• ×
  • تسجيل

الإثنين 19 فبراير 2018 اخر تحديث : 02-06-2018

قائمة

أ.أسامة عصام عبدالفتاح مطر
بواسطة  أ.أسامة عصام عبدالفتاح مطر

العلاج الجذري للإقتصاد العالمي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في الأونه الأخيرة قابلتُ العديد من أساتذة الإقتصاد في بلدي ومن هولاء قابلت أستاذ في الإقتصاد يعمل في جامعة النجاح الوطنية د.بكر إشتيه كانت المقابلة الأولى لي معه في حياتي الجامعية من خلال اللقاء الأول الذي جمعني به بادرتُ لسؤالهِ في مساق جامعي في جامعة النجاح يدعى مبادئ الإقتصاد الجزئي وكانت صيغة السؤال هكذا أنتم الموقر إسمكم تعلمون طلبة الجامعة أن هناك نظامين في الإقتصاد النظام الرأسمالي والنظام الإشتراكي يا ترى هل يوجد هناك نظاماً أفضل برأيك ؟ بادرتُ قبل أن يجيب على سؤالي أن النظام الإسلامي هو النظام الأصلح تعليمه وتطبيقه في بلادنا وأنه الأحرص علينا حتى لو عدنا إلى التاريخ قبل ثلاثة عشر قرناً نجدهُ نظاماً سليماً وصل به الإكتفاء إلى نثر القمح على الجبال حتى لا تجيع طيور المسلمين ! أما اليوم فنلاحظ المسلمين جياع لا يدرى حالهم أوله من أخره ! أجابني قائلاً : لا يوجد نظام إسلامي فالنظام الإقتصادي موجود قبل الإسلام في أزمان أفلاطون وارسطو وقال لي أن النظام الإسلامي هو خليط بين النظام الرأسمالي والإشتراكي سائقاً معه الأدلة والبراهين المقنعه بذلك مشيراً أن النظام الإسلامي قد مر في فترات ضعف وإنهيار مثلما يمر كلا النظامين الإشتراكي والرأسمالي . منذ فترة تم نشر بحث لي يتعلق بعلاج الإقتصاد المصري في جامعة الإسكندرية والموقع الديموقراطي في برلين – ألمانيا ومجلة العلوم الإجتماعية التابعة لوزارة الإعلام السعودية كان من أهم التعليقات التي تتدور حول هذا البحث تعليق الدكتور عبدالرحيم حمدي عراب سياسة الإقتصاد في السودان إذ طلب مني مراسلتهُ فأنتهزت هذه الفرصة وقمتُ بسؤالهِ السؤال الموجه لأستاذ الإقتصاد في جامعة النجاح الوطنية د.بكر إشتية وفجائني بجواب تقريبي من جواب د.بكر مع فرق في التحليل كلٌ حسب زاويتهِ ونظرته و بعد حديث طويل خرجتُ إلى محاضرة أقوم بتتدريسها وكانت المحاضرة في مساق مبادئ الإقتصاد الجزئي إذ وصلت إلى عنوان " الأنظمة الإقتصادية" فقمت بإستغلال هذا الموقف إذ بي أعرض سؤالاً على الطلبة ومن يجيب عليه بشكل صحيح له جائزة ثمينه كان السؤال هكذا " الكتاب ذكر نظامين إقتصادين الأول هو النظام الرأسمالي والثاني النظام الإشتراكي " برأيكم هل يوجد نظام أفضل ! وإن كان ما برهانكم على ذلك . كانت الإجابات متنوعه منها ما قال الإسلامي والبعض أدعى الرأسمالي والبعض الإشتراكي سوف أجيبكم لماذا أنا على إيمان يقيني على أن النظام الإسلامي هو الأفضل من الأنظمة الأخرى سائقاً معي الأدلة والبراهين على مقولي .

أكدت الأمم المتحدة أن الإقتصاد العالمي في حالة ركود متأثراً بسنوات من الفقر والبطالة مع عدم مساواة و توازن مقروناً بعدم إستقرار مما يشكل خطراً على الأمن السياسي والإجتماعي والبيئي كما أكدت الأمم المتحدة بعد سبعة عقود أن هناك حاجة لمجهود طموح لمعالجة عدم الإنصاف الناتج عن العولمه الشاملة من أجل بناء إقتصاديات مستديمة تشمل الجميع ، كما ذكرت الأمم المتحدة أن العالم على المستوى الدولي والوطني ، ينبغي أن يركز على إيجاد الوظائف ، وتوسيع نطاق الضرائب للسماح بإعادة توزيع للثروة ووضع ترتيبات لإستخدام الموارد المالية .

إن البحث في المشكلة الإقتصادية العالمية يقتضي معرفة الأسس الذي يبنى عليها الإقتصاد العالمي وبما أن النظام الإقتصادي المطبق في غالبية دول العالم هو الرأسمالي والإشتراكي مع إفتقار تطبيق النظام الإسلامي حتى يكاد تطبيقه يصل إلى العدم فإن كلا النظامين الرأسمالي والإشتراكي يفتقران إلى التفريق بين أمرين مهمين هما المادة الإقتصادية وتوزيع الثروة على أفراد المجتمع .
الأمر الأول : المادة الإقتصادية ، وهي الثروة الموجودة في الإقتصاد العالمي ، سلعاً كانت أو خدمات من جهة تنميتها أو تأمين إيجادها ، وهذا الأمر محله علم الإقتصاد ويبحثهُ العلماء المختصين كلٌ حسب إختصاصه ، فهو يبحث في الوسائل والطرق والأساليب التي من شأنها أن تنمي الثروة .
الأمر الثاني : توزيع الثروة على أفراد المجتمع ، ليتمكن كل فرد من حيازتها أو الإنتفاع بها ، من أجل إشباع حاجاتهِ الأساسية من مأكل وملبس ومسكن ، ثم تمكينه من إشباع حاجاتهِ الكمالية وهذا الأمر محلهُ النظام الإقتصادي العالمي .
ولا يفوت ذا عقلٍ وحكمه إدراك التوزيع الجائر للثروة في جميع أنحاء العالم الذي تسيطر عليه الرأسمالية سواء في دول العالم المتقدم جداً كأمريكا وألمانيا وبريطانيا أو الدول النامية جداً كالاردن ولبنان والسودان وبنغلادش . حيث أن الإحصاءات التي تنشرها مؤسسات النظام الرأسمالي نفسه تبين أن أقل من 1% من سكان العالم يسيطرون على أكثر من 80% من الثروة وقد نشرت مجلة فوربس العالمية أسماء 500 شخص يملكون أكثر من نصف ثروة العالم .
وبالرغم من كثرة الحديث حولة دائرة تدور حول نفسها ويتم تكرارها ملايين المرات تحت مسمى برامج ومشاريع للتخفيف من حدة البطالة وحدة الفقراء ونسبة الجياع في العالم ، إلا أن كل هؤلاء في تزايد مستمر ، رغم لغة التفاؤل المتحدث بها عالمياً إلا أنها لم تفلح في تغطية قلق المجتمع الدولي من وضع الإقتصاد العالمي ككل ، ها أنا اليوم أعلنُ نفسي عدواً لذوذاً لنظام الإقتصاد الرأسمالي لأنني سأصل بكم في خلاصة مقالي هذا إلى خلاصة واحدة أن سبب كل ما يمر به العالم من مشاكل إقتصادية هو النظام الرأسمالي .
لقد كان هناك حلاً من قبل مجموعة الدول العشرين الأغنى في العالم بالتعاون مع هيئات تابعة للأمم المتحدة أقترحت خططاً وبرامج وأليات من خلالها يتم خفض مستوى الفقر والبطالة وكافة مشاكل الإقتصاد العالمي بمقدار النصف مع حلول عام 2020 ، إلا أن الإحصائيات تشير إلى ان الفقر قد ازاداد نسبة وعدداً وأن البطالة قد ازادادت نسبة وعدداً وأن كافة المشاكل الإقتصادية في تزايد مستمر في المجتمعات بدلاً من أن تنقص !
والحقيقة التي أريد أن أعلمكم بها أن الرأسمالية هي السبب عن إنتاج الفقر وتركيز الثروة في أيدي فئة قليلة من الناس وعدم التوازن وبالتالي عدم الإستقرار ، فالنظام الرأسمالي في أساسه يؤمن بعدم كفاية الموارد والمنتجات بالنسبة للحاجات وبالتالي يؤمن بأنه هناك أشخاص يجب أن يحصلون على كفايتهم من الموارد لسد حاجاتهم ومن يبقى دون ذلك يعتبر محتاجاً وفقيراً وباطلاً عن العمل . حيث أن تفسير النظام الرأسمالي لديناميكية السوق يقر النظام الرأسمالي أن التنافس على الموارد الإقتصادية يؤدي إلى حرمان البعض من الموارد والتي بدورها تضعف قدرته على العيش في هذه الحياة مما يؤدي هذا إلى زيادة ثراء الأثرياء وفقر الفقراء بسب عدم توازن الفرص . وبالتالي نصل إلى نتيجة وهي ان النظام الرأسمالي وسياسة السوق وتوزيع المنتجات بعد إنتاجها بناءً على العرض والطلب والقدرة على الإنتاج والإستهلاك كلها تتظافر لتنتج عالماً غير متوازن تجتمع فيه الثروات في أيدي ثلة من الناس بالرغم من كثرة الثروات ، منذ مدة ليست بعيدة قرأت كتاب بيتر روسيت ، مدير معهد سياسات الغذاء والتنمية في ولاية كاليفورنيا تحت عنوان الجوع في العالم أكاد اختصر لكم مئات الصفحات المكتوبة في جملة واحدة كاد بيتر أن يصل بها في كتابه أنه يقول أن الموارد الغذائية في العالم وفيرة وكثيرة ولا تمتاز بالندرة مثلما يقولون عمالقة الإقتصاد وأنا أكاد أن أتفق معه في هذه المقولة ببساطة لأن هناك الملايين يتضورون جوعاً حتى في البلدان التي لديها فائض في الإنتاج الغذائي أي أنه مقولة أن زيادة الغذاء العالم سوف تحل مشكلة الجوع في العالم مقولة لا أساس لها والبرهان بسيط جداً أن هناك دول في العالم لديها فائض في الإنتاج الغذائي لكن نجدها على قائمة الدول ذات الوصف بجياع أفرادها . من هنا فإن ما يدعو له رئيس جمهورية الصين ومنظمات الأمم المتحدة من إتفاقيات جديدة وبامج للحد من ظاهرة الفقر والبطالة وتوزيع الثروة ما هي إلا محاولات لضبط حركة الشعوب المظلومة والحيلوله بينها وبين الثورة على النظام الرأسمالي الجائر .
في مقالي هذا أردت التطرق إلى أن النظام الرأسمالي جائر وظالم حيث أننا لو عدنا إلى التاريخ نجد في يوم من الأيام عجزت جمهورية اليمن عن سداد ديونها إذ قام صندوق النقد الدولي بإعادة جدولته بطريقة ما مقابل شروط تتضعها الدول الدائنة وكانت هذه الشروط بمضمونها ظالمه وجائرة وتنم على ضعف الإقتصاد الرأسمالي الذي تبنته جمهورية اليمن في عام 1990 والان من خلال هذه الشروط سوف أبين أن النظام الرأسمالي المطبق في العالم ظالم وجائر وانه ليس حلاً جذرياً للإقتصاد العالمي بل سبب في نشوء وولادة المشكلات الإقتصادية ما ظهر منها وما بطن والشروط كانت كالاتي :
الشرط الاول: تخفيض سعر العملة المحلية "الريال" مقابل الدولار .
الشرط الثاني :زيادة أسعار المحروقات .
الشرط الثالث : تخفيض المصروفات التي يقدمها النظام للبنية التحتيه المهمه .
الشرط الرابع : الخصخصه .
الشرط الخامس : تخفيض المصاريف على البحث العلمي " إن وجد ".
الشرط السادس : زيادة موارد الميزانية عن طريق فرض الضرائب .
الشرط السابع : وضع برنامج تقشف تلتزم به الدولة .
الشرط الثامن : تخفيض المصروفات لرفع الأعباء عن الميزانية .

الشرط الأول : شرط ظالم وجائر من قبل النظام الرأسمالي حيث أن عند تخفيض العملة المحلية "الريال" مقابل الدولار هذا يعني مشكلة حسب تحليلي من وجهين : الأول : إرتفاع أسعار السلع محلياً بسب إنخفاض القيمة الشرائية للعملة المحلية . والثاني : عدم الإستفادة من إنخفاض العملة في منافسة الصادرات اليمينة للبضائع الأخرى في الأسواق الدولية ، بسب قلة هذه الصادرات ، كل ما هنالك أن هذا سيؤدي إلى بيع طاقات وثروات اليمن بسعر زهيد .
الشرط الثاني : شرط ظالم وجائر من قبل النظام الرأسمالي حيث أن زيادة أسعار المحروقات سيؤدي إلى زيادة الأسعار في البلد من مواصلات إلى غلاء في المعيشة وروكود إقتصادي وتضخم في العملة .
الشرط الثالث : شرط ظالم وجائر من قبل النظام الإقتصادي حيث أن تخفيض المصروفات التي يقدمها النظام للبنية التحتية المهمة كمحطات الكهرباء والمرافق العامة ، وتحويلها إلى شركات خاصة ، مما يجعل تلك الشركات تتحكم بمصائر الناء ، فتفرض خططها وأسعارها من جهة ، ومن جهة أخرى تستغل طاقاتهم إلى أقصى حد مقابل أجور زهيدة .
الشرط الرابع : شرط ظالم وجائر من قبل النظام الرأسمالي حيث أن عملية الخصخصه تعني بيع المنشأت والمؤسسات العامة للقطاع الخاص لتمويل الموازنه وهذه سياسة متعمده فرضها الصندوق .
الشرط الخامس : شرط جائر وظالم من قبل النظام الرأسمالي تخفيض المصاريف على البحث العلمي إن وجد ، هذه الجملة تجعل من دولة اليمن عالة على غيرها في كثر من الصناعات والمنتجات ولا يساعد على تطوير صناعتها وزراعتها من أجل الإكتفاء الذاتي بل يعمها الفقر والبطالة حيث أنني في بحثي القادم الذي يخص إقتصاد الحرب في اليمن أصف الإقتصاد اليمني بالإقتصاد الإستهلاكي لأن 80% سلع اليمن من الخارج .
الشرط السادس : شرط جائر وظالم من قبل النظام الرأسمالي حيث أن زيادة الضرائب من أجل زيادة موارد الميزانية من ضريبة مبيعات وضريبة دخل وضريبة أرباح وضريبة عمال ، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار فيلحق ضرر بالمستهلك والمنتج حيث يقل الإقبال على السلع ويزيد العبئ على الناس .
الشرط السابع : شرط جائر وظالم من قبل النظام الرأسمالي إن وضع نظام تقشف في دولة اليمن يجعل منها دولة ترفع نسبة الربا وزيادة الضرائب وتقليض النفقات مما من شأنه يقوم بتحميل الناس فوق طاقاتهم .
الشرط الأخير : شرط جائر وظالم من قبل النظام الرأسمالي فإن تخفيض المصروفات لرفع الأعباء عن الميزانية ويكون بتخفيض أو إلغاء المصروفات والخدمات التي تقدمها الحكومة للناس في مجال الحاجات الأساسية كالمسكن والملبس والغذاء والحاجات الضرورية كالتعليم والتطبيب ، فتزداد تكاليف الحياة على الأفراد ويعمهم الجهل والمرض والفقر كما هو حاصل في اليمن من رفع الدعم عن الحبوب والأرز والسكر وفرض رسوم دخول على المدارس والمستشفيات تحت مسمى الدعم الشعبي .
إن النظام الرأسمالي ليس حلاً لعلاج الإقتصاد العالمي فقط أثبت فشله في جمهورية اليمن العربية وفي معظم الدول العربية الذي تبنت هذا النظام والتي في تبنيها له قد أنتشر الفساد والظلم والفقر والبطالة والعديد من المشكلات ولقد أثبت لكم أعلاه فشل النظام الرأسمالي في جمهورية اليمن إذن ما الحل ! إذا فشل النظام الرأسمالي في معالجة دولة صغيرة فكيف سيعالج إقتصاد عالمي ! .
إن العلاج الناجع للفقر والبطالة وباقي الأزمات الإقتصادية فلا تكون إلا في الإسلام ، ولا يعالجها علاج جذري ناجع إلا الإسلام وإليكم بيان كيفية معالجة الإسلام لهذه الأزمات .
فمن ناحية توزيع الثروة فالإسلام لم يحجر على الناس في التملك ولم يحدد لهم الملكية وإنما نظمها تنظيماً دقيقاً ، فأباح الملكية الفردية مع بيان كيفية التملك ، واذن للأفراد بأن يتصرفوا بما يملكون ، على الرغم من أنه حدد كيفية التصرف بهذه الملكية .
وكذلك ركز الإسلام على تفاوت القوى العقلية والجسمية لدى أفراد بني الإنسان ، واحتاط لهذا التفاوت في إعانته العاجز ، وكفايته المحتاج ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحاب الصُفَة من فقراء المسلمين وكما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مع اليهودي الذي عجز عن دفع الجزية للدولة بسب كبر سنه وعجزه عن الكسب فقام رضي الله عنه بإقتتطاع له مالاً من بيت مال المسلمين . وفرض الإسلام في أموال الأغنياء حقاً للفقراء والمساكين قال تعالي " وفي أموالهم حق معلموم للسائل والمحروم " ، وشرع أحكاماً للملكية العامة ، وهو مالاً تستغني عنه الجماعة ، كالماء والكلأ والنار والنفط والمعادن التي لا تنقطع قال " الناس شركاء في ثلاث الما والكلأ والنار " كما حرم الإسلام أن يمتلك أحد من الناس هذه المعادن أو أي مال من الملكية العامة لأنه من حق الجماعة ، وكذلك حرم ان يحمي أحد من الملكية العامة كالمراعي وغيرها ، لا لنفسه ولا لغيره قال عليه الصلاة والسلام " لا حمى إلا الله ولرسوله " "رواه أبو داود " ، وحمل الإسلام الدولة مسؤؤلية توفير الثروة أمولاً وخدمات للرعية وأباح للرعية أن تمتلك ملكية خاصه بها . وبجميع ما تقدم يكون الإسلام قد ضمن لجميع أفراد الرعية وضمن للجماعة أن تكون مجتمعة و متماسكة ، وضمن مصالح هؤلاء الأفراد ورعاية شؤون الجماعة .

ثم إن الإسلام قد منع حصر تداول المال بين فئة من الناس قال تعالى " كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم " وعلى الرغم من أن الإسلام لم يمنع الغنى ولا تفاوت الناس بما يملكون بالطريق المشروع واباح لهم الإنتفاع بالمال الحلال ، إلا أنه إذا أصبح المجتمع متفاوتاً في الثروة ، وأصبح هذا التفاوت فاحشاً بين أفراده في توفير الحاجات ، فإن الإسلام قد أوجب على الدولة أن تعالج هذا التفاوت حتى يحصل توازن في توزيع الثروة بين الناس ، فتعطي من أموالها التي تملكها لمن قصرت به حاجته ليكتفي بذلك حتى توجد التوازن في توفير تلك الحاجات ، فتعطي المال ، ليس فقط منقولاً لسد حاجة المحتاج مؤقتاً ، بل كذلك غير منقول ، كانت تعطي المحتاج أرضاً يزرعها ، أو تساعدها في حرفة أو عمل وتوجهه ليكون منتجاً كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع ذلك الفقير ، حيث وجهه ليحتتطب .... وهكذا فإن الدولة في الإسلام لا تكتفي بتوفير الحاجة مؤقتاً بل توفر قضائها بصفة إنتاجية وإيجاد العمل للعاطلين القادرين ، وتعمل على تداول الثروة بين أفراد الأمة دون أن تبقى محصورة بأيدي فئة ، وكل ذلك وفق الأحكام الشرعية التي جاء بها الإسلام .

إن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى تفاوت الثروة في ملكية الأموال بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ، فإنه صلوات الله عليه وسلم قد خص المهاجرين بأموال الفيء الذي غنمه من بني النضير حتى يوجد التوازن في توزيع الثروة بين الناس ، ولتحقيق غاية التوازن في توزيع الثروة بين المسلمين ، فإن الإسلام حرم أيضاً كتر المال ، بل فرض الإنتفاع بالمال وتتداوله في الحياة الإقتصادية دون كتره لغير الحاجة ، فالكتر هو وضع المال فوقه فوق بعضه البعض لغير الحاجة ، فلا تصل هذه الأموال إلى أيدي الناس فيتوقف دولاب الإقتصاد .

أما من ناحية علاج النمو الإقتصادي فقد شرع الإسلام أحكام الأراضي ، وأسند المشاريع الزراعية وتنميتها إلى المزارعين ، لذلك تقوم الدولة بإعطاء غير القادر على إحياء وزراعة هذه الأراضي من الفلاحين أموالاً حتى تعينهم على زراعة الأرض وإنتاج أكبر قدر من المحاصيل الزراعية لسد حاجات السوق في شتى ولايات الدولة الإسلامية وإحداث الكفاية في الإنتاج .

حيث قام الرسول صلوات الله عليه وسلم بإقتطاع أراضي تمليكاً للناس وليس إقراضاً لهم ، وهكذا صار الخلافاء الراشدون فقد أعطي أمير المؤمينن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أموالاً من بيت المال دون إقراض ، وتسير الحياة الزراعية في الدولة الإسلامية بتحسين جودة الإنتاج ومد المنتجين ببذور مجاناً ، وتقوم الدولة الإسلامية بإعطاء المال هبة للعاجزين عن القيام بذلك لعجز ذات اليد ، كما تشجع الدولة الإسلامية على إحياء الأراضي الموات وتقطع الدولة أراضي للقادرين على الزراعة وخاصة من لا يملك أرض ، كما أن الإسلام لا يترك أر1ض تهمل من قبل من أقطتعهم أكثر من ثلاث سنين متتالية وهذا الشيء قمتُ بتوضيحهِ جيداً في كتابي الصادر مؤخراً " تحويل فلسطين من دولة تفتقر لمقومات المعيشة لدوة منتجة " .

كما دعى النظام الإقتصادي الإسلامي إلى تنمية البلاد صناعياً ، وإدارة هذه الصناعة مباشرة إن كانت قائمة على الملكية العامة كالنفظ والمعادن أو كانت قائمة على ملكية الدولة ، كما وضع الإسلام أحكاماً خاصة لتمويل المشاريع الإنتاجية من بيت المال ، فإذا كان يترتب على عدم وجودها ضرر ، سواء على الدولة أو الأمة ، فإنه يجب على الدولة إيجادها وتمويلها من بيت مال المسلمين وبذلك تكون الدولة الإسلامية دولة صناعية ، صناعة حقيقية ، تجعلها في مصاف الدول المتقدمة إن لم تكن سابقة لها .

أما مشكلة القضاء على البطالة التي تدعى الدول الإستعمارية وعلى رأسها أمريكا بأنها من خلال هيمنتها على بلاد المسلمين ستعمل جاهدة لإزالة هذه البطالة بتمويل مشاريعها القائمة وتنميتها في بلاد المسلمين فهذا كذب وجل وبعيد عن الصواب إذ إن هذه الدول لا زالت مشكلة البطالة قائمة في شعوبها وأكبر دليل على عدم إزالة البطالة ينطوي تحت مسمى أن الدول الإستعمارية لا تقوم على مبدأ الرعاية مطلقاً فالدولة في النظام الرأسمالي تقوم على حماية الحريات الفردية والأمن الخارجي للمجموع . ويترك هذا النظام قوى السوق إيجاد التوازن وتترك كذلك الفرد ليحصل على فرصه إقتصادية لكسب عيشه ، وإن لم يحصل على فرصه لن تكون هذه مشكلة الدولة بل ستكون مشكلة الفرد أي أن الدولة في النظام الرأسمالي لا تتحمل أعباء الرعاية حتى لا تقوم بسد هذه الحاجات . أما الدولة الإسلامية فالنظام الإقتصادي التي يحوي أهم مبدأ يتبناه أي مبدأ الرعاية ومن هذه الرعاية توفير إحتياجات الناس لحملة التابعية الإسلامية .

كما أن الإسلام جعل الملكية والعمل مقيدين بمعاملات ترفع المنازعات من الاساس فلا تقع مشكلات العمل ولا غيرها من المشاكل مطلقاً ولقد جاء الإسلام ونظم المعاملات كأحكام الإجارة ونظم العلاقة بين الأجير والمستأجر ونظم كذلك أحكام الزراعة والتجارة ، أي أن النظام الإقتصادي الإسلامي عالج مشاكل يمكن أن تنتج بين الناس أمثال الإستغلال والإحتكار وأوجه النزاع فإذا تنازع صاحب العمل والعامل هناك أحكام خاصة لهم ، وكذلك على سبيل المثال إذا شحنت الدولة السلعة في السوق لا تلجأ الدولة للتسعير ، فتوجد ما يعرف بالسوق السوداء ، بل تقوم بتوفير السلعة من ولايات أخرى في الوقت التي تمنع فيه إحتكار السلعة فلا تجعل مجال للتسعير وظلماته ونزاعاته .

الخلاصة أن النظام الإقتصادي الإسلامي هو جزء لا يتتجزأ من أحكام الإسلام الشامل الكامل لمعالجة مشاكل الإنسان بشكل عام وهو الحل الجذري للإقتصاد العالمي موضحاً ذلك بعد أسبوعان من هذه الخلاصة في بحث سوف ينشر لي في جامعة غوته في فرانكفورت - ألمانيا ، حيث أن الإسلام لا يطبق مجزأً بل يطبق كاملاً ولا يتتطبق في ظل نظام أخر من الأنظمة السائدة في هذا العصر ، فالنظام الإسلامي نظام عادل وقد سارت عليه لأمة أكثر من ثلاثة عشر قرناً ولم ترضى بديلاً عنه لأنه نظام حكم من عند الله اللطيف الخبير بكل شيء ، أما تعقيبي الشخصي على الأنظمة الحالية فقد مكنت الغرب من ثروات الأمة الإسلامية وجعل البلاد رهن تصرف المستعمرين ، ونرى الأنظمة الوضعية السائدة تستجدي الغرب للحصول على الفتات ، وعندما لم يتلقون أي مساعدات تزداد الشروط من قبل الجهات الدولية ، إن هذه السياسة هي سياسة ظلم وتجويع وإرهاق للبشر وسببها فساد الحكام والأنظمة وعلى رأسها فساد النظام الرأسمالي الذي يحكم بلادنا اليوم ، وكونوا على يقين أن هذه الأنظمة سوف تسوقنا إلى الشقاء والحرمان .

أسامة مطر
فلسطين المحتلة

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  624

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )