• ×
  • تسجيل

الأربعاء 1 أبريل 2020 اخر تحديث : 04-01-2020

قائمة

خديجة بوطالب
بواسطة  خديجة بوطالب

مفهوم المعيار الأساس لدى هانز كلسن

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
استعمل مؤسس المدرسة الوضعية في علم الاجتماع اوغست كونت Augustcomteمفهوم الوضعيةpositivisme للدلالة على منهاجه الخاص خلال القرن التاسع عشر،وقد اشتق كونت هذا المفهوم من الاتجاهات الفلسفية التي شكلت مناخ ذلك العصر،الذي يمكن وصفه بأنه وضعي ،تعتقد هذه الاتجاهات الفكرية بأن المعرفة الواقعية تتحقق باستخدام الأسلوب العلمي في البحث عن الحقيقة انطلاقا من الملاحظة و التجربة.
يرى أوغست كونت أن التفكير الإنساني مر بثلاثة مراحل:مرحلة التفكير الديني، ثم مرحلة التفكير الميتافيزيقي،وأخيرا مرحلة التفكير الوضعي،وفي هذا الصدد يقول كونت:"من دراسة تطور الذهن البشري في كل الاتجاهات و خلال كافة الأزمنة، ينبلج لدينا اكتشاف لقانون أساسي عظيم.يخضع له بالضرورة ، ونرى أن له أساسا برهانيا ثابتا، سواء في وقائع منظماتنا أوفي تجربتنا التاريخية، القانون هو هذا:...يمر على التوالي خلال ثلاثة شروط نظرية مختلفة،اللاهوتية أو الخرافية، والميتافيزيقية أو التجريدية و العلمية أو الوضعية، و بعبارة أخرى فإن العقل البشري بطبعه يستخدم في تقدمه ثلاثة مناهج للتفلسف، تختلف خصائصها اختلافا جوهريا،بل وتتقابل تقابلا جذريا فيما بينهما وأعني بها: المناهج اللاهوتية و الميتافيزيقية والوضعية" .
يتخلى العقل في المرحلة الأخيرة (الوضعية)عن بحثه عن المفاهيم المطلقة وعن أصل الكون ومصيره وعن علل الظواهر،ويهتم بدراسة قوانينها وعلاقاتها الثابتة في التعاقب والتماثل،فيشكل الفكر والملاحظة وسائل المعرفة فيهذه المرحلة حسب كونت . وهكذاتعتبر الوضعية أن كل الظواهر تخضع لقوانين طبيعية ثابتة، وأن العالم savant عليه أن يكتشف هذه القوانين، انطلاقا من الملاحظة و التجربة.
ولا غرابة في أن تؤثرهذه الروح العلمية في كل مجالات المعرفة والآداب والفنون،وهكذا امتد تأثيرها إلى القانون، بحيث نزع القانونيون إلى بناء نظرية قانونية على أسس علمية، وذلك من خلال بناء علم للحق على شاكلة العلوم الطبيعية،إذ يؤكد دينيس لويد:"أن ميل الوضعي القانوني إلى إعلان استقلال القانون وإصراره على معاملته كعلم كان له تأثير كبير على مستقبل النظرية القانونية التي أثارت بدورها كما هو الحال في مثل هذه القضايا رد الفعل الخاص بها، ففي القرن التاسع عشر ارتدى العلم رداء الهيبة بسبب الانجازات العظيمة التي حققها في مضماري المعرفة النظرية والتقنية...وساد شعور بأنه يجب تنظيم كل ميدان من ميادين الدراسة على أسس علمية إذا ما أريد له أن يسهم في مسيرة التقدم العامة التي رسمت الأساليب العلمية طريقها" ،.
وفي هذا الصدد، تحضر النظرية الخالصة للحق للفقيه النمساوي هانز كلسنHans Kelsen ،الذي عمل على بناء نظرية خالصة للحق، وذلك بتنقية مشروعه القانوني من كل الشوائب الخارجية، مستلهما مشروعه من كانط،الذي قام بتنقية المذهب الأخلاقي doctrine morale من كل العناصر الخارجية عندما افترض وجود آمر مطلق ،إذ في المقابل نجد كلسن يفترض وجود المعيار الأساس norme fondamentale لتحقيق نظام قانوني متكامل وقائم بذاته، ومن أجل ذلك بحث كلسن عن خصوصية الظاهرة القانونيةوجوهر الحق،وذلك في أفق تحديد موضوع علم الحق.
موضوع علم الحق
يقتضي بناء علم للقانون وفق نموذج العلوم الطبيعية تمييز العلم عن موضوعه، أي علم القانون عن الحق باعتباره موضوع علم،لأن العلم يفهم على أنه معرفة بموضوع خارجي،هذا الموضوع يجب تحديده وصفا دون حمله على أحكام قيمية، والموضوع الذي يمكن دراسته على هذا النحو هو القانون الوضعي الصادر عن الهيآت المكلفة بتشريع القوانين، مع استبعاد القانون الطبيعي أو الأخلاقي .
يحدد هانز كلسن خصوصية الظاهرة القانونية و جوهر الحق في المعيار،إذ يقول في هذا الصدد :"لفهم المعنى الخصوصي للحق كما يرسل إلى الأفراد ...لتحديد دلالة مختلف الظواهر القانونية(ترخيص، واجب، منع،اختصاص...)حتى يمكننا القول بأن هذا السلوك الإنساني يتطابق مع الحق أو لا يتطابق معه، يجب أن نعتبر أن الحق يوجه ويمنع ويسمح للأفراد بأن يسلكوا وفق طريقة معينة،ويرخص بتنفيذ أفعال لها خاصية آثار قانونية نوعية،و الحال أن توجيه ومنع وترخيص لها وظائف معيارية،و حدها المعايير يمكن أن ننجزها،إذن لا يمكن أن نفهم المعنى الخصوصي للحق،إلا إذا نظرنا إليه باعتباره مجموعة من المعايير" .
تشكل المعايير موضوع علم الحق،باعتبارها معايير تطرح وتسن في مجال اجتماعي، يعتقد هانز كلسن أن المعيار يبدأ بالملاحظة،إنه عبارة عن خطاطة تأويليةschéma d’interprétation تمنح معنى للأحداث الجارية كما تتجلى للعيان تدريجيا في زمان ومكان ما،فيعطي المعيار القانوني دلالة قانونية للأفعال الخارجية الممكن ملاحظتها،وفي هذا السياق يقول كلسن:"في الواقع تحليل أي فعل كيفما كان، والذي له طبيعة قانونية أو له علاقة بالحق كقرار برلماني أو فعل إداري أو حكم أو عقد أو جنحة، يمكن أن نميز بين عنصريين: الأول فعل أو سلسلة أفعال، ممكن إدراكها بواسطة معاني، و هي تتجلى للعيان في الزمان و المكان، إنها سيرورة خارجية لسلوك إنساني، العنصر الثاني هو دلالة الفعل...أفراد يجتمعون في صالة يلقون خطابات،فيرفع البعض أياديهم والبعض الآخر لا يرفعها، تعتبر هذه هي السيرورة الخارجية،التي تحيل قانونيا على قانون يصادق عليه، قانون ينشأ ...أمثلة أخرى إنسان يلبس بذلة و يجلس في مقام عالي يتلفظ بكلام يوجهه إلى إنسان واقف أمامه،تدل هذه السيرورة على أنه يصدر حكما، حسب القانون" .
يعتبر علم الحق علما معياريا موضوعه المعايير، إذ تشكل الظاهرة المعيارية شرطا لاستقلالية النظرية القانونية و اكتشاف جوهر الحق،ف"كل المشاكل يجب أن تطرح وتحل بوصفها مشاكل نسق معياري"حسب تعبير كلسن ،وتشكل الظاهرة المعيارية نسقامن المعايير يتميزبالصلاحيةvalidité ،فلا يمكن اعتبار المعيار عنصرا مكونا للنسق المعياري إلا إذا اتصف بالصلاحية،التي يحصل عليها من خلال علاقته بباقي المعايير الأخرى المشكلة للنسق القانوني،وبالتالي يجب النظر إلى صلاحية المعايير في مجموع النسق القانوني،باعتباره نسقا تدرجيا،أي يتشكل من درجات،وتتوحد هذه المعايير برابط مشترك يتمثل في الصلاحية، فالمعيار الأعلى يؤكدصلاحية المعيار الأسفل بواسطة تفويض فعلي ،ويوضح ألبير بريمو هذا النسق التدرجي أو الهرمي بقوله:"كل قاعدة تبدو كفعل تنفيذ في علاقتها مع القاعدة العليا، وفعل تشريع في علاقتها مع القاعدة السفلى التي إليها تنقل الصلاحية" .
تدرج المعايير
يؤكد هانز كلسن أنه لا يمكن تعريف المعيار إلا ضمن النسق القانونيفقط،لكن المعيار هو أولا دلالة ملفوظ،فكيف يكتسب الملفوظ دلالة معيار قانوني سواء بالنسبة لمن يرسله أو من يتلقاه ؟
إذا أخذنا المثالين التاليين:
المثال الأول: يأمر السارق ضحيته: أعطني المال وإلا قتلتك.
المثال الثاني:يأمر الجابي المواطن الذي يجب عليه أداء الضريبة: أد الضريبة وإلا تضاعف مبلغها.
يشبه المثال الأول المثال الثاني في صيغة الأمر،غير أن المثال الأول يفتقد لدلالة معيار قانوني عكس المثال الثاني الذي يمتلكها،مما يوضح عدم وجود معيار قانوني بدلالة ملفوظ له دلالة ذاتية للمعيار من وجهة نظر كاتبه أو قائله فقط، ولكن يجب كذلك أن يتوفر على دلالة موضوعية للمعيار من وجهة نظر معيار أعلى، وهكذا فكلا الصيغتين لهما دلالة ذاتية للمعيار،فالسارق يأمر ضحيته بإعطائه المال،وكذلك الجابي يأمر المواطن بأداء الضريبة، لكن فقط أمر الجابي هو الذي له دلالة موضوعية للمعيار من وجهة نظر القانون، لأن هذا الأخير كفل له حق أمر المكلفين بأداء الضريبة،فتطابق أمر الجابي مع معيار أعلى هو القانون، هو الذي أقر له دلالة معيار .
يميز كلسن بين نوعين من الدلالة: دلالة موضوعية و المقصود بها ما هو كائن sein، ودلالة ذاتية المقصود بها ما يجب أن يكونsollen،ومن أجل أن يكتسب المعيار وصف معيار قانوني يجب أن تكون له دلالة ذاتية للمعيار من وجهة نظر الفاعل الذي أراد توجيه موجه إلى الآخر، ودلالة موضوعية بالنسبة إلى الآخر الذي أرسل إليه المعيار،والذي ينبغي أن ينظر إلى هذا الفعل بوصفه معيارا قانونيا يجب الخضوع له، ويستمد هذا الفعل قانونيته من معيار أعلى .
لا يكفي أن يمنح الفاعل لفعله دلالة معيار ليكتسب خاصية معيار قانوني، بل يجب أن يتم داخل مجال اجتماعي مخصص لذلك،كما يجب أن يكون منسجما مع معيار أعلى، مما يسمح بالتمييز بين المعيار القانوني مثل الأمر الصادر عن الجابي و المعيار غير القانوني كالأمر الصادر عن السارق،وفي هذا الصدد يقول كلسن:" نسمي معيارا عندما يوافق معيارا آخر سواء لأنه أنشئ بموجب سلطة منحها له هذا المعيار،أو سواء لأن محتواه يجب أن ينظر إليه كاستنتاج لمعيار أعلى، كيفما كان المعيار قانونيا أو أخلاقيا أو دينيا. إنه ينتمي إلى نسق من المعايير أو نسق معياري...يكون المعيار قانونيا إذا كان ينتمي إلى النسق القانوني" .
لا يكتسب-إذن-الفعل خاصية معيار قانوني إلا عبر مرجعية معيار قانوني آخر أنجز بموجبه،فيتمتع المعيار بالصلاحية القانونية عندما يتطابق مع معيار قانوني أعلى، و هذا ما دفع روني كابيتوRenet Capitant إلى القول بأن النظرية الخالصة للحق عند هانز كلسن تقوم على آلية قانونية mécanique juridique .
يجب النظر إلى صلاحية المعايير ضمن النسق القانوني المتميز بشكله التدرجي أو الهرمي، فالمعيار الأعلى يمنح صلاحية المعيار الأسفل، وهذا الأخير يستمد صلاحيته من المعيار الأعلى،ولقد ورد عند كلسن في هذا الصدد:" يعتبر النسق القانوني نسقا من المعايير غير موضوعة في نفس المقام، لكنه نسق له طبقات متعددة ومركبة، هرم أو تدرج مشكل من عدد من طبقات المعايير القانونية" .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من أين يستمد الدستور صلاحيته باعتباره أعلى قانون في الدولة؟
المعيار الأساس
يعتبر المعيار قانونيا إذا كان متوافقا مع معيار أعلى،وهذا الأخير بدوره يستمد صلاحيته من معيار أعلى منه، وبالتالي يعتبر العقد معيارا قانونيا عندما يكون متوافقا مع القانون، ويعتبر القانون قانونيا عندما يكون متوافقا مع الدستور، لكن الدستور باعتباره أعلى معيار في الدولة من أين يستمد صلاحيته؟
افترض هانز كلسن المعيار الأساس،الذي يعتبر فرضية أساسية لتأسيس الدستور باعتباره معيارا قانونيا،فالدستور مثله مثل باقي المعايير يستمد صلاحيته من معيار أعلى مفترض يسمى المعيار الأساس norme fondamentale أو الدستور الأصلي الافتراضي constitution originaire hypothétique،يحدد صلاحية كل المعايير القانونية،باعتبارها مجموعة من الموجهات prescriptions المشكلة للنسق المعياري،ومن ثم ف"المعيار الأساس ليس معيارا حقيقيا لكنه قرارا ابستيمولوجيا: قرار معالجة مجموعة من المعايير منها الدستور الأكثر سموا بوصفها نسقا قانونيا" .
لقد وضع كلسن على عاتق المعيار الأساس مسؤولية بناء علم للحق، إذ يقول:" المعيار الأساس الافتراضي يجيب على السؤال التالي: كيف يمكن للقانون الوضعي أن يكون ممكنا كموضوع للمعرفة، كموضوع للعلم " ،فهل فعلا تمكن من بناء علم للحق على شاكلة العلوم التجريبية و سلم من الانتقادات؟
حاول هانز كلسن بناء علم للقانون موضوعه المعايير،التي ترتبط فيما بينها بعلاقة أفقية،فالمعيار الأعلى يمنح الصلاحية للمعيار الأسفل منه مباشرة،مما يستبعد مسألة صراع المعايير،لأن النسق يتصف بالانسجام، حيث لا يمكن أن توجد معايير حق ضد معايير حق،فالمعيار إما صالح و موجود وإما غير صالح وغير موجود. في الواقع إن القول بأن صلاحية المعيار لا تتم إلا ضمن النسق القانوني يماثل مقاربة فيرديناند دي سوسير للغة الذي يؤكد على أن" العلامة ليست لها معنى إلا ضمن النسق الذي تنتمي إليه و بنفس الصيغة يمكن القول أن المعيار ليست له صلاحية إلا ضمن النسق القانوني الذي ينتمي إليه " .
غير أن النظر إلى النسق القانوني باعتباره نسقا كاملا مغلقا و منظما ذاتيا، تعرض للعديد من الانتقادات، فيعتبر مشيل تروبر عبارة تدرج المعايير تعبيرا مخادعا، لأنه يروم تمثيل الحق وفق نموذج منسوخ عن النظام العسكري الذي يتكون من أشخاص لهم رتب عسكرية يمكن تغييرها، فالهرمية العسكرية هي أمر، بخلاف المعايير التي لا توجد خارج الهرم، ولا يمكن أن نقول إنها متدرجة، فقط النسق القانوني الذي يمكن القول بأنه هرمي .
كما أن النسق القانوني يتأسس على مبدأ الحسم principe de l’imputation الذي ينظم العلاقة بين المعايير، فهو يقبل نقطة بداية،تتمثل في المعيار الأساس الذي يؤسس صلاحية المعايير،مما يخالف مبدأ السببية في العلوم الطبيعية،الذي يرتد إلى ما لانهاية ، كذلك تعتبر فرضية المعيار الأساس مجرد فرضية لا يمكن التحقق منها كما هو الحال في العلوم الدقيقة،وبالتالي يصعب الحديث عن بناء علم للقانون يماثل العلوم الطبيعية.

• خديجة بوطالب طالبة باحثة في الفلسفة طور اعداد اطروحة لنيل الدكتوراه
البيبليوغرافيا
 دينيس لويد:فكرةالقانون،ترجمة سليم الصويص،مراجعة سليم بسييو،المجلس الوطني للثقافة والفنونوالآداب،الكويت،سلسلة عالم المعرفة،العدد،1981.
 هنري ايكن:عصر الايدولوجيا، ترجمة محيي الدين صبري، مراجعة عبد الحميد حسن، مطبعة وزارة الثقافة دمشق، 1972 .
 ميشيل تروبر،فلسفةالقانون،ترجمة جورج سعد،دار الأنوار للطباعة والنشر،الطبعة الأولى،2004

 Michel Troper : la philosophie du droit, édition, PUF, 2003
 Paul Dubouchet : sémiotique juridique ; édition PUF, 1990
 Paul Amselek,: « le rôle de la volonté dans l’édiction des normes juridique selon Hans Kelsen » ; les éditions Thémis www :Thémis@droit , unmontreal , ca

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  1  2.2K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 11:37 مساءً الأربعاء 1 أبريل 2020.