• ×
  • تسجيل

السبت 18 نوفمبر 2017 اخر تحديث : 11-11-2017

قائمة

د. منير طبي
بواسطة  د. منير طبي

الثقافة والتوعية المرورية... بين المفهوم والممارسة"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أظهرت دراسة استطلاعية بمحافظة جدة السعودية حول الثقافة المرورية وعلاقتها بحوادث السير، أنه إذا كانت الثقافة عبارة عن تجريدات من السلوك، فإن الثقافة المرورية عبارة عن محصلة سلوك الكائن وليست تجريداً كما هي الثقافة بصفة عامة، فالسائق الذي يحافظ على نظام المرور ويتقيد به، ويسير وفق تعليماته يكون قليل المساهمة في حوادث المرور، إن لم يكن غير مساهم فيها بشكل مباشر، وهذا يعنى أن لديه ثقافة مرورية تضبط سلوكه وحركته في السير بالمركبة، وإذا كان للثقافة قطاعات تتشكل على هيئة عناصر ثقافية صغرى، وتشكل عند اتحادها مع بعضها مركباً ثقافياً ومن ثم نماذج ثقافية، فإن ثقافة المرور ليست بعيدة عن ذلك، فإدراك السائق لمعاني إشارات المرور على اعتبار أنها صغرى في نظام المرور الأكبر، وتقيده بالتعليمات الخاصة بالسير في الاتجاهات المختلفة وتحديد السرعة داخل المدينة وخارجها، تشكل عناصر أخرى من نظام المرور.
وتضيف نفس الدراسة أن الذوق العام للسائق وعدم إقدامه على مضايقة الآخرين أثناء السير، وتفهمه لظروف الآخرين وقيامه بمساعدتهم عند وقوع الحوادث، فهي عبارة عن سلوكيات تعلمها واكتسبها خلال حياته، وهي عناصر سلوكية خاصة بالسائق نفسه، كما أنها عناصر صغرى في حركة السير التي هي جزء من نظام المرور، وكل ما تقدم يشكل المستوى الثقافي للسائق الذي نعتبره ثقافة مرورية لأنها تتعلق بنظام السير، فللثقافة ثلاثة مواقع هي أشخاص الإنسان والأشياء وعلاقات التفاعل، وهي عناصر هامة في مفهوم الثقافة، والأمر كذلك بالنسبة للثقافة المرورية فمن حيث أشخاص الإنسان، والتي يقصد بها الأفكار والاتجاهات التي في عقول الأشخاص، تكون ما يفهمه الأمر من أفكار مرورية تساعده على القيام بواجباته كسائق نحو الطريق ونحو نظام المرور، فهو يدرك أن حقه في الطريق لا يعنى تعديه على حقوق الآخرين، وأن أفضلية المرور له لا تعنى غض النظر عن حاجة الآخرين الطارئة أو المفاجئة، وهذه بدورها تفسر على أنها اتجاهات السائقين.
كما أكدت هذه الدراسة على أن الأشياء هي في الثقافة كل شيء مادي محسوس يصنعه الإنسان، وهذا ما هو بالفعل في نظام المرور الذي تتبلور حوله ثقافة المرور، فالسائق يستخدم السيارة ويتعامل مع إشارة المرور ويحمل رخصة قياده ولديه رخصة سير للمركبة وهذه جميعها أشياء محسوسة، أما الموقع الثالث وهو العلاقات وخطوط التفاعل فهي في الثقافة المرورية عبارة عن ملاحظة السائقين للمركبات التي تسير في الطرقات من الأمام والخلف واليمين واليسار، لأن من شروط السائق الجيد قليل الحوادث والأخطاء ملاحظة حركة السير والتفاعل معها باستمرار دون غفلة وشرود الذهن، كما أنه في نفس الوقت يهتم كثيراً بعلامات السير، سواء ما كان على الطريق نفسه من إشارات أو على جانبي الطريق من تعليمات أو إشارات المرور المعروفة، فالسائق الجيد هو الذي يعرف ما رسم على طرق السير من علامات، وما تعنيه اللوحات الموجودة على جانبي الطريق، ولذا فإنه في عملية تفاعل مستمر مع كل ذلك.
وحسب أحمد مطهر عقبات في ورقة علمية تحت عنوان دور وسائل الإعلام في نشر التوعية المرورية، قدمت خلال الندوة العلمية حول واقع الحملات التوعوية المرورية، التي نظمتها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالسعودية، فإن إحصاءات الحوادث المرورية المسجلة فـي العـالم تفيد بـأن عـدد المصابين يصل سنوياً إلى أرقام خيالية، حيث أن هذه الحوادث مسئولة عن إزهاق أرواح حوالي مليون وأربعمائة ألف شخص، في حين يصل عدد الجرحى والمصابين إلى نحو50 مليون شخص بينهم نحو خمـسة ملايين يصابون بحالة عجز دائم، بينما تصل الخـسائر الماديـة إلـى حوالي 800 مليار دولار سنوياً، أي ما يكفي لمعالجة مشاكل المجاعة والفقر والتخلف في عدة دول، وهذه الأرقام مرشحة للارتفاع ما لم يتم وضع حلول جذرية للحد من الحوادث القاتلـة التـي تعـود أسـبابها الأساسية إلى العنصر البشري وتحديداً إلى الـسائقين، الـذين تؤكـد الدراسات والأبحاث المختلفة أنهم يتحملون نسبة تتراوح مـا بـين 75 إلى 85% من الحوادث المرورية، وتتوزع النسبة الباقية على أخطـاء المشاة ونقائص العربات ومساوئ الطرقات وعدم توفير قواعد السلامة اللازمة لها.
وتفيد دراسة أكاديمية جزائرية لتباني عبير حول الحملات الإعلامية الإذاعية الخاصة بالتوعية المرورية، أنه ونظرا لأن عملية التوعية هي عملية مستمرة وشاملة ومتكاملة، تقوم بها جهات متعددة وتستهدف شرائح وفئات اجتماعية مختلفة، كان لزاما ممارستها بإتباع التخطيط العلمي، والذي يقوم في مجال التوعية المرورية على الأسس التالية:
- المعرفة والفهم العميقين والشاملين لجميع جوانب الحياة المرورية بكل ما فيها من أحداث وتطورات، ولمختلف الأطراف المعنية بالمشكلة المرورية (الأجهزة المرورية، المشاة، السائقون، مصممو الطرق، صانعو السيارات...) ومن المؤكد أن معرفة وفهما بهذا القدر، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال دراسات وبحوث إعلامية نظرية وميدانية لجميع معطيات المشكلة المرورية.
- اعتماد استراتيجية نشر المعلومات والحقائق عن مختلف جوانب الحياة المرورية، وتفسير الأحداث والظواهر والتطورات والمشاكل المرورية وتحليلها ومناقشتها، سبيلا لنشر الثقافة المرورية التي تقوم عليها التوعية المرورية وتنطلق منها.
- اعتماد استراتيجية التبادل والتفاعل والتوازن سبيلا للوصول ولتحقيق التأثير المطلوب، وعدم الاقتصار على الرهان على استراتيجيات الإكراه والوعظ، بل يجب أن تقوم التوعية المرورية السليمة على أساس القناعة الذاتية والسلوك الطوعي.
- الحرص على الاستفادة من جميع الوسائل لتحقيق هذه التوعية (المدرسة، الأسرة، مختلف الوسائل الإعلامية والاتصالية، المؤسسات الدينية، المنظمات الأهلية...).
- العمل وفق الاستراتيجية المرورية الوطنية والعمل ضمن نطاق سياساتها، ولابد أن هذه التوعية تسهم في تنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها.
- العمل ضمن فريق متعدد الاختصاصات (خبراء في المجال المروري، الإعلامي، العلاقات العامة...) وذلك لتحقيق شمولية التخطيط وسلامته، وإبعاده عن الاندفاع باتجاه مزالق الارتجالية الفردية أو الغوغائية.
ويمكن ذكر أهم خصائص التوعية المرورية وشروطها حسب نفس الدراسة السابقة فيما يلي:
- الاستمرارية: يجب أن تتصف بالاستمرارية والديمومة، فهي بالتالي عملية مستدامة وليست مجرد حدث أو مجموعة أحداث متفرقة، وذلك حتى تترسخ الثقافة المرورية لدى الفئة الموجهة إليها وتخلق لديهم نسقا معرفيا وسلوكيا إيجابيا، لذا فإن الاستمرارية شرط أساسي لتحقيق أهداف التوعية
المرورية، والقاعدة العامة تقول أن" التعليم الهادف يهذب السلوك والتوعية المستمرة تعزز المعرفة، لذلك فإن إفرازات التعليم والتوعية حول سلامة المرور تجعل الفرد أكثر وعيا بها ويستجيب في ذاته لندائها.
- الشمولية: التوعية المرورية عملية شاملة، بمعنى أنها تشمل مختلف المجالات المرورية، وجميع
جوانب الحياة المرورية، وتستهدف الوصول إلى جميع الشرائح الاجتماعية.
- التكامل: التوعية المرورية عملية متكاملة، بمعنى أنهات تم بمختلف الأطراف المعنية بالمسألة
المرورية (البشرية، الهندسية، القانونية، العمرانية....) وتتم بمختلف جوانب المشكلة المرورية (الاقتصادية، النفسية الاجتماعية) وتنطلق من حقيقة أن هذه الأطراف متكاملة، وبالتالي فإن الجهد
التوعوي المروري يجب أن يكون متكاملا.
- المنهجية والانتظام والتماسك: التوعية المرورية عملية منهجية منتظمة ومتماسكة، تحدد
أسسها ومنطلقاتها وأهدافها، وتضع الخطط والبرامج الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف، وهذا ما يفسر
كون التخطيط والبرمجة هما الدعامتان القويتان اللتان تقوم عليهما التوعية المرورية.
- التجدد والتطور: التوعية المرورية عملية متجددة ومتطورة، حيث تستطيع أن تواكب المتغيرات الحاصلة في الحياة الاجتماعية (أنظمة تقنيات وقوانين وأنماط المعيشة ومتغيرات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية ...) من الضروري التجديد والابتكار في مضامين التوعية المرورية، وفي الخطاب المروري، وفي الوسائل والموضوعات وأساليب المعالجة المستخدمة.
- التفاعلية: التوعية الناجحة هي التي تبتعد عن التلقين والإكراه، وتعتمد أسلوب التفاعل
وتنجح في رفع فعالية الناس وتفاعلهم مع الأهداف الاستراتيجية للتوعية المرورية.
- تنوع الوسائل وتكاملها: إن تنفيذ التوعية المرورية في أوساط المجتمع يستوجب استغلال واستعمال جميع وسائل الإعلام والاتصال، والتي تعتبر جزء ضروري مكون للتنظيم الاجتماعي للمجتمعات الحديثة كالمدارس، المساجد، مدارس السياقة...، فكلما تعددت وسائل الدعم المعتمدة أمكن إيصال الرسالة التوعوية الوقائية إلى أكبر عدد ممكن من الفئات المستهدفة وبالتالي يمكن توعية
شرائح عريضة من المجتمع.

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  64

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )