الثروة الحيوانية، وأخيرا استخدام التقنيات الحيوية. وفي الاتجاه المعاكس يطالب باتيل بضرورة رصد ودراسة القوى المضادة مثل تلك الخاصة بحركات التظاهر والإضراب وجماعات المستهلكين التي قد تحد من هذه الاتجاهات اللبرالية، وتؤدي إلى خلق نظام زراعي يتسم بدرجة أعلى من العدالة الاجتماعية.
وتظهر بالإضافة إلى الموضوعات السابقة حاجة ملحة إلى دراسة النظم الغذائية المحلية، والزراعة المدنية Civic agriculture (لايسون Lyson، 2005)، وأيضا العمران الحضري في المناطق الزراعية المحيطة بالمدن الكبرى. ولا زال هناك أيضا قضايا أخرى تنتظر جهود الاجتماعيين الريفيين مثل القضايا المتنوعة لكافة أشكال الاستهلاك بدءًا بالاستهلاك الغذائي حتى أشكال استعمال الفضاء الريفي أو البيئة الريفية. ثم هناك أيضا دراسة قضايا التغذية وبدائل الغذاء والسمنة بدرجاتها المختلفة تنتظر اهتمام الباحثين الاجتماعيين الريفيين أيضا، وهي جميعها قضايا تساهم في خلق الرابطة المفتقدة بين علماء البيولوجيا من ناحية والاجتماعيين الريفيين من ناحية أخرى.
رابعا: علم الاجتماع الريفي البيئي الذي اشتعل في أمريكا منذ السبعينات بصفة خاصة، ولا زال. وقد ازداد كذلك اشتعاله في أوربا وفى أجزاء من العالم الثالث في التسعينات، ويبدو أنه لن يخبو في المستقبل المرئي لما تتعرض له البيئة من تهديد مستمر أمام طاحونة المنافسة والتطور المادي المتلاحق. ما هو البرنامج العلمي والتنفيذي البيئي الذي يجب أن يتبناه علم الاجتماع الريفي حتى يبرز الدور الركيزي الذي يلعبه المجال الاجتماعي والثقافي البيئيSocio-cultural sphere أمام المجال المادي الطبيعي Natural sphere، و الحيوي Biophysical sphere الذي يصعب على البيئيين وغيرهم رؤية سواه. ويحتار الباحثون الاجتماعيون اليوم في التعريف أو المفهوم النظري والإجرائي للمجال البيئي الاجتماعي والثقافي، حيث قد استغرق بعضهم وغرق بالفعل فيما يسمى بالتلوث، حتى أنهم ابتكروا مسميات مثل التلوث الديني والخلقي. فما هو المفهوم الصحيح لهذا المجال؟ وما المقصود بالتنمية البيئية، وكيفية قياسها؟ وما هو التواؤم البنائي الأمثل بين الشقين البيئيين المادي والاجتماعي؟ وما هي قضية السببية بين هذين الشقين؟ أي بمعنى آخر، هل تسود الماركسية البيئية وسبق فعل المجال الحيوي الطبيعي، أم تسود الفيبرية البيئية بسبق فعل المجال الاجتماعي والثقافي؟ وهل ستحدث مصالحة بين الحداثة والتغير الاجتماعي بالنسبة لنوعية البيئة وصيانتها والحفاظ عليها؟ وكيف؟ وما هي آفاق الصيانة البيئية المصرية عامة، والريفية والزراعية بصورة أخص؟
خامسا: الدور الذي يمكن أن يلعبه علم الاجتماع الريفي في التحول من مشروع التنميةDevelopmentalist project إلى مشروع العولمة Globalization project : لقد بدأ مشروع التنمية بعد الحرب العالمية بينما بدأ مشروع العولمة يزهو منذ مؤتمر بريتون وودز عام 1944م. صحيح أن العولمة قد تكون قديمة قدم التاريخ بسيطرة حضارة معينة على حضارات العالم الأخرى وتغلغلها فيه، ولكن ما يحدث اليوم بفضل ثورة المعلومات والإلكترونات غير مسبوق على الإطلاق. إن مشروع العولمة يعتمد في جوهره على تطبيق نظام السوق الرأسمالية عالميا، وإعادة بناء الأسواق لتتحول من العلاقات الوطنية أساسا إلى العلاقات العالمية أساسا، بما ينطوي عليه ذلك من جهود نشطة لإعادة البناء السياسي والاقتصادي الوطني. وقد حدث ذلك في مصر، ولكن على علماء الاجتماع الريفي أن يعملوا أيضا على إقناع متخذ القرار بضرورة إعادة البناء الإداري والاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يتمشى مع إعادة البناء الاقتصادي، بل ولا مجال لنجاح التحرر الاقتصادي نفسه دون اقترانه بالتحرر الإداري والثقافي والاجتماعي والسياسي. لماذا؟ لأن التغير والتحول هو في الأساس تحول اجتماعي، هو تحول في القرار البشرى، هو تحول في الاختيار. ومن ثم فلا غرر حين نقول أن علم الاقتصاد ليس علم حسابات وخسائر أو عوائد وتكاليف، وإنما هو في الأساس علم اختيار، وللحق ليس هذا قولنا وإنما هو قول سامويلسون نفسه، عالم الاقتصاد المرموق. ولا يعنى مشروع العولمة زوال المحلية والتباينية الثقافية، فليس هناك تناقض موروث بين العالمية والخصوصية الثقافية. ويمكن هنا لعلم الاجتماع الريفي أن يعزز من قضاياه وموضوعاته التقليدية مثل الريفية، والإيكولوجيا، والنظم الغذائية الزراعية. كما تفرض العولمة تحديات خطيرة يلعب فيها العلماء الاجتماعيون الريفيون دورا ركيزيا يتمثل في التنمية البشرية، والبعد الاجتماعي، والآثار المترتبة على التدرج الطبقي الاجتماعي والتهديد الواقع على الطبقة الوسطى وانتشار الفقر، وأساليب اعتماد مبدأ الكفاءة حتى نتمكن من السباحة في طوفان العولمة.
سادسا: تحقيق التوفيق والتآزر بين مشروعي التنمية والعولمة: بعد أن برزت العواقب الوخيمة للتصنيع والتصنيع الزراعي، والبطالة الناتجة عن التطبيقات التكنولوجية والزحف الحضري الفائق والتدهور البيئي بدأ العلماء يفقدون الثقة في منظومة التنمية وبهروا بسحر كلمة الاستدامة Sustainability. يقول العلماء الاجتماعيون المؤيدون لمشروع العولمة أن "التنمية" كانت بالفعل هي سيد مصطلحات ومفاهيم العلوم الاجتماعية، وأنها كانت السبيل إلى التطور والارتقاء كما أظهرتها التجربة الأوروبية، وأنها استراجيية دولة يمكن تكرارها من دول إلى أخرى، وأنها نجحت في إقامة مؤسسات عالمية ودولية تقوم بتنفيذها من خلال التقدم التكنولوجي الزراعي والصناعي، إلا أن أزمة الديون في الثمانينات قد فككت هذه المؤسسات، وأدت إدارة الديون إلى تأسيس قاعدة تنظيمية تسمى "العولمة" كإطار مؤسسي بديل يحمل في طياته رسالة إلى الدول مقتضاها أن تتوقف الدول عن التنمية وتسعى لمهمة أخرى هي أن تتبوأ مكانا لها في الاقتصاد العالمي. فإذا كانت التنمية تدعي أنها تسعى إلى تضييق الفجوة بين العالم الأول والعالم الثالث فإننا نجد أن الفرق في الناتج الوطني الكلى للفرد بين دول العالمين الأول والثالث قد ازداد من 2191 دولار عام 1950 إلى 4839 دولار عام 1975م (أنكي و هوجيلت Ankie and Hoogyelt، 1987: 58).
هذا ويرى علماء آخرون عكس ذلك حيث يعتقدون أن المشروع التنموي قد حقق نجاحا هائلا، فقد نجح على الأقل في دمج ما يتراوح بين 10 إلى 40% من سكان دول العالم النامي ضمن الطبقات العالمية الغربية الغنية، وكذلك في دمج هذه الدول في اقتصاد السوق العالمي (سوزان و سابيللي Suzan and Sabelli، 1994: 147).
والعولمة ليست ظاهرة حديثة إلا أن النظر إليها كقواعد منظمة للعالم لهو الأمر الحديث بالفعل. فبينما كان المشروع التنموي ينظم العالم من خلال أعمال الدولة ومؤسساتها، فإن مشروع العولمة ينظم العالم من خلال ترسيخ الرأسمالية من خلال الإدارة الاقتصادية للعالم، وذلك من خلال التخصص وليس من خلال التكرار كما كان الحال بالنسبة للمشروع التنموي. إن نخبة المشروع التنموي ورعاته كانوا مدراء الدولة وحكامها وبيروقراطيوها، أما رعاة مشروع العولمة ونخبته فهم بجانب مدراء الدولة فئة جديدة تتمثل في الصفوة من رجال المال والأعمال وأصحاب الشركات عابرة الحدود بالإضافة إلى مديري المؤسسات المشتركة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، إلا أن مدراء الدولة وحكامها في ظل العولمة مطالبون من رعاة العولمة هؤلاء أن ينفذوا سياساتهم بلا مناقشة أو اعتراض.
إننا نرى أن مشروع التنمية لم يندثر تاركا مكانه لمشروع العولمة، ولكننا نرى أن كلا منهما مكمل للآخر، وكل منهما شرط ضروري لحياة الآخر. فالعلاقات العالمية لا يمكن تصورها دون كيانات محلية تتمثل في الدول والمناطق والمجتمعات المحلية. كما أن الكيانات المحلية لا يمكن أن يكون لها معنى دون سياق أكبر تتواجد فيه وتتعامل معه[4]. لم تتمكن الولايات المتحدة نفسها، الملك المتوج للعولمة، بل ولم تحاول، أن تقضى على كياناتها المحلية السياسية أو أن تذيب طوائفها العرقية أو أن توحد الثقافات الفرعية في بنياناتها السياسية والديموجرافية والثقافية. هذا وتسعى الولايات المتحدة أن تعلى ثقافتها الماكدونالدية الهامبرجرية الرأسمالية الفردية فوق الثقافات العالمية من هاديها إلى أطلنطيها، كما تسعى إلى تحقيق مصالحها الوطنية جهارا نهارا دون مراعاة لمصلحة العالم كيانا موحدا كان أم دولا أم شعوبا ثرية كانت أم غارقة في ظلمات الفقر والجهل والمرض والمجاعات.
لو ظنت العولمة أنها ستقضى على المحلية والوطنية فهي في وهم لم توقظه منه أحداث وشنجتن في عقر دارها، ولو ظنت الوطنية والانعزالية والمحلية أنها ستعيش بمعزل عن العولمة فهي في وهم لن يوقظه منها إلا مقاطعة عالمية ونبذ سياسي بل وضربات عسكرية تآمرية موجعة قاضية. ومن ثم فعلى علماء الاجتماع الريفي أن يساهموا من خلال دورهم كعلماء من ناحية ومواطنين من ناحية أخرى مع زملائهم العلماء الاجتماعيين والمثقفين والناشطين السياسيين أن يعززوا من خلق وتنشيط الإرادة السياسية التي تمكن الحكومة من التدخل في مسار التنمية والرجوع إلى القيام بدورها النشط في وضع سياسات التنمية والتخطيط لها، وخلق وتنشيط البنية الأساسية لها سواء كانت مادية أو مؤسسية، وتحقيق العدالة وتنشيط العمل الشعبي في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وتفعيل نظم الثواب والعقاب، والقضاء على الفساد وغير ذلك الكثير من مهام الدولة العديدة والبالغة الأهمية.
سابعا: الدور الذي يمكن أن يلعبه علم الاجتماع الريفي في دراسة التنظيم الإيكولوجي الريفي ودينامياته: يمثل هذا الموضوع أحد الدعائم الأساسية التي بني عليها علم الاجتماع في بدايات هذا القرن، ولا زال كذلك. إلا أن علم الاجتماع الريفي قد حمل الراية عن علم الاجتماع في هذا المجال عندما ركز علم الاجتماع على التعميمات والاستنباطات النظرية العامة المتحررة من شروط المكان. فللمكان وتاريخه دور هام في تشكيل النظم الاقتصادية والاجتماعية والسيكولوجية والثقافية والديموجرافية. فما هو نطاق الحرية الذي يمكن أن يلعبه المخطط وواضع السياسات التنموية في تشكيل الهياكل الاستيطانية، وفى استقبال التغيرات العولمية وتقبلها؟ وما هو النطاق المكاني الأمثل للعزب والقرى والمراكز والمحافظات التي يمكن أن تحقق الإدارة اللامركزية اللازمة للاقتران بالتحرر الاقتصادي والعولمة كأحد صور الحرية والتحرر الاجتماعي وإتاحة الفرصة للقرار الذاتي في ظل الاستفادة من خبرة الحكومة المركزية وتوجيهاتها في نفس الوقت؟ تهدف الخطط التنموية القادمة إلى الاستيطان على 25% من مساحة مصر، أي مضاعفة المساحة خمس مرات على الأقل في فترة زمنية قصيرة، أي تحدي إيكولوجي هذا، ذلك الذي يواجه علم الاجتماع الريفي!! نفكر منذ زمن بعيد في الأقاليم التي استقر عليها الآن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ولكن أي دور لعبه علماء الاجتماع الريفي والجغرافيا الاقتصادية والجغرافيا السياسية في ذلك؟ سيظل هذا الموضوع في مصر، كما ظل على مستوى العالم، مجالا حيا لعلم الاجتماع الريفي. ولذلك فيبدو لنا أنه جزء ركيزي من "أجندة" علم الاجتماع الريفي المصري في القرن الحادي والعشرين.
ثامنا: الحكم المحلى واللامركزية والمشاركة الشعبية: وهي قضية محورية لا يمكن لانطلاق الطاقات الكامنة، ولاشتعال روح المنافسة الحميدة، وتوفير الحرية وتوسيع فرص الاختيار أمام المجتمعات المحلية الريفية والحضرية أن تنطلق بدونها لنواجه بها، ونسبح من خلالها في، طوفان العولمة القادم لا محالة. وعلى علماء الاجتماع الريفي أن ينبهوا Educate، ويحثوا Advocate بل حتى وينشطوا في الدهاليز الخلفيةLobby من أجل النهوض بالحكم المحلى في ظل الإدارة المركزية للدولة بطبيعة الحال. والمثل في ذلك ما اتخذته الدولة وأجهزتها بالفعل في نطاق برامج وسياسة التحرر الاقتصادي التي كان لابد منها للإصلاح الاقتصادي. وما الحكم المحلى واللامركزية والمشاركة الشعبية إلا الصورة الاجتماعية للإصلاح الاجتماعي التي يجب أن تقترن بالإصلاح الاقتصادي وإلا فلن ينجح الأخير.
تتحطم الكثير من مشروعات وبرامج التنمية على صخرة البيروقراطية وثعالبها القابعة على سلم الهرم التدرجي المركزي المرتفع الممتد من القاهرة إلى المحافظات إلى المراكز إلى القرى. التجميع التدريجي للإدارات نزولا من الوزارات التنفيذية إلى الوحدات المحلية القروية، والتغيرات المؤسسية الهيكلية والتنظيمية والتشريعية، وتوزيع المخصصات المالية للمحليات وزيادتها النسبية مع زيادة مصاحبة لاختصاصاتها ومهامها، تمثل وغيرها ما يمكن أن يقترحه الاجتماعيون الريفيون لتحقيق اللامركزية والحكم المحلى والمشاركة الشعبية.
تاسعا: الأسرة الريفية ومنظور "الجندرة" وتفعيل دور المرأة الريفية في التنمية: وهي قضية لا تشغل علماء المجتمع الريفي فقط، وإنما تمتد الآن لتشغل اهتمام الهيئات الأجنبية والمحلية المانحة للمعونات التنموية، كما تشغل اهتمام القيادات والهيئات التنفيذية المحلية. ما هو المطلوب من المرأة الريفية في ظل وحدتها المعيشية؟ وماذا تطلب المرأة الريفية نفسها؟ نحن نمجد دورها في التنمية ونشكو لها من ثقل وزيادة أعباء دورها الاجتماعي والاقتصادي، وفى نفس الوقت نعمل على تفعيل دورها ونطالب بتنشيط إسهامها في التنمية؟ هل هذا تناقض قولي، أم ماذا نحن في الحقيقة بصدده؟ قضية تحتاج إلى المناقشة والتوافق الفكري بين الاجتماعيين الريفيين.
عاشرا: التنمية البشرية: وهي قضية قديمة قدم علم الاجتماع الريفي، وازدهرت في مصر في الستينات وأوائل السبعينات تحت مسمى "بناء الإنسان"، وازداد بريقها في العقد الماضي بصفة خاصة. وكان من عناصرها الأساسية زيادة فرص الاختيار أمام الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وتجسدت مؤشراتها لتعبر عن مفهومها وفلسفتها في متوسط الدخل الفردي، والعمر المتوقع عند الميلاد، ومستوى انتشار الهجائية أو مدى انعدام الأمية، وذلك فيما يسمى بمؤشر التنمية البشرية Human Development Index (HDI). إن التنمية على مثل هذه المحاور لا تصلح إلا للمجتمعات المصابة بالمجاعات، أما المجتمعات التي تسعى إلى اللحاق بمصاف الدول الرائدة فتحتاج إلى الكثير مما هو فوق ذلك. التنمية البشرية هي تنمية سيكولوجية للشخصية، وتنمية للقدرات الاجتماعية، وتنمية للقدرات الاقتصادية، وتنمية للقدرات السياسية، وكذلك تنمية للقدرات الثقافية. التنمية البشرية هي تنمية للقدرات البشرية وتنمية للتراث العلمي والفكري الذي صنعه البشر أنفسهم. وينطوي كل من هذه المحاور على عناصر ومؤشرات تساعد في توجيه المؤسسات التعليمية والحكمية والاقتصادية والأسرية والدينية على تفعيل مهامها وزيادة كفاءتها. هذا هو التحدي الذي يجابه الاجتماعيين الريفيين والمسيسين ومتخذي القرار التنموي.
حادي عشر: المؤسسات والمنظمات الريفية الحكومية والأهلية: وهي موضوع علم المجتمع الريفي التقليدي أيضا. ولكن هل يجوز لنا أن نستمر بمنهجنا التقليدي في دراسة البناء المادي والبشرى والمهام والفاعلية والكفاءة ومحدداتهما؟ لقد كثرت دراسات دور هذه المنظمات في التنمية وكيفية تفعيلها. هل سنستمر في ذلك بنفس النمط الدراسي التقليدي؟ وماذا يمكن أن نفعله من أجل تحقيق تحول جذري إيجابي في مهام هذه المؤسسات وتلك المنظمات، مرة أخرى في ظل التحولات العالمية وسياسات التحرر الاقتصادي وتخلى الدولة نسبيا عن دعم الكثير من وظائفها التقليدية وتركها للقطاع الخاص والمجتمع المدني؟
ثاني عشر: المحور الاجتماعي للفقر المزمن: وهو يلزم دراسته سواء من حيث أسبابه، أو من حيث عواقبه، أو من حيث القضاء على هذا الفقر في المجتمعات الريفية المصرية. الفقر قضية تنتظر الاجتماعيين الريفيين للإدلاء بدلوهم. ويرتبط هذا الموضوع إلى حد كبير بدراسات المجتمع المحلى Community studies، وليس بمجرد البناء الاقتصادي للمجتمع المحلى حيث تتأصل فيه وتزمن كل من ازدواجية البرجوازي الأمير والأجير الفقير، وصاحب العمل والعميل، والتي يتطلب القضاء عليهما إتاحة الفرصة وتوصيل الموارد للفقير حتى يكون هو نفسه صاحب عمل، ومن هنا تأتى حكمة الصناعات والمشروعات الصغيرة والمتناهية في الصغرSmall and micro-enterprises. ولكن إذا عدنا إلى المحور الاجتماعي لإزالة الفقر فيعتقد علماء الاجتماع الريفي أنه يسكن فيما يسمى برأس المال الاجتماعي Social capital. ويتمثل رأس المال الاجتماعي في العلاقات الاجتماعية التي تستطيع بناء مجتمعات محلية حية، تأقلمية، مستدامة، تتمكن فيها كل من معايير الثقة المتبادلة بين أعضائها وعادات التكافل والتعاون المتبادل من تيسير كل من الانتقال أو الحراك الاجتماعي والتغير الاجتماعي، مجتمعات تتسم بالمشاركة والالتزام الاجتماعي، مجتمعات مرنة تقبل الاختلافات العرقية والقبلية وتتسم بالتسامح. إنها قضية تعبر عن مدى ارتباط فرص الحياة بنوعية العلاقات الاجتماعية المحلية.
ثالث عشر: الإبداع والابتكار في الدراسات السكانية: وهي قضية تنتظر الاجتماعيين الريفيين على رأس الاقتصاديين والجغرافيين السياسيين والجغرافيين الاقتصاديين. القضية ليست مجرد معدل زيادة سكانية فقط، وانخفاض نصيب الفرد من كعكة أو فطيرة الناتج الوطني. وإنما المهم هو تحسين نوعية السكان وقدراتهم، وتوزيع الزيادة السكانية وتنظيم المجتمعات والمستقرات والمناطق الجديدة بالطريقة التي تؤدى إلى أمثل العوائد والمنافع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يندرج ذلك على كل من المجتمعات الريفية والحضرية.
ولا زالت المؤتمرات السكانية العالمية ابتداءً من مؤتمر السكان العالمي في بوخارست سنة 1974م وخطة عمله الأولى الخاصة بسكان العالم، حتى مؤتمر الأمم المتحدة الدولي للسكان في نيو مكسيكو عام 1994م وإعلانه في هذا العام، لا زالت هذه المؤتمرات تركز على التحيز الحضري ضد الريف، ولا زالت تركز على التنمية الريفية وضرورة التنمية الاقتصادية الريفية حتى تتوقف الهجرة الريفية إلى الحضر بأمراضها المترتبة عليها. إن هذا المنظور ليس بالخطأ، ولكنه لم يعد يضرب المسمار على الرأس جيدا، وخاصة في مجتمع مثل مصرنا الحبيبة. المشكلة لأساسية في مصر هي ضيق الحيز الريفي الطبيعي أمام هذه الزيادة السكانية وأمام جهود التنمية الريفية المتصلة بما يمكن أن يترتب عليها من إخلال بيئي بجميع معانيه الطبيعية والحيوية والاجتماعية والسيكولوجية والثقافية.
ولذلك ظهرت أهمية المشروعات العملاقة كجنوب الوادي وتنمية سيناء. ولكن القضية ليست بناء وتعمير مناطق جديدة لزيادة المساحة المأهولة فقط، وإنما ما نحتاج إليه من إبداع للاجتماعيين الريفيين هو تغيير أنماط الإقامة، وتغيير أنماط الاستغلال الإيكولوجي، وإعادة توزيع الخدمات والموارد المرتبط بها في الوادي القديم مع المناطق المستحدثة حتى تقل كثافة الحمولة السكانية في الوادي القديم نفسه بريفه وحضره، وتتحسن نوعية الحياة بكل معانيها في الريف والحضر على السواء.
رابع عشر: دور الاجتماعي الريفي الجامعي المعاصر: ينحصر دور خريج علم الاجتماع الريفي في شقين أساسيين الشق الفني أو المهني وشق المواطنة العادية. ويتضمن الشق الفني الالتزام بحل المشكلات الاجتماعية الريفية بالإضافة إلى تدريس علم الاجتماع الريفي وتوصيل معلوماته إلى طلاب هذا المجال الذي يصحح التشوهات المتعلقة بنظرة الناس للمناطق الريفية وللمجتمع الريفي ودوره في المجتمع الكلي. فهناك النظرة إلى الريفي على أنه إنسان متخلف غير ذكي غير طموح ولا يمارس القيادة ولا يقوى على العمل الرشيد العاقل إذا ما قورن بسكان المدن.
ويقوم الاجتماعي الريفي من خلال دوره المهني الذي يمارسه في عمله كمحلل ريفي أو كمستشار في تخطيط وتنفيذ برامج التنمية الريفية المحلية بمحاولة الإجابة علي مثل الأسئلة التالية:
1. ما هي الهيئة أو الوحدة الاجتماعية في القرية التي يجب أن يعمل معها الاجتماعي الريفي بصورة أساسية من أجل تحقيق أعلى درجات الفعالية؟
2. كيف يمكن اكتشاف نمط التأثير والتأثر في المجتمع الريفي وكيف يمكن استخدام هذا النمط من أجل تيسير تقبل المستحدثات والتكنولوجيات والمفاهيم الجديدة والممارسات المحسنة في كافة مجالات التنمية؟
3. كيف يمكن تحديد القنوات الموجودة لنشر المعلومات في القرية وكيفية استخدامها في تبني الممارسات الجديدة؟
4. كيف يمكن العمل في مواجهة الانقسامات والأحزاب المتعارضة والمعارضة لبرامج التنمية الريفية المحلية؟
لا شك أن المعرفة والمهارات التي يكتسبها دارس علم الاجتماع الريفي تمكنه من اكتشاف الإجابات العملية لمثل هذه الأسئلة السابقة، كما توجهه بطريقة صحيحة إلى للتعامل مع مثل هذه المواقف. أما شق المواطنة في دور الاجتماعي الريفي فيشمل ممارسته لحقه في التعبير عن قيم معينة وقناعات خاصة بالإضافة إلى الانضمام إلى الحركات الإصلاحية والجماعات والمنظمات الأهلية ذات الأهداف التنموية والمشاركة الإعلامية والسياسية من أجل تحقيق تلك القيم والأهداف التنموية.

المراجع
الزلاقي، محمد منير (دكتور)، المجتمع الريفي: معالم رئيسية في المنوال المجتمعي الريفي المصري، قسم الاقتصاد الزراعي، كلية الزراعة جامعة الإسكندرية، الشاطبي، الإسكندرية، 1958.
جامع، محمد نبيل (دكتور)، علم الاجتماع الاقتصادي: الأصول الاجتماعية للتنمية الاقتصادية، الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2010.
جامع، محمد نبيل (دكتور)، علم الاجتماع المعاصر ووصايا التنمية، الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2010.
جامع، محمد نبيل، فائدة البحوث الاجتماعية للتنمية الوطنية، السجل العلمي لمؤتمر دور التقنيات والبحوث الاجتماعية في التنمية الريفية، المنعقد بواسطة الجمعية المصرية لعلم الاجتماع الريفي، المنعقد في كلية الزراعة بكفر الشيخ، 25 يونيو 2001، المجلد الأول، ص ص 1-20.
Himes, J. S. And W. E. Moore. Study of Sociology. Atlanta: Scott Foreman, 1968: pp. 33-35.
Larson, Olaf F. Contributions of rural sociology research and evaluation to extension development in the United States, Wiley Interscience Journal, 2010.
Nitsch, Ulrich. The legitimacy of the agricultural extension service, Agricultural and Human Values, Vol. 5, No. 4, 1988, pp. 50-56.
Buttel, Frederick H “Environmental Sociology and the Sociology of Natural Resources: Institutional Histories and Intellectual Legacies.” Society and Natural Resources. 2002, 15: 205-211.
Lyson, Thomas, Civic Engagement on University Research Farms, Culture and Agriculture, Vol. 27, No. 2, pp. 109–121. ISSN 1048-4876. © 2005
Ankie M. M. Hoogvelt. The Third World in Global Development. London: Macmillan, 1987, p. 58.
Susan, George and Fabrizio Sabelli. Faith and Credit: The World Bank’s Secular Empire. Boulder, Co: Westview Press, 1994, p. 147.

[1] استخلص هذا الجزء من جامع، محمد نبيل، علم الاجتماع الريفي والتنمية الريفية، الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2010.

[2] تمثل المسميات الأخرى علي سبيل المثال بالنسبة للاقتصاد الزراعي:
- Department of Agricultural Sciences في جامعة West Texas A&M.
- School of Economic Sciences في Washington State University.
- Department of Agricultural and Applied Economics في حوالب أربع جامعات.
- Department of Applied Economics في حوالي أربع جامعات أيضا.
- Department of Agricultural and Resource Economics في جامعات عديدة. وكذلك الحال بالنسبة للاجتماع الريفي كما سبق ذكر ذلك في الفصل الأول من هذا الباب.

[3] لرؤية تفصيلية للمنافع والإسهامات التنموية الخاصة بالعلوم الاجتماعية الريفية انظر جامع، محمد نبيل، فائدة البحوث الاجتماعية للتنمية الوطنية، السجل العلمي لمؤتمر دور التقنيات والبحوث الاجتماعية في التنمية الريفية، المنعقد بواسطة الجمعية المصرية لعلم الاجتماع الريفي، المنعقد في كلية الزراعة بكفر الشيخ، 25 يونيو 2001، المجلد الأول، ص ص 1-20.

[4] للنظر إلى بعض الأمثلة التى توضح التحليلات السياقية للعلاقات المحلية أنظر:
Dale Tomich, “Small islands and huge comparisons: Caribbean Plantations, historical unevenness, and capitalist modernity,” Social Science History 18: 1994, pp. 339-358 and Lourdes Gouveia, “global strategies and local linkages: the case of U.S. Meatpacking industry.” Pp. 125-148 in From Columbus to Con Agra: The Globalization of Agriculture and Food, edited by A. Bonnano, L. Busch, W. H. Friedland, L. Gouveia, and E. Mingione. Lawrence, KS: University Press of Kansas

المصادر
http://www.uobabylon.edu.iq/uobColeges/lecture.aspx?fid=8&depid=3&lcid=45456
http://dar.bibalex.org/webpages/mainpage.jsf?PID=DAF-Job:37278
http://arbsustainabledevelopment.blogspot.com.eg/2011/05/blog-post_30.html
http://drsayedghonim.blogspot.com.eg/2014/05/blog-post_1.html

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  164

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )