• ×
  • تسجيل

الأربعاء 28 يونيو 2017 اخر تحديث : 06-22-2017

قائمة

د. الطاهر على موهوب ابراهيم
بواسطة  د. الطاهر على موهوب ابراهيم

الثقافة السياسية وأثرها فى المشاركة السياسية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تتضح أهمية دراسة الثقافة بالنسبة لعلم الاجتماع من خلال أنه لا يمكن فهم اختلاف سلوك الجماعات التى تنتمى إلى مجتمعات مختلفة، دون دراسة ثقافة هذه المجتمعات( ). حيث تمارس الثقافة خاصة فى جانبها السياسى تأثيراً كبيراً فى توجيه سلوك الأفراد. وهو ما دفع "لينتون" Linton إلى التقرير أن ما يعتقده فرد معين وما يفعله وكذلك أساليب استجابته لمختلف المثيرات فى بيئته، يتوقف على الثقافة التى يشب فى ظلها الفرد( ).
وعن التأثير الذى تمارسه الثقافة السياسية على المشاركة السياسية للأفراد، يرى بعض الباحثين أن الثقافة السياسية تؤثر على علاقة الفرد بالعملية السياسية، فبعض المجتمعات تتميز بقوة الشعور والولاء الوطنى والمواطنة والمسئولية. وهنا يتوقع أن يشارك الفرد فى الحياة العامة، وأن يسهم طواعية فى النهوض بالمجتمع الذى ينتمى إليه. وفى دول أخرى يتسم الأفراد باللامبالاة والاغتراب وعدم الشعور بالمسئولية تجاه أى شخص خارج محيط الأسرة وفى بعض الأحيان ينظر الأفراد إلى النظم السياسية نظرة شك وعدم ثقة، ويعتبرها مجرد أداة لتحقيق مصالح القائمين عليها( ). وعلى هذا الأساس يمكن القول أن طبيعة المجتمعات وما يسودها من ثقافة سياسية تؤثر بشكل كبير على علاقة الفرد بالنظام السياسى وعلى اتجاهه نحو المشاركة السياسية، والتى يعتبرها كثيراً من الباحثين من أهم العمليات السياسية. وهو ما دعى "دانيل ليونر" Daniel Leaner إلى التأكيد على أنها من المحددات الهامة التى تحدد موقع المجتمعات الانتقالية بين المجتمعات التقليدية والحديثة( ). ويتوقف ذلك إلى حد كبير على طبيعة الثقافة السياسية السائدة فى تلك المجتمعات ويظهر ارتباط الثقافة السياسية بالمشاركة كما أشار Walter Rosenbaum، حينما تعمل هذه الثقافة على تكوين الاتجاهات والمعتقدات والعواطف التى تدفع الأفراد إلى المشاركة فى العمليات السياسية المختلفة، كما أنها تحدد القواعد التى تحكم هذه المشاركة، بالإضافة إلى أنها تعمل على تحقيق تقبل الناس للنظام السياسى، ويتم ذلك من خلال مد الأفراد بالمعرفة والمعلومات عن النظام وتبرير شرعية وجوده( ).
وفى هذا الاتجاه تؤكد "إيمان نور الدين" أن كل نظام سياسى يحتاج إلى ثقافة سياسية معينة تغذيه وتحافظ عليه وتضمن استقراره، فالحكم الفردى تلائمه ثقافة سياسية تتمحور عناصرها فى الخوف من السلطة وطاعتها، مع ضعف الميل للمشاركة وفتور الإيمان بكرامة وذاتية الإنسان، وعدم السماح بالمعارضة، وفى المقابل يتطلب الحكم الديمقراطى ثقافة ديمقراطية تؤكد على حرية الفرد وذاتيته وكرامته، وبأن له حقوقاً لا يمكن للسلطة الحاكمة أن تنال منها، بالإضافة إلى شعور بالثقة والاقتدار السياسى بين الأفراد، وتحتاج الديمقراطية أيضاً إلى التزام أصيل وراسخ باحترام قواعد اللعبة السياسية، أو قواعد التنافس السياسى( ).
ويمكن الحكم على تأثير الثقافة السياسية فى المشاركة السياسية من حيث الدرجة والمستوى من خلال عملية الوعى السياسى Political consciousness والذى تشكله الثقافة السياسية، عن طريق إكساب الفرد القيم والاتجاهات والمعايير السياسية السائدة فى المجتمع. "فالوعى السياسى للمواطنين يعتمد على درجة الثقافة والتعليم التى وصل إليها أفراد الشعب، حيث تؤهل الثقافة والتعليم الشعب للمشاركة الإيجابية"( ).
وانطلاقاً من أن الوعى السياسى هو مجموعة من القيم والاتجاهات والمبادئ السياسية التى تتيح للفرد أن يشارك مشاركة فعالة فى أوضاع مجتمعه ومشكلاته، يحللها ويحكم عليها ويحدد موقفه منها ويدفعه إلى التحرك من أجل تطويرها وتغييرها( ). وأنه يعنى معرفة المواطن لحقوقه السياسية وواجباته وما يجرى حوله من أحداث ووقائع، وقدرته كذلك على التصور الكلى للواقع المحيط به كحقيقة كلية مترابطة وليس كوقائع جزئية وأحداث متناثرة. يشير "صابر عبد ربه" إلى أن التغيرات العالمية الراهنة والتى شهدها المجتمع الإنسانى منذ التسعينات من القرن العشرين بما تشمله من تسييس العالم وترابط أجزائه وتعقد مشكلاته وقضاياه، جعلت من قضية الوعى السياسى ودور الفرد فى المجال السياسى، واحدة من أهم القضايا التى ينبغى على الفكر السياسى والاجتماعى الاهتمام بها، خاصة وأن هناك من يتحدث عن وعى كونى أو ثقافة كونية Global culture فى إطار الثورة التكنولوجية المعاصرة بما يعنى اتساع دائرة الوعى السياسى اللازمة لتفاعل الفرد مع المتغيرات السياسية العالمية الراهنة، حيث لم يعد مفهوم الوعى السياسى قاصراً على مجرد معرفة الفرد لقضايا مجتمعه، ومشاركته فى الأنشطة السياسية داخل هذا المجتمع. بل امتدت لتشمل ضرورة الوعى بما يجرى من أحداث ووقائع على المستوى العالمى، تلك القضايا التى أصبح لها أثرها المباشر على حياته ومعيشته فى إطار ما يسمى بالنظام العالمى الجديد New World Order وعملية العولمة السياسية Political Globalization، وكيف يتمكن من التأثير فى مجريات الأحداث العالمية التى تؤثر فى حياته( ). فالوعى السياسى يتكون من خلال إدراك الفرد لما يسود المجتمع من معرفة سياسية، فهو يمثل الجانب الخاص بالمعلومات والمعرفة السياسية وهى جانب من الثقافة السياسية التى تحوى أيضاً القيم والاتجاهات والمعايير والأفكار السياسية، وهذا يعنى أنه إذا كان للوعى السياسى أثر فى المشاركة السياسية، فإن للثقافة السياسية الأثر الأكبر فى هذه المشاركة( ).
وتؤثر الثقافة السياسية فى عملية المشاركة السياسية فى جانب آخر وهو ما يتعلق بدرجة التجانس الثقافى، وانعكاس هذا التجانس على الاستقرار السياسى. فالثقافة المشتركة تعطى الإنسان شعور بالانتماء وذلك لأنها تربط الأفراد معاً فى جماعة واحدة يشعرون فيها بالتوحد والاندماج فالتجانس الثقافى والتوافق بين الجماعات المكونة للمجتمع يساعدان على الاستقرار، أما التجزئة الثقافية والاختلاف بين الجماعات فى المجتمع فيمثلان مصدراً لتهديد استقرار النظام السياسى( ). وهو ما ينعكس على مشاركة الأفراد على العملية السياسية.
ويشير William Kornhauser فى هذا الاتجاه إلى أنه يتوجب على المجتمع الديمقراطى ألا يكون مرتبطاً بقمع عنيف للاختلاف الثقافى طالما أن الحقوق المتساوية لا تختلط بمحو كل الفروق الاجتماعية.. فالتعددية الاجتماعية تنتج وتحدث التباين فى الثقافة وأمور السياسة( ). حيث أن بعض الأنظمة السياسية فى سبيل سعيها لتحقيق الاستقرار قد تلجأ إلى العنف والقمع تجاه أى حركات تمرد نابعة من ثقافة معينة تغذيها. وعن هذه النقطة يرى "محمد على" فى إطار تناوله لثقافة الشباب أن النظام السياسى فى سعيه لقمع حركات الرفض والتمرد من جانب الشباب قد يلجأ إلى العنف وذلك لتوفير مناخ السلام الاجتماعى( ). وهذا يدل على أن أى مجتمع يشتمل على اختلاف ثقافى ناتج عن تباين الطبقات الاجتماعية Social Class، لكنه فى نفس الوقت يؤكد أنه يتوجب على المجتمعات الديمقراطية وهى فى سبيل سعيها لتحقيق الاستقرار الاجتماعى والسياسى، ألا تعمل على قمع هذه الاختلافات الثقافية بين أفراد المجتمع والتى تحدد رؤية كلاً منهم للنسق السياسى وطبيعة علاقتهم به. وعلى هذا يتبين الأثر الذى تلعبه الثقافة السياسية فى التأثير على المشاركة السياسية من خلال إكسابها للقيم والاتجاهات والمعتقدات السياسية التى تشكل الوعى السياسى للأفراد.
ولما كان المقال يحاول ان يثبت العلاقة بين الثقافة السياسية والمشاركة في العملية السياسية فلابد من التطرق الى علاقة الثقافة السياسية بعملية التنشئة الاجتماعية والتى تعد حلقة الوصل بينهما
وفى هذا الاتجاه فإن دراسة عملية التنشئة هى دراسة كيفية تعلم الطفل إثبات عضويته فى المجتمع، وممارسة الأحداث الاجتماعية ومعرفتها من الآخرين( ). ولما كان السلوك السياسى للفرد فى مرحلة النضج يتحدد جزئياً بجرعات التنشئة التى يتلقاها فى مراحل الطفولة والمراهقة، فالإنسان فى مختلف مراحل حياته يعايش مؤسسات عديدة بعضها مفروض عليه وبعضها الآخر إرادى ينضم إليه طوعاً دون ما ضغط، وفى كل هذه المؤسسات يتلقى خبرات يختزنها فى ذاكرته لتساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فى تحديد موقفه السياسى( ). فمؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية تعمل على تلقين الفرد القيم والاتجاهات السائدة. وعلى هذا يشير
"صابر عبد ربه" إلى أن السلوك السياسى Political behavior للفرد هو جزء من سلوكه العام باعتباره كائناً اجتماعياً يتفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية فى مجتمعه، والتى تشكل فى جملتها عوامل مؤثرة ليس فقط فى سلوكه السياسى بل وفى وعيه السياسى، وبالتالى يصبح من المستحيل فصل الفرد عن الوسط الذى يعايشه، والذى يعد مصدراً للمعرفة بالنسبة له( ).
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة القوية التى تربط بين الثقافة السياسية وبين التنشئة الاجتماعية والسياسية تنعكس سلباً وإيجاباً على اتجاهات الأفراد نحو المشاركة السياسية، وذلك من خلال أن الثقافة السياسية –وعبر مراحل التنشئة بمختلف مؤسساتها- تعمل على ربط الأفراد معاً فى شعور واحد يتسم بالولاء والانتماء لمجتمعهم. وهو ما يؤكده أحد الباحثين بالقول بأن التنشئة تنمى لدى الجماهير الشعور بالولاء والانتماء ، وخلق إحساس بالهوية القومية( ). وهذا يعكس مدى فاعلية التنشئة السياسية التى يتلقاها الفرد خلال مراحل حياته، والتى يكتسب عن طريقها القيم والمعتقدات والاتجاهات السائدة فى المجتمع، والتى تظهر رؤية المجتمع والنظام السياسى القائم. فكانت مشاركة الفرد هى التعبير الواضح عن تلك التنشئة التى تحصل عليها، ومكنته من الوقوف إلى جانب النظام مؤيداً ومعارضاً له، أو عدم المبالاة به لسيادة قيم مخالفة لما هو قائم فى المجتمع( ). ويرى "تيدتبر" Tedtapper أن هناك تفسيراً للعلاقة بين الثقافة السياسية التى تكونت خلال عملية التنشئة السياسية وبين المشاركة السياسية، وهذا التفسير ينظر إلى المشاركة السياسية باعتبارها نتيجة لما اكتسبه الفرد من الثقافة السياسية، فسلوك المشارك سياسياً يحتاج بالتأكيد إلى مهارات واستعدادات وعمليات تنشئة خاصة، تتكون من خلالها ثقافة سياسية تؤثر جميعها فى تشكيل هذا السلوك( ).

ويستخلص من العرض السابق أن هناك علاقة تربط بين الثقافة السياسية والتنشئة الاجتماعية والسياسية، وأن لهذه العلاقة تأثيرها على المشاركة السياسية للأفراد. فهناك علاقة عضوية تربط بين الثقافة السياسية والتنشئة من خلال أن الثقافة تعد هى المحيط الذى تستمد منه هذه التنشئة مضامينها الاجتماعية والسياسية، وأن الثقافة السياسية تتكون وتنقل من جيل إلى جيل عبر التنشئة هذا من جهة، وأن الثقافة السياسية وما يرتبط بها من وعى سياسى يكتسبه الأفراد عن طريق التنشئة الاجتماعية والسياسية تساهم إلى حد كبير فى دفع هؤلاء الأفراد نحو المشاركة الفعالة فى العملية السياسية من جهة ثانية.
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

( ) طلعت إبراهيم لطفى، مدخل إلى علم الاجتماع(القاهرة: دار غريب، ط1، 1993م) ص 61.
( ) سيد صبحى، الإنسان وسلوكه الاجتماعى(القاهرة: مطبعة التقدم، د.ت) ص 62.
( ) السيد عليوة، منى محمود، المشاركة السياسية,الموسوعة السياسية للشباب (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2000م)ص 49.
( ) فؤاد أبو حطب، الكتاب السنوى فى علم النفس، المجلد السادس ،القاهرة: الأنجلو المصرية، 1989م،
ص ص 151 ، 152.
( ) السيد شحاتة، دور الثقافة السياسية فى مواقف الشباب نحو العمل السياسى,دراسة للمجتمع المصرى فى السبعينات، رسالة دكتوراه، آداب الإسكندرية، 1993م ، مرجع سابق، ص 175.
( ) إيمان نور الدين أمين، دور المدرسة فى التنشئة السياسية، دراسة حالة مقارنة بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة، رسالة ماجستير، الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة، 1990م، ص ص 14 ، 15.
( ) عاطف عدلى العبد، الرأى العام وطرق قياسه، الأسس النظرية –الجوانب المنهجية- النماذج التطبيقية- التدريبات العملية(القاهرة: دار الفكر العربى، 2000م) ص 42.
( ) على أسعد وطفة، التحديات السياسية والاجتماعية فى الكويت والوطن العربى، بحث فى مضامين الوعى السياسى عند طلاب جامعة الكويت، سلسلة عالم الفكر، عدد 3، المجلد 31 ،الكويت: المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، 2 يناير/مارس، 2003م، ص 71.
( ) صابر محمد عبد ربه، الاتجاهات النظرية فى تفسير الوعى السياسى( الإسكندرية: دار الوفاء، 2002م) ص 14.
( ) السيد شحاتة، دور الثقافة السياسية فى مواقف الشباب نحو العمل السياسى، مرجع سابق، ص 174.
( ) إيمان نور الدين، دور المدرسة فى التنشئة السياسية، مرجع سابق، ص 15.
( ) Kornhauser, William “The Politics of Mass Society” Rout Ledge and Keg an Paul, Ltd, London, 1968, p. 104.
( ) محمد على محمد، الشباب والمجتمع، دراسة نظرية وميدانية (الإسكندرية: فرع الهيئة العامة للكتاب، 1980م) ص 42.
( ) Cook- Gumperz, Jenny “Social Control and Socialization, A Study of Class Differences in the Language of Maternal Control” Routledge and Kegan Paul, Ltd, London, 1973, p.7.
( ) عبد الهادى الجوهرى وآخرون، دراسات فى علم الاجتماع السياسى(سيوط: مكتبة الطليعة، 1979م) ص 81.
( ) صابر محمد عبد ربه، الاتجاهات النظرية فى تفسير الوعى السياسى، مرجع سابق، ص ص 8،9.
( ) صابر محمد عبد ربه، دور الأحزاب السياسية فى التنمية فى الدول النامية، دراسة ميدانية على حزبين بالمجتمع المصرى، رسالة دكتوراه، آداب المنيا، 1989م.ص 93.
( ) جمال السيد إبراهيم، دور وسائل الإعلام فى تنمية الوعى السياسى فى العالم الثالث، دراسة لحالة مصر فى التسعينات، رسالة ماجستير، آداب الإسكندرية، 1993م،، ص44.
( ) السيد شحاتة، دور الثقافة السياسية فى مواقف الشباب نحو العمل السياسى، مرجع سابق، ص 126.

إرسال لصديق
بواسطة : هبة محمد
 0  0  1.0K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )