• ×
  • تسجيل

الأحد 25 يونيو 2017 اخر تحديث : 06-22-2017

قائمة

محمد رضا الجراري
بواسطة  محمد رضا الجراري

الاستعداد الفطري للطفل

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن التجارب التي أجريت حول الإنسان تؤكد الاعتقاد الذي يقول بأن الإنسان يولد وهو مزود بأعضاء صوتية وجهاز عصبي وقدرة كامنة على النطق ومعرفة اللغة. " فالطفل لا يلبث طويلا حتى يتعرف كلمات كثيرة ومتنوعة بل يستخدم شطرا كبيرا منها وبسرعة تتحول هذه الكلمات إلى معان في نفسه يمكن استيعابها واستخدامها على نطاق واسع مع من حوله".
- المستفاد من هذا أن الطفل يولد وهو مزود بمجموعة من الأدوات الفطرية التي حباها الله للإنسان. حتى يتمكن من أن ينشأ سويا ويتواصل مع من حوله ويتعلم استخدام الأصوات بسرعة وكفاءة.
- ولعل من أهم هذه الأجهزة الفطرية والتي يتجلى من خلالها الاستعداد الفطري ليكتسب اللغة ويستخدمها هو امتلاكه للجهاز الصوتي، " حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن الجهاز الصوتي للطفل المتمثل في الفم وعضلاته واللسان والحنجرة، بأجزائها تبلغ مستوى من النضج تتمكن من خلاله من أداء وظائفها وذلك قبل الميلاد، بل ذهب بعض الباحثين إلى أن الطفل يكون قادرا على ذلك قبل الميلاد بثلاثة أشهر".
قال المولى سبحانه وتعالى : “ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة” سورة النحل الآية : 78.
" إن جميع هذه الصفات الخاصة بجهاز النطق عند الإنسان تبدو مواتية لنطق الأصوات المختلفة المستعملة في لغات البشر. فإذا نظرنا إلى بدء اللغة وتطورها عند جميع أطفال العالم نجد أنها تتبع جدولا زمنيا يكاد يكون ثابتا بالنسبة لهؤلاء جميعا مهما اختلفت لغاتهم وحضاراتهم".
هذه الأجهزة الصوتية تبدأ بالقيام بدورها بمجرد خروج الطفل إلى العالم " ويأتي الوليد إلى العالم صارخا لا يتوقف إنتاج الأصوات عند الكائنات البشرية إلا في حال وجود مرض، منذ صرختهم الأولى وحتى رمقهم الأخير ومن المقطع اللفظي الأول وحتى آخر كلمة، الإنسان آلة لتوليد الكلام".
أما بالنسبة للجوانب البيولوجية الفطرية المرتبطة أساسا بالجهاز العصبي وهو ما عمل "علم اللغة العصبي" عليه واستطاع أن يجلي كثيرا من الغموض خاصة فيما يتعلق ببيان أبنية المخ المختلفة، مقابل وظائفها اللغوية. والتي من خلالها سيتضح الاستعداد الفطري لاكتساب اللغة واستخدامها.
الخاصية الرئيسية للقشرة المخية هي أنها مقسمة إلى مناطق تشكل أساسا لكيفيات عمل خاصة، كالكيفيات الحركية والحسية أو وظائف الاستعراف cognition نعرف منذ قرن أن باحات القشرة المخية المتفارقة ضالعة في معالجات تخص فهم وإنتاج الكلام واللغة".
تتمثل جوانب استعراف اللغة في "النصف الأيسر من القشرة المخية بطول شق سيلفيوس، الباحتين الرئيستين الضالعتين في فهم الكلام وإنتاجه هما : باحة بروكا Aire de Broca وباحة فيرنيك Aire de wernike".
وبالتالي فإن القدرات التي توجد في النصف الأيسر للمخ تختلف عن القدرات التي توجد في النصف الأيمن هذا الأخير له مواهب الموسيقى مثلا ومعرفة النماذج المرئية المعقدة. أما النصف الأيسر فله قدرة تحليلية شاملة لقدرات لغوية خاصة.
" أما الأبنية المخية التي تحتوي على مراكز لغوية فأولها اللحاء Cortex ويحتوي اللحاء على المراكز التي تسيطر على الحركة الإرادية للسان والفك والبلع، وهي جميعا مراكز هامة لإنتاج اللغة".
توجد منطقة بروكا باللحاء في النصف الأيسر من الدماغ ويلاحظ أنه عندما تصاب هذه المنطقة بخلل "تبدأ المشاكل اللغوية حيث يصبح الكلام على هيئة جمل قصيرة وتختفي القدرة على التركيب Syntax ".
في المقابل إذا حدث تلف في النصف الأيمن فإنه لا يحدث ارتباك مماثل، فمنطقة بروكا هامة لإنتاج الكلام.
" أما المنطقة الثانية الهامة لإنتاج الكلام في النصف الأيسر فهي منطقة فيرنيك... ومثل منطقة بروكا فإن جرحا lesion في هذه المنطقة يسبب ارتباكا لغويا معينا ".
هذه بعض التفاصيل فقط لإبراز المقدرة اللغوية للإنسان والتي لها أساس عصبي خاص " وهكذا فإن حديثي الولادة ليسوا ذلك اللوح الناصع الذي وصفه أرسطو بل يظهرون مواهب فطرية في معالجة البيئة اللغوية ".
كما أن جهازهم الإدراكي مهيأ لمعالجة أصوات اللغة، وإذا لم يكن الكلام لغتهم بعد فإنهم يتهيأون له منذ وقت مضى.
تتمثل خصوصية اللغة في كونها خاصة بالجنس البشري وهو ما يؤكد ضرورة وجود استعداد أولي للفعل الكلامي بوصفه صفة بيولوجية ملازمة للإنسان.
يؤكد العقلانيون وعلى رأسهم تشومسكي فرضية ما يعرف بالفطرية Inneisme " أي الوجود الأولي للأفكار والبنيات المعرفية، ومنها البنيات اللغوية عند الإنسان، فالإنسان دون غيره من الكائنات الحية يولد مزودا ببنية لغوية وهي معرفة أولية مستقلة عن أي بيئة تجعله قادرا على اللغة من دون تعلم خاص.
تعد نظرية تشومسكي من أكثر النظريات شيوعا في هذا المجال فقد اهتم بالكيفية التي من خلالها يكتسب الأطفال لغتهم الأم بسهولة ويسر.
" يفترض تشومسكي أن اللغة هي بمثابة استعداد فطري داخلي Ability Innate أي أنها تخصصية بشرية. يولد الأفراد وهم مزودون بالاستعداد القبلي لاكتساب اللغة وإنتاجها" كما "يطلق تشومسكي على الآلية الفطرية التي تولد مع الأفراد اسم أداة الاكتساب اللغوي Language Acquisition Device أو ما يعرف بآلية التوليد اللغوي « LAD » وتتضمن هذه الآلية المعرفة والمعلومات المرتبطة بالمظاهر العامة للغة" وتشكل ظاهرة عامة لجميع أفراد الجنس البشري فمن خلالها يستطيعون استخلاص أصوات اللغة والبناء اللغوي والدلالات والمعلومات الأخرى المرتبطة بالمظاهر المتعددة اللغة.
والقول بالفطرة يعني أيضا "الاستعداد البيولوجي الخاص عند الإنسان للغو، مثلما يلاحظ من استعداد خاص للقدرة على الطيران عند الطيور أو العيش تحت الماء بالنسبة للكائنات المائية. فقدرة هذه الكائنات على القيام بهذا النوع من السلوكات التي تنفرد بها تتم على أساس استعداد قبلي".
ويؤكد تشومسكي "أن الاستعداد البيولوجي لا يؤدي بالضرورة إلى اكتساب اللغة على نحو آلي أوتوماتيكي إذ لابد من التعرف إلى سماع الأصوات اللغوية لتسهيل عملية اكتسابها وتعلمها".
هذه الفكرة نجدها عند الأستاذ إيريك لينبرغ «Eric Lenneberg 1967 » الذي يقول "اكتساب اللغة هي تخصصية فطرية بشرية، وأن التعبير اللغوي يعتمد على النضج الجسمي إلى حد كبير مع القليل من التعرض إلى العوامل البيئية".
كما يشير لينبرغ في سياق آخر إلى وجود بعض العلاقات بين اللغة والنواحي الفيسيولوجية والتشريحية الخاصة بالإنسان "فقد تزايد عدد الأدلة التي تشير إلى أن للسلوك اللغوي علاقات عديدة بالخصائص المورفلوجية (أي الشكلية) والوظيفية لجسم الإنسان منها العلاقة بين اللغة وتركيب جهازي السمع والنطق ومنها العلاقة بينها وبين الدماغ، والتخصصات التي اكتشفت في أجزائه المختلفة وبينها وبين مراكز التنسيق بين الحركات العضلية الخاصة بالنطق، وخاصية السيطرة على التنفس ليتمكن الإنسان من مواصلة الكلام فترة طويلة وخصائص أخرى تتعلق بالحس والإدراك، الملازم للإدراك اللغوي".
سنة 1947 "قام الأستاذ "هايز" وزوجته بالعمل على شمبانزي طفلة سمياها فيكي « VIKI » قام العالمان بتدريبها تدريبا متصلا مكثفا لمدة ثلاثة أعوام. وقد كانت النتيجة أن "فيكي" أصبحت في نهاية تلك الفترة قادرة على فهم عدد كبير من مفردات اللغة... إلا أنها استطاعت أن تنطق أربع كلمات فقط، إثنان منهما "بابا" و"ماما" وحتى هذا العدد المحدود جدا من الكلمات لم يكن بإمكان فيكي نطقه بصورة واضحة".
لقد دلت هذه التجربة غير المجدية أن القرد غير مهيأ فسيولوجيا لنطق الأصوات التي تتكون منها لغات البشر عكس الإنسان وقد رأينا كيف تدل الصفات البيولوجية الخاصة بجهاز النطق في الإنسان على قدرة فطرية خاصة

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  132

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )