• ×
  • تسجيل

السبت 25 مارس 2017 اخر تحديث : 03-18-2017

قائمة

د .موسى حجيرات
بواسطة  د .موسى حجيرات

النّقوط في الأعراس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قديمًا وقف أحدهم بجانب العريس في يوم الزفاف، تناول مبالغ ماليّة من المدعوين إلى حفلة العرس، رفعها بيده وصاح: "خلف الله عليك ، يا أبو "فلان" وهو نقوط للعريس. ثمّ يسمّي المبلغ حتى يعرف الحضور. وفي عصرنا، صار يقف أحدهم وراء العريس، وبيده قلم وورقة، ويسجّل قائمة بأسماء من ناولوا العريس مغلفًا فيه نقود كتهنئة بالعرس.
والنُقوط يعرّف لغويا بأنّه "ما يُهدَى للعروس من مال أو هدايا بمناسبة زواجها. و"نقَّط العروسَ" يعني "قدّم إليها مالًا أو هديَّةً عند زفافها" .
ويقول حسام الدّين عفانة: "النقوط هو ما يُهدى في الأعراس خاصة، وفي الأفراح والمناسبات السّعيدة عامّة، كبناء بيتٍ جديدٍ، أو النّجاح في التّوجيهي، أو في الجامعة، أو عند الولادة ونحوها. والنّقوطُ من العادات والأعراف الحسنة في المجتمع، وهو معروفٌ قديمًا، ولا زال العملُ به جاريًا في كثيرٍ من المجتمعات في وقتنا الحاضر".
النقوط شرعًا، ما زال مثار جدل ومحلُّ خلافٍ بين الفقهاء؛ فمنهم من اعتبره قرضًا يجب سدادُهُ مستقبلًا، ومنهم من اعتبره هبة لا تُردُّ. وعند الحنفية المرجع في تكييفه يعود لعرف الناس وعادتهم" .
وفي المجتمع البدوي في الجنوب، وكذلك شرق الأردن تنتشر عادة "القَوَد"، وهو عبارة عن خروف سمين أو مقدار ثمنه نقدًا، ويعاد لأصحابه عندما تكون عندهم مناسبة مماثلة لأن ذلك يعتبر دَيْنا عليه، ويقولون:" أكل الرّجال عند الرّجال قُرْضة وعند الأنذال حَسَنة" .

والهدف من النّقوط يجب أن يكون "إعانة ومساعدة أهل العروسين على تحمل أعباء ما قد يتكلفونها ويقومون
بها من التّكاليف لإقامة الحفلات الشّرعية التي غالبًا ما تلازم الأعراس، هذا بالإضافة إلى إدخال السّرور عليهم، لا أن تكون للمفاخرة، أو التّبذير، أو الذّكر أمام الآخرين" .
ويقول علماء الشّافعية: "إنّه من باب الإعارة، يرجع به صاحبه سواء أكان مأكولًا أم غير مأكول ـ حاشية عوض على الخطيب في باب الهبة، وعلى هذا الرّأي تكون الهدايا دَينًا يلزم الوفاء به في حياة الإنسان وبعد مماته". أمّا حكمه لديهم "فيرجع إلى العرف ليحكم عليه بأنّه هبة للمساعدة والمجاملة، لا ينظر إلى ردّها، أو بأنّه إعارة، أو سُلفة لا بدّ من ردّها، أو ردّ مثلها، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطا" .
وللنقوط في الأعراس ايجابيّات منها:
أ*. كون النّقوط ثمرة التّواصل الاجتماعي، بل محفّز عليه، إذ في هذه الأيّام ينقطع التّواصل الاجتماعي، وحتّى الأسري بين النّاس لظروف العصر الحديث التي تفرض في كثير من الأحوال انشغال الآخرين عن أصدقائهم وحتّى عن أهلهم، وذويهم. لهذا فالنّقوط والمبادرة له يحفّز المرء على المشاركة، والمشاركة تثمر تواصلًا اجتماعيًّا.
وباعتراف الكثيرين من الذين يشاركون في الأعراس حتّى الجامعة للمنكرات دفاعًا عن مشاركتهم يقولون "هذه فرصتنا لنرى الأحبّة في "الفرح والكره"، والكره يعني المأتم.
ب*. يعتبر النّقوط ،المبلغ والطقس الذي يقدّم فيه، استمراريّة في المحافظة على الموروث الاجتماعي، وعادات الآباء والأجداد الذين دأبوا للتّعاضد والتّكافل الاجتماعي، واهتمّوا ببعضهم البعض اجتماعيّا واقتصاديّا.
ت*. كذلك فالنّقوط وسيلة مساعدة ماديّة للعريس وعروسه المقبلين على حياة الزّوجيّة وعونهم على الاستقلاليّة في البيت الجديد وتجهيزه، والكلّ يعرف الأوضاع الماديّة لأبناء المجتمع في حياتهم العاديّة؛ فكيف من بنوا بيتًا جديدًا ومن أثقلت كاهلهم الدّيون، والمستحقّات للآخرين.
ث*. يعتبر النّقوط مشاركة رسميّة في نفقات العرس. ففي حالات معيّنة يتعدّى النّقوط كونه مبلغًا بسيطًا، بل مبلغًا يُدفع في أحد المنافذ التي تحتاج الدّفع كتكاليف الطّعام، والمشروبات، أو استئجار الكراسي، أو بيت الفرح، أو الدّفع للفرقة الموسيقيّة، أو "السّتيريو" أو "الحدّاية"، وما إلى ذلك.
وقد تكون ايجابيّات أخرى، ولكن للنّقوط سلبيّات كثيرة منها:
أ*. يعتبر النّقوط في هذه الأيام وفي معظم المجتمعات دَينًا يجب سداده.
ب*. إنّ في طريقة تقديم النّقوط للعريس، أو العروس، وهي أبسط ما يكون مبلغًا ماليًّا يُخْرَج من جيوب المدعوّين، ويوضع في يد العريس إحراج كبير للعروسين، إذ ما هي إلّا مدّ اليد للآخرين.
ت*. يتعامل الكثير من الدّاعين للأعراس في هذه الأيّام مع النّقوط على أساس تقدير المبلغ حسب الرّبح والخسارة. فنسمع عادةً بعد كلّ عرس حين يجري الحديث عن النّقوط أنّ فلانًا ربح كثيرًا، فيختلقون الأسباب لذلك أهمّها "فلان اجتماعي" ويشارك في كافّة الأعراس، ولكن، أحيانا، يقولون: "خسر فلان"، والأسباب واضحة فهو "كُحتة" (يعني بخيل) لا يشارك حتّى أقاربه. وأحيانًا يقولون: "غطّت بعضها" يعني الأرباح والمصاريف، أو يقال "القبع بهالرّبع".
ث*. إنّ النّقوط في الأعراس والذي، كما قيل، يعتبر عونًا للعريسين، ومشاركتهم المصاريف والنفقات، قد يُرى وكأنّه مشاركة في منكرات الأعراس التي تُجمَع في هذا الزّمان، ويجمع كلّ العقلاء على إنكارها وتحريمها.
ج*. يعتبر النّقوط عبئًا اقتصاديًّا ماديًّا على المدعوّيين حيث قديمًا كان يُدعى لفرح واحد، أو اثنين في البلدة الواحدة، ولكنّه في هذه الأيّام يُدعى إلى افراح كثيرة، وعليه تحمّل عبء ذلك ماديّا.
ح*. إنّ الأوضاع الاقتصاديّة الصّعبة التي يمرّ بها المجتمع العربي في الدّاخل تُثقل على الأفراد، وبشكل مؤلم، وحتّى بات الفقر يصل إلى كلّ بيت في الدّاخل، وشاعت في هذه الظّروف قضيّة النّقوط المبذول اليوم، والمسترد غدًا ممّا جعل البعض يرونه اقتراضًا قسريًّا من المدعوّيين، ولهذا فالبنك حسب اعتبار هؤلاء أفضل؛ فهو أستر اجتماعيًّا ولا يعاتب في حال التّقصير أبدًا.
خ*. تحوّل النّقوط من أداة تكافل اجتماعي إلى أداة تمويل للتّوسّع الاستهلاكي في المجتمع العربي في الدّاخل .
د*. في كثير من الحالات تحدث مقارنة كميّة النقوط بالوجبة والعشاء، ونتيجة المقارنة تكون خسارة ماليّة إذ يفوق المبلغ المدفوع كنقوط للعريس ثمن الوجبة بكثير.
ذ*. يحدث كثيرًا التّنافس بين الأقارب من صاحب النّقوط الأكثر المقدم؟ ولهذا يتحوّل النّقوط إلى وسيلة للتّباهي والتّفاخر. وهكذا فالنّقوط في الأعراس، والحكم عليه اجتماعيًّا واقتصاديًّا وشرعيًّا يقتضي البحث والتقصي عن الهدف منه، أو على الأقل النيّة في فعله، وكذلك بحث ردود الفعل الاجتماعيّة إثر تقديمه في حال المشاركة في الأعراس بهذه الأيّام.
ففي حال المشاركة وتقديم النّقوط يُسأل المدعو عن المبلغ للتبجّح، والتّفاخر، والتّباهي وكذلك الداعي، أيضًا.
وفي حال عدم المشاركة، وعدم تقديم النّقوط فالعتاب، واللوم من قبل الدّاعي، ويصل، أحيانًا، إلى الغضب، والتّجريح، وعن المدعو يقال "البخيل"، و"المنطوي على نفسه"، و"غير الاجتماعي" ويُعطَى الصّفات الاجتماعيّة السّيئة التي ليست فيه أبدًا.
عصر غريب، فيه يقف المدعو إلى الأعراس بين البخيل وبين المسرف؛ فالخيار الذي يعتقده البعض صعبًا هو سهل وهيّن. فالله يقول: "إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ" .
والرّسول صلى الله عليه وسلم قال حين سُئل أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: "نعم"؛ فالخيار إذن بين بخيل يرضاه الله ورسوله، وبين مسرف يبغضه الله ورسوله، ويعتبر من إخوان الشّياطين.

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  396

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )