• ×
  • تسجيل

الأربعاء 26 فبراير 2020 اخر تحديث : 02-24-2020

قائمة

almushref
بواسطة  almushref

الدراسات الإقليمية في الفكر الجغرافي الحديث

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط






الدراسات الإقليمية في الفكر الجغرافي الحديث
إعداد
د. فاتح شعبان شعبان
كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة حلب











مقدمة
تمثل الجغرافيا الإقليمية Regional Geography مصب الجغرافيا ومجمعها ونهايتها وقمتها( )، فإذا كانت الجغرافيا هي علم التباين الأرضي لسطح الكرة الأرضية( )، فمن الطبيعي أن تكون قمة الجغرافيا هي التعرف على شخصيات الأقاليم Regional Personality، وإذا كان الإقليم بهذا التعريف هو قلب الجغرافيا، فمن المنطقي أن تكون الشخصية الإقليمية هي قلب الإقليم، ومن ثم بيقين أعلى مراحل الفكر الجغرافي( ).
ويدل ما سبق على مدى أهمية الجغرافيا الإقليمية وعلو كعبها في الدراسات الجغرافية، وقد حظيت الدراسات الإقليمية بأهمية كبيرة في الدراسات الجغرافية في الفكر الجغرافي الحديث، وكانت الحل الأمثل لأولى الأزمات التي تعرض لها الفكر الجغرافي الحديث في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ونقصد بذلك أزمة ازدواجية الجغرافية.
يقدم هذا البحث لمحة عن أهمية الدراسات الإقليمية في الفكر الجغرافي الحديث في الفترة التي تمتد من عهد فون همبولت وكارل ريتر في القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين. ويحاول هذا البحث أن يستعرض الأسباب التي دفعت الجغرافيين إلى الاتجاه نحو الدراسات الإقليمية في العصر الحديث، ومن ثم أهم الاسهامات التي قدموها في هذا المجال لاسيما في النصف الأول من القرن العشرين الذي ازدهرت فيه الدراسات الإقليمية أكثر من أي وقت آخر، ومن ثم يستعرض البحث حال الدراسات الجغرافية في الفكر الجغرافي خلال النصف الثاني من القرن العشرين وأسباب تراجعها ومن ثم الدعوة إلى إحيائها والعودة إليها من جديد.
أولاً: الجغرافيا في الفكر الجغرافي الحديث:
لم يكن مفهوم الجغرافيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر واضحاً، وكان المفهوم الشائع لدى الناس - وربما لا يزال - أن الجغرافيا موضوع معرفي غير تخصصي يتناول وصف ظاهرات سطح الأرض، ويمدنا بمعلومات عن العالم ومناطقه وأقطاره وبلدانه. وهذا المفهوم يرجع أساساً إلى أن الكتّاب حينذاك لم يتمكنوا من إيجاد مفهوم جغرافي يتضح من خلاله هدف يحدد معالم الطريق لكل مشتغل في الحقل الجغرافي.
ولم يكن الاهتمام بالجغرافيا - في تلك الفترة بذاتها كعلم متميز عن غيره، وإنما كان ينظر إليها على أنها موضوع مساعد يستعان بها في بعض أمور الحياة كتفسير أحداث التاريخ وتحليل شخصياته. وكثيراً ما استُخدمت الجغرافيا في تفسير نشوء الأمم والدول والإمبراطوريات ومن ثم انكماشها وضعفها وسقوطها.
وقد ركز الجغرافيون في ذلك الوقت على المظاهر العلمية للجغرافيا دون أن يحاولوا إيجاد مرتكزات نظرية تكون صالحة لعمليات تنظيرية يقوم عليها علم جغرافي له شخصيته المستقلة وهويته الواضحة وهدفه البين( ).
ودخلت الجغرافيا في مطلع القرن التاسع عشر مرحلة جديدة، وهي التي أُطلق عليها (مرحلة الجغرافيا الكلاسيكية)، وقد مثّلت هذه بداية الجغرافيا الحديثة بمفهومها العلمي الجديد الذي يعتمد التحليل والربط والتعليل، ويعود الفضل في ذلك إلى العالمين الألمانيين ألكسندر فون همبولت Alexander von Humboldt (1769 - 1859) وكارل ريتر Carl Ritter (1779 - 1859)( )، حيث قاما بتطوير الأفكار والمفاهيم النظرية الجغرافية التي كانت سائدة في أواخر القرن الثامن عشر وتحويلها إلى حقائق من خلال اتباعهما للمنهجين التجريبي Empirical والاستقرائي Inductive.
وقد ركز همبولت في كتاباته على المظاهر غير البشرية، وحصر دراساته في الأوجه الطبيعية. أما ريتر فاتخذ المظاهر غير البشرية لتساعده في دراساته الإنسانية. وفي الوقت الذي اهتم فيه همبولت كثيراً بالجغرافيا العامة، فإن الإقليمية كانت أكبر إنجازات ريتر الذي أكد مراراً على أهمية التنظيم الإقليمي للجغرافيا( ).
وتعرضت الجغرافيا للانتكاس بعد وفاة همبولت وريتر في العام نفسه 1859، فهما لم يتركا هيكلاً كاملاً واضحاً لموضوع الجغرافيا، مما أدى إلى حدوث أزمة في الفكر الجغرافي بعد موتهما، وسارت تيارات الفكر الجغرافي في اتجاهات مغلوطة، وبدأ التركيز على دراسة الظاهرات الطبيعية أكثر من تلك البشرية، وتحول الثقل في الدراسات الجغرافية إلى الجانب الطبيعي، وأصبحت دراستها تعني دراسة الجغرافيا الطبيعية والعكس صحيح، ووصل الأمر بالبعض مثل جورج جيرلاند Gerland George (1833 - 1919) إلى استبعاد كل الظاهرات البشرية من الدراسة الجغرافية، ونادى بوجوب العودة إلى الجغرافيا العلمية الصرفة واستثناء العامل البشري من عناصر الدراسة الجغرافية. وفي الوقت نفسه اهتم فريدريك راتزل Fredrich Ratzel (1844 - 1904) بالإنسان وظاهراته، وكان من أوائل الذين حملوا لواء الدعوة لرد الاعتبار إلى العنصر البشري والدراسات الجغرافية وذلك في كتابه Anthropogeographie الذي حاول فيه فتح صفحة جديدة في ميدان العلاقة بين الإنسان والطبيعة وذلك برفع الدراسة البشرية في الجغرافيا إلى مستوى الدراسة الطبيعية( ).
وزاد الاهتمام بالعامل البشري في الدراسات الجغرافية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبالغ البعض في آرائه مثل الأمريكية ألن سمبل Ellen Semple (1863 - 1932) تلميذة راتزل التي أكدت على تأثير البيئة في الإنسان وحتميتها، وألفت عام 1911 كتاباً بعنوان (مؤثرات البيئة الجغرافية Influence of Geographic Environment) قالت فيه إن الإنسان هو نتاج سطح الأرض التي أرضعته وغذته ووجهت أفكاره وجابهته بالصعاب التي تقوي جسمه وتشحذ عقله وأعطته المشكلات وهمست له بحلولها( ).
ثانياً: الاتجاه نحو الدراسات الإقليمية:
أدت زيادة الاهتمام بالعامل البشري في الدراسات الجغرافية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى زيادة الانشقاق والتصدع في كيان الفلسفة الجغرافية، كما ازداد جانبا الدراسة الطبيعية والبشرية استقلالاً، وأصبح كل منهما يضع الآخر في درجة ثانوية في الأهمية عند معالجة ظاهرة ترتبط بموضوعه( )، وأسهم التوسع الذي شهدته الجغرافيا في ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر باجتذاب هذا الحقل لرجال لم يتدربوا فيه أصلاً، ولكن في حقول أخرى متنوعة، وقادت وجهات النظر المختلفة إلى مناقشات منهجية شديدة، وقادت إلى ازدياد الانقسام بين الجغرافيا الطبيعية والبشرية( ).
وقد أدى ذلك إلى وقوع الجغرافيا في مشكلة الازدواجية أو الثنائية (طبيعية - بشرية)، ودفع ذلك البعض إلى الاتجاه نحو الدراسات الإقليمية، فهي تستطيع أن تخلص الجغرافيا من مشكلة الازدواجية، وذلك لأن الإقليم يمثل الوعاء الذي يشمل مختلف الظواهر، وفيه يمكن تحليل التداخل بين الظواهر الطبيعية والبشرية، وعلى هذا النحو يصبح الإقليم بؤرة اهتمام الجغرافي وميدانه التخصصي( ).
وترجع بداية الجغرافيا الإقليمية إلى اليوناني هيكاتيوس Hecataeus (550 - 476 ق.م) الذي قام بوصف العالم المعمور على أساس إقليمي، ويعتبر هذا العمل بداية الجغرافيا الإقليمية( ). وظهرت فكرة تقسيم العالم إلى أقاليم لدى الإغريق، فقد قسّم بوزيدونس Posidonius (130 - 50 ق.م) سطح الأرض إلى عدة أقاليم، كما أن بطليموس Pitlemaeus (75 - 173م) قسّم العالم المعروف حينذاك إلى سبعة أقاليم مناخية( ).
وتَمثل الفكر الجغرافي الإقليمي في العصور الوسطى بكتابات الجغرافيين المسلمين، وقد حظيت الدراسات الإقليمية بالحيز الأكبر من الكتابات الجغرافية في تلك الفترة لاسيما بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية، ويعد كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم لكاتبه محمد بن أحمد المقدسي (947 - 990م) أشهر ما كتب في الجغرافيا الإقليمية في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فقد قسّم فيه الدولة الإسلامية إلى 14 إقليماً، منها: إقليم الشام، وإقليم مصر، وإقليم جزيرة العرب، وإقليم خراسان، وغيرها، وقسم كل إقليم إلى كور، ووصف أحوال تلك الأقاليم وسكانها ومدنها ومناخها وأنهارها وغير ذلك من مكونات تلك الأقاليم.
أما في العصر الحديث فقد أشاد كل من همبولت وريتر بالدراسات الإقليمية على الرغم من اختلافهما في المسلك، وفي الوقت الذي رأى فيه همبولت أن الجغرافيا العامة يجب أن تسبق الدراسات الإقليمية كان ريتر يرى أن البداية يجب أن تكون للدراسات الإقليمية( ).
ونتيجة لسوء الفهم الذي اعترى الدراسات الجغرافية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وظهور ازدواجية الجغرافي؛ اتجه البعض إلى الدراسات الإقليمية، وقد حمل لواء هذا الاتجاه الفيلسوف الألماني ألفرد هتنر Alfred Hettner(1859 - 1941) الذي رأى أن هدف الجغرافيا هو معرفة الاختلافات المكانية بين جزء وآخر من سطح الأرض والأسباب التي أدت إلى ذلك. وكان هتنر قد قسم العالم إلى أقاليم طبيعية في كل قارة على أساس طبيعي( )، وقال: إن الدراسات الإقليمية هي التي تميز الجغرافيا كعلم. ومن وجهة نظره فإن الدراسات الجغرافية تقوم بتحليل العلاقات المتبادلة بين البيئة والقوى الطبيعية والتأثيرات المحلية في الإقليم الذي يمثل بدوره الميدان الرئيسي للدراسات الجغرافية( ).
ويعود الفضل في تخلص الجغرافيا من مشكلة الازدواجية بشكل رئيسي إلى هتنر( )، لكن تجدر الإشارة إلى أنه أخذ أفكاره عن الجغرافيا الإقليمية من أستاذه فرديناند ريختهوفن Ferdinand von Richthofen (1833 - 1905) الذي وضع إطاراً لدراسة الجغرافيا يبدأ بدراسة البيئة الطبيعية ثم ينتقل إلى تحليل توزيع الإنسان ونشاطاته في مناطق مختلفة من سطح الأرض، وهذا المنهج هو ما يشار إليه بالجغرافيا الإقليمية( ).
وعلى العموم فإن فلسفة هتنر لم تكن إلا امتداداً للجغرافيا الكلاسيكية، ويرى البعض أن الجغرافيا بشكلها الجديد الذي يؤكد على الدراسة الإقليمية نمت وتطورت في فرنسا على يد الأستاذ فيدال دي لابلاش Vidal de la Blache (1845 - 1918) الذي يعد عميد المدرسة الفرنسية بلا منازع، وقد استطاع هذا العالم أن يضع الأسس المنهجية السليمة للدراسات الإقليمية وأكد على ضرورتها لتوضيح آثار العوامل العديدة: الطبيعية والتاريخية والسياسية والاقتصادية في تكوين شكل السطح لأية بقعة على سطح الأرض، وقد مكنه عمله الجغرافي من تقسيم فرنسا إلى أقاليم طبيعية، ولاحظ أن المدن الإقليمية لها أهمية اقتصادية كبيرة بالنسبة للإقليم الذي يحيط بها، وأن تقدم التنمية الاقتصادية في فرنسا يؤدي إلى زيادة قوة جاذبية المراكز الإقليمية الكبيرة، وقد استطاع - بالموازنة بين الأقاليم الطبيعية وهذه المراكز الإقليمية - أن يقسم فرنسا إلى سبعة عشر إقليماً( ).
وكان الفرنسي إيمانويل دي مارتون Emmanuel de Martonne (1872 - 1955) من أبرز تلامذة دي لابلاش، وهو صاحب كتاب الأقاليم الجغرافية في فرنسا Les Re'gions ge'ographiques de la France (1921) الذي قسم فيه الدولة إلى أقاليم متباينة، وهذا الكتاب لا يعطي القارئ أية فكرة عن جغرافية فرنسا كوحدة Unit متكاملة، لكنه يعطي صورة واضحة عن العلاقات القوية والمتشعبة بين الأقاليم المختلفة في الدولة( ).
وكان لفيدال دي لابلاش الكثير من الأتباع مثل ألبرت ديمانجون Albert Demangeon (1872 - 1940)، وماكس سوري Maximillen Sorre (1880 - 1962)، ولوسيان فيفر Lucien Febvre (1878 - 1956)، وكان من آثار ذلك أن انتشرت فلسفة دي لابلاش داخل فرنسا وخارجها، وأصبح للمدرسة الفرنسية ثقل في الدراسات الجغرافية، وكان لها دور كبير في نشر الدراسة الإقليمية في أوربا والولايات المتحدة في النصف الأول من القرن العشرين، وبذلك بدأ ثقل الفكر الجغرافي يتوزع خارج ألمانيا بعد أن كان متمركزاً فيها لما لا يقل عن ثلاثة قرون، واسهمت أعمال دي لابلاش في ظهور الثورة الإقليمية في الدراسات الإقليمية التي امتدت من مطلع القرن العشرين حتى منتصفه.
ويشار هنا إلى أن مجلة الجغرافيا الفرنسية Annales de Ge'ographie كانت تخصص الحيز الأكبر من أعدادها للجغرافيا الإقليمية وذلك منذ عددها الأول الذي صدر عام 1892 وحتى المجلد 48 الذي صدر عام 1939، وكان ديمانجون ودي مارتون من أبرز الكتاب في ذلك القسم، وهذا بحد ذاته يشير إلى مدى أهمية الدراسات الجغرافية الإقليمية في فرنسا ومدى انتشارها في ذلك الوقت.
وكان تطور دراسة الجغرافيا الحديثة في بريطانيا قد بدأ بعد نشر دراستين مهمتين في الجغرافيا الإقليمية: الأولى تمثلت في كتاب بريطانيا والبحار البريطانية Britain and the British Sea (1902) لرئيس قسم الجغرافيا بجامعة لندن السيد هالفورد ماكيندر Halford Mackinder (1861 - 1947) الذي نُشر ضمن سلسلة من الكتب عن أقاليم العالم، أما الدراسة الثانية فكانت عبارة عن بحث للأستاذ اندرو هربرتسون Andrew Herbertson (1865 - 1915) الذي كان يعمل أستاذاً للجغرافيا بجامعة أكسفورد وهو بعنوان: الأقاليم الطبيعية الرئيسية The Major Natural Regions (1905) الذي نشر في المجلة الجغرافية Geographical Journal( )، وفيه قسم العالم على أساس مناخي إلى ستة أقاليم هي: القطبي، والبارد، والحار، والصحاري الغربية المدارية، والأقاليم بين المدارية، والاستوائية الممطرة( ).
وكان قد سبق ذلك نشر كتاب الجغرافيا الدولية The International Geography عام 1899 لمحرره هيو ميل Hugh Mill (1861 - 1950)، وقد اشترك في هذا الكتاب سبعون باحثاً، وكان القسم الأكبر منه مخصصاً للجغرافيا الإقليمية، وفيه قدم المحرر بحثاً عن بريطانيا، وعرض الأمريكي المعروف ويليام ديفز William Davis (1850 - 1934) بحثاً عن أمريكا الشمالية، في حين قدم هربرتسون دراسة عن أمريكا الجنوبية، وضم الكتاب مجموعة أخرى من الدراسات الإقليمية عن كندا وأستراليا وفرنسا والمكسيك والبيرو وغيرها( ).
وظهرت بعد ذلك عدة دراسات إقليمية في بريطانيا منها دراسة للسيد تشارلز فوسيت Charles Fawcett (1883 - 1952) بعنوان: الأقسام الطبيعية لإنجلترا Natural Division of England الذي نُشر في مجلة الجمعية الملكية الجغرافية عام 1917، وقد اقترح فوسيت في دراسته تلك تقسيم إنجلترا إلى 12 إقليماً تناول كلاً منها بوصف موجز، وقد اعتمد في تقسيمه على حركة السكان وعددهم وكثافتهم وتوزيع الخدمات والوظائف ووجود رأس المال اللازم للتنمية وخطوط تقسيم المياه، مع الأخذ بعين الاعتبار الحدود الإدارية والتقسيمات التاريخية في الدولة( )، وما لبثت هذه الدراسة أن تحولت إلى كتاب نُشر بعد عامين تحت عنوان: مقاطعات إنجلترا Provinces of England، وفيه شرح فوسيت الأسس التي اعتمد عليها في التقسيم الإقليمي لإنجلترا بشكل موسع، كما تناول بالتفصيل كل إقليم من الأقاليم التي اقترحها( ).
ومن الدراسات الإقليمية الأخرى التي ظهرت في بريطانيا دراسة للسيد جورج كول George Cole (1889 - 1959) بعنوان: مستقبل الحكم المحلي The Future of Local Government عام 1921 كانت مشابهة إلى حد ما لدراسة فوست، ودراسة إدموند جلبرت Edmund Gilbert (1900 - 1973) التي حملت عنوان: الإقليمية العملية في إنجلترا وويلز Practical Regionalism in England and Wales (1939) وفيها شرح الطرق التي اعتُمدت من أجل وضع الخطط الإقليمية والتقسيم الإقليمي في إنجلترا وويلز لاسيما في الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين مثل خطة توزيع محطات الطاقة الكهربائية عام 1926، وخطة مشاريع النقل عام 1929، وخطة توزيع المشاريع الصناعية عام 1935، وتقسيمات الدفاع المدني( ).
ويعد جون أنستد John Unstead (1876 - 1965) من أبرز الجغرافيين البريطانيين الذين التزموا بالخط الإقليمي في الدراسات الجغرافية، كما أن الدراسات الإقليمية كانت ظاهرة بوضوح لدى هربرت فلير Herbert Fleure (1877 - 1969) خاصة في مقاله الشهير: الأقاليم البشرية Re'gions Humaines( ) الذي قال فيه: إن الجماعات البشرية تعيش في بيئات يمكن أن نطلق عليها أقاليم الجهد effort، وأقاليم الشدة difficulty، وأقاليم الشدة الدائمة lasting difficulty، وأقاليم الضعف debilitation، وأقاليم الزيادة increment( ).
وكانت الدراسات الإقليمية مهملة تقريباً في الولايات المتحدة الأمريكية أواخر القرن التاسع عشر، إلا أنه مع ظهور جيل جديد من الجغرافيين وإمكانية إعداد الخرائط على أساس البيانات الدقيقة زاد عدد الذين اتبعوا المدرسة الإقليمية في دراساتهم( )، وقد تأثر الجغرافيون الأمريكيون بالمنهج الفرنسي في دراسة الأقاليم، وظهر اهتمام الجغرافيين الأمريكيين بالدراسات الإقليمية من خلال تخصيص رابطة الجغرافيين الأمريكيين Association of American Geographers جلستين للدراسات الإقليمية في المؤتمرين الذين عقدا عامي 1933 و1935( ).
وكان إسحاق بومان Isaiah Bowman (1878 - 1950) من رواد الدراسات الإقليمية في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعد كتابه: جبال الأنديز في جنوب البيرو The Andes of Southern Peru (1911) من أفضل الدراسات الإقليمية التي ظهرت في الولايات المتحدة في تلك الفترة، وقد قسم بومان كتابه إلى قسمين، استهل الأول بتقسيم البيرو إلى أربعة أقاليم كبرى ثم تناول كل إقليم منها بالدراسة، في حين خصص القسم الثاني من الكتاب لدراسة إقليم جبال الأنديز في البيرو. ونظراً لأهمية الكتاب فقد أعيدت طباعته عدة مرات، منها طبعة ظهرت في إسبانيا بعد أكثر من 25 عاماً (1938)( ).
ويرى ويليام ديفز William Davis (1850 - 1934) أن الجغرافيا الإقليمية ترمي إلى وصف جميع العناصر الجغرافية من حيث ارتباطاتها الطبيعية وعلاقاتها، وقد أصر على أن الوصف الإقليمي يجب أن يكون شاملاً لجميع العناصر - مناخ ونبات وحيوان وإنسان ..... -، وينبغي أن تقابل هذه العناصر بالاهتمام نفسه دون التركيز على واحدة منها( ).
وظهرت الدراسات الإقليمية في كتابات درونت هويتلسي Derwent Whittlesey (1890 - 1956) الذي اشترك في وضع التصنيف الإقليمي الزراعي الأول للولايات المتحدة الأمريكية، وكان معروفاً ببعد نظره في دراسة الأقاليم، واتضح ذلك من خلال مقالته التي حملت عنوان: المفهوم الإقليمي والمنهج الإقليمي The Regional concept and the Regional Method والتي نُشرت في كتاب: جغرافية أمريكا، الواقع والمستقبل American Geography, Inventory and Prospect (1954)( )، وفيه عرض هويتلسي للهدف من الدراسة الإقليمية، وشرح أسلوبها ومنهجها وحدودها( ).
ومن الدراسات الإقليمية الرائدة تلك التي أعدها عدد كبير من الجغرافيين الألمان في الأربعينيات من القرن الماضي حيث قاموا بتقسيم ألمانيا إلى 4 أقاليم كبرى هي: إقليم سهل شمال ألمانيا، وإقليم الجبال الوسطى، وإقليم سفوح جبال الألب، وإقليم جبال الألب، وقُسمت الأقاليم الأربعة إلى 61 مجموعة. وقد شرح الجغرافيان الألمانيان إريك أوترمبا Erich Otremba (1910 - 1984) وإميل ماينن Emil Meynen (1902 - 1993) الأسس التي تم الاعتماد عليها في هذا التقسيم من خلال بحث بعنوان: مبادئ التقسيم الطبيعي المكاني لألمانيا نُشر في مجلة Erdkunde( ).
وكانت الجغرافيا في روسيا الاتحاد السوفييتي سابقا - قد تميزت في بداية القرن التاسع عشر باتجاهين رئيسيين: الاتجاه الإقليمي كأساس للدراسة الجغرافية، فقد قُسمت روسيا الأوروبية إلى خمسة عشر إقليماً مختلفاً بين عامي 1800 و1861، أما الاتجاه الثاني فكان يتمثل في دراسة هذه الأقاليم من أجل أغراض عملية تطبيقية مثل النهوض بأحوال الفلاحين السيئة( ).
وكان فلاديمير لينين Vladimir Lenin (1870 - 1924) قد طلب من الجغرافيين بعد الثورة الروسية عام 1917 تقسيم الاتحاد السوفييتي إلى أقاليم يمكن الاعتماد عليها في التخطيط الاقتصادي للدولة، وكان نيكولاي بارانسكي Nikolai Baranskiy (1881 - 1963) صديقاً شخصياً للينين، وكان له تأثير مباشر في الفكر الجغرافي الروسي لعقود بعد الثورة الروسية.
كان بارانسكي يرى أن للأقاليم دور كبير في التخطيط الاقتصادي، كما كان له تأثير كبير في التخطيط الاقتصادي في الاتحاد السوفييتي الذي كانت تشرف عليه لجنة تخطيط الدولة (GOSPLAN). وقد قامت اللجنة عام 1922 بتقسيم الاتحاد السوفييتي إلى 21 إقليماً دُرست بشكل مفصل من قبل مجموعة من المختصين كان الجغرافيون أبرزهم( ).
وفي عام 1934 وجهت رئاسة لجنة التعليم التفني العالي في اللجنة التنفيذية للاتحاد السوفييتي الجامعات إلى تدريس الجغرافيا على أساس إقليمي وقالت: "يجب أن يكون تعليم الجغرافيا الاقتصادية على أساس إقليمي، وفيما يخص الجغرافيا الاقتصادية للاتحاد السوفييتي يجب أن يُخصص ما لا يقل عن 70% من وقت الدراسة للأقاليم الاقتصادية"( ).
وبلغت الجغرافيا الإقليمية أوجها بعد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف الخمسينيات، ويظهر ذلك في قول الجغرافي هنري دربي Henry C. Darby (1909 - 1992) : إن الجغرافيا الإقليمية تمثل ذروة عملنا( )، أما كنث إدواردس Kenneth Charles Edwards فقال: إن الجغرافيا الإقليمية هي المهمة المركزية والقصوى للجغرافي( ).
ويصعب بأي حال من الأحوال إحصاء جميع الدراسات الإقليمية خلال النصف الأول من القرن العشرين نظراً لشيوعها وانتشارها ليس في ميدان الجغرافيا فحسب، بل في ميدان العلوم الاجتماعية بشكل عام، وقد كان الهدف من العرض السابق توضيح كيف بدأت الدراسات الإقليمية تأخذ مكانها في مجال الدراسات الجغرافية في العصر الحديث والعوامل التي أسهمت في بروزها وإظهار جهود أعلام الجغرافيين في هذا المجال، بالإضافة إلى توضيح مدى اهتمام الجغرافيا بدراسة الأقاليم.
ثالثاً: تراجع الدراسات الإقليمية:
كما اتضح من العرض السابق فقد هيمنت دراسة الأقاليم على الفكر الجغرافي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وكان المنهج الإقليمي في الدراسة الجغرافية له الصدارة في دول أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن تضاءلت أهميته منذ منتصف الخمسينيات من ذلك القرن لاسيما بعد الثورة الصناعية وما نتج عنها من تقدم حضاري في الدول الغربية، فقد قلل التقدم التكنولوجي من الترابط بين البيئة الطبيعية والإنسان( )، واعتقد بعض الجغرافيون أن الدراسة الإقليمية ستكون غير قادرة على تحقيق غرضها من إيجاد الروابط الحقيقية لظاهرات سطح الأرض وسط خضم التطور الهائل الذي أخذ يشهده العالم بسبب تصاعد الثورة الصناعية وانتشارها إلى مختلف أنحائه( ).
ووجه بعض الجغرافيين - وبشكل خاص في الولايات المتحدة - نقداً شديداً للدراسة الإقليمية، ووصفوها بأنها جامدة ووصفية وتثير السأم والملل في تتابع الظاهرات الطبيعية وبُعدها عن النشاطات الاقتصادية مما يجعل المعلومات مسطحة غير مترابطة تظهر فيها سطحية التحليل العلمي الذي يقوم به الجغرافيون، وأن التصنيف الإقليمي بدائي وساذج. وقد طالب أولئك النقاد بالاهتمام بالدراسة العامة Systematic، وأن تكون لها الصدارة بدلاً من الدراسة الإقليمية( )، ويتمثل هذا الاتجاه بشكل واضح في كتابات الجغرافي الأمريكي الشهير ريتشارد هارتسهورن Richard Hartshorne (1899 - 1992) الذي كان قد قال بداية في كتابه طبيعة الجغرافيا The Nature of Geography (1939): إن الدراسة الإقليمية لها الصدارة في الدراسات الجغرافية وإن الدراسات العامة تأتي في المرتبة الثانية، إلا أنه غير رأيه في كتابه نظرة في طبيعة الجغرافيا Perspective on the Nature of Geography الذي نُشر عام 1959 حيث قال إن أية دراسة جغرافية صحيحة يجب أـن تشتمل على كلا المنحيين: الموضوعي (العام) والإقليمي( ). أما البريطاني هاجيت Peter Haggett (1933 - .....) فقد رأى أن الاتجاه التاريخي لعلم الجغرافيا يقضي بالتحول عن الإقليمية لكي يصبح المجال واسعاً أمام الجغرافيا العامة( ).
ولمع بريق الجغرافيا الكمية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وحفلت الأسواق العالمية بنتائج الثورة العلمية، وأصبح هنالك اهتمام متزايد باستخدام الحاسوب ونظم المعلومات الجغرافية، وظهرت عدة حوليات تعنى بهذا الأمر، وتكونت جمعيات علمية تجمع أفكار وآراء المهتمين بهذا الشأن، وظهر اتجاه واضح نحو تطبيق الأساليب الإحصائية، وقد تزعم هذا الاتجاه السويدي تورستن هيجرستراند Torsten Hagerstrand (1916 - 2004). وقد تميز هذا الاتجاه الجديد باتباع الأساليب الإحصائية والكمية، واهتم بتحليل الأنظمة المكانية.
وأُغرقت أوربا وأمريكا الشمالية بالدراسات التي اعتمدت على الثورة التكنولوجية اعتماداً كبيراً، فأخذت تلك الدراسات اتجاهات فريدة منها:
- الترتيب العددي بالحاسب الإلكتروني.
- تمييز المجتمعات النباتية.
- محاكاة النماذج بالحاسب الإلكتروني.
- إنتاج الخرائط والأطالس بالحاسب الإلكتروني.
- مناقشة إنشاء بنوك للمعلومات الخاصة بالتحليل الأرضي وأغراض التخطيط.
- استخدام الاستشعار عن بعد للبحث عن مصادر جديدة للمعلومات.
- اعتماد الدراسات الجغرافية على نتائج المعلومات الواردة من الأقمار الصناعية ومحطات المراقبة الأرضية لتحليلها وتفسيرها( ).
وخفت حدة المدرسة الإقليمية وفقدت الكثير من أنصارها ومؤيديها بعد أن أصبح الإقليم ليس الميدان الوحيد الخاص بالبحث الجغرافي، وكذلك ليس الإطار التقليدي الذي ينهجه الجغرافيون والذين لم يتمكنوا من تعريف الإقليم تعريفاً ينسجم مع الأوضاع والتطورات العلمية الحديثة، وبذلك أصبحت الجغرافيا الإقليمية غير قادرة على مواجهة بعض المشكلات مثل أسس تحديد الإقليم وتقرير حجمه الأمثل( )، وبات على الجغرافي التحلي بالشجاعة حتى يتمكن من الكتابة في الجغرافيا الإقليمية( ).
رابعاً: عودة الدراسة الإقليمية:
ظهرت في مطلع الثمانينيات ما يمكن أن يطلق عليها حرب الردة ضد الاتجاهات الجغرافية اللاإقليمية( )، نظراً للشطط والتطرف الكبير الذي شهدته الدراسات الجغرافية في عقد السبعينيات كما أشرنا آنفاً، وبات من الضرورة عودة الدراسات الجغرافية إلى ميدانها الأصيل. وكما كانت الجغرافيا الإقليمية هي الحل لمشكلة ازدواجية الجغرافيا، فإنها تمثل الحل الأنسب لمشكل التطرف التي تعاني منها الدراسات الجغرافية.
وقد اعتبر الجغرافي الأمريكي الكبير جون فريزر هرت John Fraser Hart (1924 - ......) في مطلع الثمانينيات أن الجغرافيا الإقليمية تمثل أعلى شكل من أشكال الفن الجغرافي( ). ومثّل رأي هرت هجوماً على النوع الجديد من الجغرافيا الذي ساد في السبعينيات، والذي سُمي بالجغرافيا العلمية Scientific Geography. وما تزال الجغرافيا الإقليمية تمثل الاهتمام الرئيسي للجغرافي جون هرت الذي ما زال يعمل حتى الآن في جامعة مينيسوتا الأمريكية.
وقد تأكدت عودة الجغرافيا الحديثة إلى أصولها الجغرافية الإقليمية القديمة من خلال مؤتمر اتحاد الجغرافيين الأمريكيين الثامن والثمانين الذي عُقد في (ساندييجو) بكاليفورنيا عام 1992. وكان ذلك المؤتمر بمثابة مرآة تحليلية عاكسة لكثير من الأحداث الجارية في عالم الجغرافيا، ليس فقط على المستوى المحلي الأمريكي أو الغربي فحسب، وإنما على مستوى العالم أجمع.
وكانت جلسات المؤتمر بمثابة النبض الجغرافي الدولي الحي للأحداث الجارية في العالم، وكان شغل المؤتمرين الشاغل هو محاولة تفسير تلك الأحداث تفسيراً جغرافياً علمياً دقيقاً من خلال إبراز أبعادها المكانية، وكذلك محاولة إبراز خلفياتها الجغرافية، وربما استشراف تداعياتها المستقبلية القريبة والبعيدة.
وكان من بين الأصداء التي ترددت في قاعات المؤتمر توقع ميلاد جغرافيا جديدة تواكب هذه التغيرات وتستوعبها، وتحاول أن تعبر عنها شرحاً وتفسيراً وتحليلاً. وقد وجد أنصار المدرسة الإقليمية فرصة سانحة لإعادة الثقة والأمان لمفاهيمهم التقليدية العريقة، ولا شك أنهم أحسنوا استثمار تلك الأحداث التي غيرت معالم خريطة العالم لصالحهم، في محاولة جادة لإنعاش محاولاتهم القديمة لإنقاذ تلك المدرسة التي كادت أن تتهاوى أركانها وتتلاشى أصولها أمام مد السبعينيات الكمية وغيرها من التيارات الجغرافية المستحدثة، والتي كادت تأتي على ما لدى الإقليمية والإقليميين من أخضر ويابس.
وقد مثل هذا المؤتمر منعطفاً بارزاً في سجل المدرسة الإقليمية العلمي، وكانت الدعوة قوية لإحياء المدرسة الإقليمية بمفهومها الأصولي القديم وضرورة التركيز عليها في المناهج والمدارس والبرامج الجغرافية في التعليم العالي. وكانت الصيحة التي ملأت قاعات المؤتمر: "لنعد إلى قواعد التحليل الإقليمي وأصوله وأدواته، ولنعد إلى الخامة الأصلية الأزلية الأبدية للعلم الجغرافي: الخريطة خريطة العالم التي تغيرت، فلا يفتي أحد فيها ونحن الجغرافيون الإقليميون هنا"( ).
ولا شك أن التغيرات السياسية التي حدثت في أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية الثمانينيات وانقسام عدة دول في أوروبا الشرقية قد دفع الجغرافيين والاقتصاديين وغيرهم من علماء الاجتماع للتعمق في دراسة الأقاليم المختلفة في العالم لفهمها وتقدير إمكانياتها بشكل أفضل، وهذا يمثل المحور الرئيسي للدراسات الجغرافية الإقليمية.
وقد اتسمت الجغرافيا الإقليمية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين بالموسوعية والتركيز على فهرسة الخصائص الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والسكانية في الأقاليم المختلفة في العالم، ووفرت الدراسات الإقليمية في تلك الفترة معلومات أساسية مفيدة، لكنها كثيرا ما فشلت في تحليل الظروف الجغرافية التي ساهمت في التطورات السياسية والاجتماعية، كما أنها لم تقدم المفاهيم والأفكار التي يمكن أن تساعد في فهم دور الجغرافيا في تغيير كوكب الأرض( ).
وتستطيع أقسام الجغرافيا في الجامعات أن تؤدي دوراً كبيراً في إحياء الدراسات الإقليمية وتوجيهها إلى المسار الصحيح الذي يخدم الفكر الجغرافي من خلال تطوير البرامج التعليمية التي تركز على البعد الإقليمي في الدراسات الجغرافية ومن خلال تشجيع الطلاب على إجراء مثل تلك الدراسات في مختلف بلدان العالم، ويمكن للمنح الدراسية التي تقدمها الجامعات أن تساعد في هذا المجال.


خاتمة
أدى ظهور مشكلة ازدواجية الجغرافيا في نهاية القرن التاسع عشر إلى تصدع كيان الفكر الجغرافي الحديث، لذلك اتجه الجغرافيون إلى اتباع المنهج الإقليمي في دراساتهم، لأن دراسة الإقليم بمختلف مكوناته الطبيعية والبشرية يعيد الجغرافيا إلى مسارها الصحيح، ويخلصها من ورطة الازدواجية التي وقعت فيها.
وكانت الدراسات الإقليمية قد ظهرت بوضوح لدى الجغرافيين في القرن الثامن عشر لاسيما في ألمانيا ومن ثم في فرنسا، ثم انتشرت إلى أنحاء العالم الأخرى، وظهرت ما يمكن أن نطلق عليها الثورة الإقليمية في الدراسات الجغرافية والتي بدأت في مطلع القرن العشرين وبلغت ذروتها في منتصف ذلك القرن، وهذه الثورة مثلت ردة فعل على ورطة الازدواجية التي وقعت فيها الجغرافيا في نهاية القرن التاسع عشر.
وعادت الدراسات الإقليمية للانتكاس في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وظهرت آراء جديدة في الفكر الجغرافي، وأصبحت الأساليب الإحصائية ونتائج الثورة التكنولوجية محور الاهتمام الرئيسي في الدراسات الجغرافية، ونظراً للتطرف الكبير الذي ظهر في الدراسات الجغرافية كان لا بد من عودة الجغرافيا إلى ميدانها، وتمثل الدراسات الإقليمية الحل الأمثل لهذه المشكلة، وقد بدأت الدعوة لذلك تظهر منذ الثمانينيات، وتكرست بشكل واضح في مؤتمر الجغرافيين الأمريكيين الثامن والثمانين الذي انعقد عام 1992.
إن الجغرافيا الإقليمية التي نحتاجها في الوقت الحاضر تختلف عن تلك التي كانت سائدة في منتصف القرن الماضي والتي ركزت على الوصف بشكل كبير، بل نحتاج إلى جغرافيا إقليمية تركز على التفسير وترى في الإقليم وحدة مؤلفة من مجموعة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وليس مجرد وحدة معزولة تحتاج للفهم، وهذا سيعيد للجغرافيا الإقليمية مكانتها في الفكر الجغرافي المعاصر.






المراجع العربية:
- جريفث تيلور، الجغرافيا في القرن العشرين - دراسة لتقدمها وأساليبها وأهدافها واتجاهاتها، ترجمة: محمد السيد غلاب ومحمد مرسي أبو الليل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1987.
- جمال حمدان، شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان، دار الهلال، القاهرة، 1967.
- حسن طه نجم، دراسة في الفكر الجغرافي، مجلة عالم الفكر، المجلد الثاني، العدد الثاني، الكويت، 1971.
- ددلي ستامب، الآراء الحديثة في الجغرافيا، تعريب: أحمد محمد العدوي، سلسلة المعارف العامة، القاهرة، 1936.
- ريتشارد هارتسهورن، نظرة في طبيعة الجغرافيا، ترجمة: عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ وعيسى بن موسى الشاعر، دار المريخ، الرياض، 1988.
- شاكر خصباك، تطور الفكر الجغرافي، مكتبة الفلاح، الكويت، 1986.
- صفوح خير، الجغرافية موضوعها ومنهاجها وأهدافها، دار الفكر، دمشق، 2000.
- محمد سيد نصر، تطور علم الجغرافيا وفضل العرب فيه، مجلة مرآة العلوم الاجتماعية، العدد الأول، 1961.
- محمد عبد الرحمن الشرنوبي، الجغرافيا بين العلم التطبيقي والوظيفة الاجتماعية، مجلة الجمعية الجغرافية الكويتية، العدد 31، يوليو 1981.
- محمد علي الفرا، علم الجغرافيا: دراسة تحليلية نقدية في المفاهيم والمدارس والاتجاهات الحديثة في البحث الجغرافي، مجلة الجمعية الجغرافية الكويتية، العدد 22، أكتوبر 1980.
- محمد علي الفرا، اتجاهات الفكر الجغرافي الحديث والمعاصر، مجلة الجمعية الجغرافية الكويتية، العدد 49، يناير 1983.
- محمد علي الفرا، مناهج البحث في الجغرافيا بالوسائل الكمية، الطبعة الرابعة، وكالة المطبوعات، الكويت، 1983.
- محمد محمود محمدين، الجغرافيا والجغرافيون بين الزمان والمكان، دار الخريجي للنشر والتوزيع، الرياض 1996.
- محمود أبو العلا، الفكر الجغرافي، الأنجلو المصرية، القاهرة، 1998.


المراجع الأجنبية:
- A Regional Geography of France, Geographical Review, Vol.12, No.4, 1922.
- A.P.B., The International Geography by Hugh Mill (Review), Journal of the American Geographical Society of New York, Vol.32, No.1, 1900.
- Ackerman E., Derwent Stainthorpe Whittlesey, Geographical Review, Vol.47, No.3, 1957.
- Cresswell T., Geographical Thought: A Critical Introduction, Wiley-Blackwell, Oxford, 2013.
- Darby H. C., The Theory and Practice of Geography, University of Liverpool, Liverpool, 1949.
- Dikshit R., Geographical Thought: A Contextual History of Ideas, Sixth edition, Prentice-Hall of India Private Limited, New Delhi, 2006.
- Edwards K., Land, Area and Region, Indiana Geographical Society, Vol.26, No.2.
- Fawcett C., Natural Division of England, The Geographical Journal, Vol.49, No.2, 1917.
- Fawcett C., Provinces of England, Williams and Norgate, London, 1919.
- Fleure H., Re'gions Humaines, Annales de Ge'ographie, Vol.26, No.141, 1917.
- Gilbert E., Practical Regionalism in England and Wales, The Geographical Journal, Vol.94, No.1, 1939.
- Hart J. F., The Highest Form of the Geographer's Art, Annals for the Association of American Geographer, Vol.72, No1. 1982.
- Hartshorne R., The Nature of Geography: A Critical Survey of Current Thought in the Light of the Past, Annals of the Association of American Geographers, Vol. 29, No.3, 1939.
- Harvey F. and Wardenga U., Richard Hartshorne's Adaptation of Alfred Hettner's, Journal of Historical Geography, Vol.32, No.2, 2006.
- Herbertson A., The Major Natural Regions: An Essay in Systematic Geography, The Geographical Journal, Vol.25, No.3, 1905.
- House W. J., France: An Applied Geography, Methuen, London, 1978.
- James P. and Jones C. (ed.), American Geography: Inventory and Prospect, Syracuse University Press, New York, 1954.
- James P. E., Martin G. J, The Association of American Geographers: The First Seventy-Five Years 1904 - 1979, Association of American Geographers, Washington, 1978.
- Murphy A. and O'Loughlin J., New Horizon for Regional Geography, Eurasian Geography and Economics, Vol.50, No.3, 2009.
- Otremba E. und Meynen E., Die Grundsätye der naturräumlichen Gliederung Deutshlands, Erdkunde, Bd.2, H.1, 1948.
- Saushkin Y. N., A History of Soviet Economic Geography, Soviet Geography, Vol.7, No.8, 1966.
- Wrgley G., Isaiah Bowman, Geographical Review, Vol.41, No.4, 1951.




إرسال لصديق
بواسطة : almushref
 0  0  9.3K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 02:05 مساءً الأربعاء 26 فبراير 2020.