• ×
  • تسجيل

الأربعاء 26 فبراير 2020 اخر تحديث : 02-24-2020

قائمة

almushref
بواسطة  almushref

مجالات الانثربولوجيا وعلاقتها بالعلوم الأخرى

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المقدمة :
إن الانثربولوجيا علم حديث تأسس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . ولقد سبقت الدراسات الانثربولوجية العلمية دراسات أخرى وصفية اثنوجرافية قام بها رحالة ومؤرخين ومبشرين يدفعهم حب الاستطلاع والبحث عن الجديد والغريب إلى تسجيل وكتابة تقارير وكتب عن العادات والنظم الاجتماعية الغريبة عن عاداتهم ونظامهم . ومن الكتابات الوصفية عن العادات الاجتماعية والصفات الجسمية للشعوب تلك التي قام بها المؤرخ اليوناني هيرودوت في مؤلفه التواريخ . ولقد كتب هيرودوت واصفا مجتمعات شرق آسيا ، ومصر ، واليونان ، ولقد انبهر بتميز المجتمع المصري عن سائر المجتمعات التي لاحظها ودرسها . ولقد جمع هيرودوت المعلومات بنفسه حيث كان يدونها في مذكرات ، كما انه اعتمد على الإخباريين في جمع تلك المعلومات . وكانت دراسته معبره عن آراء أفراد الشعوب أو المجتمعات التي زارها وليست مجرد تعليقات منه (1).
ولقد كان للعرب دورا هاما في وصف خصال الشعوب وحضارتها ، ففي القرن الرابع عشر الميلادي كانت لرحلات ابن بطوطة أهمية كبيرة في التعرف على سمات وخصائص المجتمعات التي قام بزيارتها . وياتى ابن خلدون في مقدمته الشهيرة عن كتاب العمران ويسهب في وصف أطوار المجتمعات البدوية والزراعية والحضرية . ويذهب بعض علماء الاجتماع والانثربولوجيا في القول أن مقدمة ابن خلدون تعتبر أول عمل ضخم في الانثربولوجيا الثقافية(2).
مثل هذه الدراسات الوصفية السابقة في الواقع تعبر عن اهتمام رجال الفكر والرحالة والفلاسفة بدراسة صفات ومميزات الإنسان بصفة عامة ، وخصائص الشعوب الأخرى المخالفة للخصال والسمات الموجودة في مجتمعاتهم التي نشاْوا فيها . إلا أن تلك الدراسات والاهتمامات افتقدت إلى النظرية وغياب الأفكار العلمية التي بها يمكن تفسير المادة الاثنوجرافية الوصفية الغزيرة .
لقد بدأت الأفكار والنظريات التي أثرت في علم الانثربولوجيا فيما بعد في القرن الثامن عشر متمثلة في كتابات مونتسكييه ، وديفيد هيوم ، وادم سميث . إلا أن هؤلاء الفلاسفة كانوا يعتمدون على التأمل الفلسفي النظري دون الاعتماد على الدراسة الميدانية الحقلية التي تعتبر من أهم خصائص الدراسات الانثربولوجية.
وقد بدا الاهتمام بالدراسات الميدانية في الولايات المتحدة الأمريكية على يد فرانز بواس في عام 1882 عندما قام بدراسة جزيرة بافين . وفى انجلترا تعتبر الرحلة العلمية التي قام بها فريق من العلماء بجامعة كمبريدج بقيادة هادون في عام 1898 إلى مضيق توريس الواقع بين استراليا وغينيا الجديدة أول دراسة علمية جماعية تضم علماء من مختلف التخصصات لدراسة مجتمع كان يعيش في الحالة البدائية ، ولقد استغرقت هذه الدراسة الميدانية عاما كاملا (3).
ولم تعرف الأنثربولوجيا قبل النصف الثاني من القرن العشرين ، تقسيمات وفروعا، إذ كانت تتم لأغراض خاصة بالباحث أو من يكلفه، كدراسة حياة بعض المجتمعات أو مكوناتها الثقافية . ومع انطلاقتها في الستينات والسبعينات من القرن العشرين ، حيث أخذت تتبلور مبادئها وأهدافها ، كانت ثمّة محاولات جادة لتوصيفها كعلم خاص ، وبالتالي وضع تقسيمات لها وفروع من أجل تحقيق المنهجية التطبيقية من جهة ، والشمولية البحثية التكاملية من جهة أخرى . فظهرت نتيجة ذلك تصنيفات متعددة ، استند بعضها إلى طبيعة الدراسة ومنطلقاتها، بينما استند بعضها الآخر إلى أهدافها.
فقد قسمها رالف بدنجتون في كتابه " مقدمة في الأنثربولوجيا الاجتماعية " الصادر عام 1960 إلى قسمين أساسيين : (الأنثربولوجيا العضوية أو الطبيعية، والأنثربولوجيا الثقافية) . أما بارنو فقد قسمها في كتابه " الأنثربولوجيا الثقافية " الصادر عام 1972 إلى ثلاثة أقسام هي : (الأنثربولوجيا التطبيقية، الأنثربولوجيا النفسية أو الثقافة والشخصية، الأنثربولوجيا الاجتماعية) . وإذا اعتبرنا أن الانثربولوجيا التطبيقية، هي أقرب إلى المنهج البحثي وليست فرعا من علم الأنثربولوجيا، ومن ثم قمنا بعملية توليف بين الأقسام الأخرى في التصنيفين السابقين، أمكننا الوصول إلى التصنيف التالي الذي يضمّ أربعة فروع (أقسام) رئيسة تشمل الجوانب المتعلقة بالإنسان / الفرد والمجتمع ، وهي : (الأنثربولوجيا العضوية / الطبيعية ، الأنثربولوجيا النفسية ، الأنثربولوجيا الثقافية ، الأنثربولوجيا الاجتماعية ) . وسنتعرف على كل فرع من هذه الفروع وعلاقتها بالعلوم الأخرى وذلك من خلال تناولنا للنقاط التالية :
أولا : مفهوم الانثربولوجيا
الانثربولوجيا مصطلح انجليزي معرب مؤلف من كلمتين يونانيتين ، الأولى انثروبوس
لوجوس وتعنى علم أو معرفة أو دراسة . Logos وتعنى إنسان ، والثانية Anthropos
فالانثربولوجيا هي علم دراسة الإنسان، ونظرا لاْن المفهوم واسع وفضفاض فان بعض العلماء حاولوا تقديم تعريفات أكثر دقة. فيقدم (كروبر) تعريفا للانثربولوجيا ذاهبا إلى أنها " العلم الذي يدرس جماعات من الناس وسلوكهم ونتاجهم"(4). ويقول (ايفانز بريتشارد) أن الانثربولوجيا هي " ذلك العلم الذي يدرس السلوك الاجتماعي الذي يتخذ في العادة شكل نظم اجتماعية كالعائلة ، ونسق القرابة ، والتنظيم السياسي والإجراءات القانونية ، والعبادات الدينية ، وغيرها . كما تدرس العلاقة بين هذه النظم سواء في المجتمعات المعاصرة أو في المجتمعات التاريخية التي يوجد لدينا عنها معلومات مناسبة من هذا النوع يمكن معها القيام بمثل هذه الدراسات "(5) .
ولذلك تعرف الأنثربولوجيا بأنها العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو كائن عضوي حي، يعيش في مجتمع تسوده نظم وأنساق اجتماعية في ظل ثقافة معينة ، ويقوم بأعمال متعددة، ويسلك سلوكا محددا . وهو أيضا العلم الذي يدرس الحياة البدائية، والحياة الحديثة المعاصرة، ويحاول التنبؤ بمستقبل الإنسان معتمدا على تطوره عبر التاريخ الإنساني الطويل . ولذا يعتبر علم دراسة الإنسان (الأنثربولوجيا) علما متطورا يدرس الإنسان وسلوكه وأعماله.
كما تعرف الأنثربولوجيا بصورة مختصرة وشاملة بأنها " علم دراسة الإنسان طبيعيا واجتماعيا وحضاريا " (6) . أي أن الأنثربولوجيا لا تدرس الإنسان ككائن وحيد بذاته، أو منعزل عن أبناء جنسه، إنما تدرسه بوصفه كائنا اجتماعيا بطبعه، يحيا في مجتمع معين لـه ميزاته الخاصة في مكان وزمان معينين .
فالأنثربولوجيا بوصفها دراسة للإنسان في أبعاده المختلفة، البيوفيزيائية والاجتماعية والثقافية، فهي علم شامل يجمع بين ميادين ومجالات متباينة ومختلفة بعضها عن بعض، اختلاف علم التشريح عن تاريخ تطور الجنس البشري والجماعات العرقية، وعن دراسة النظم الاجتماعية من سياسية واقتصادية وقرابية ودينية وقانونية، وما إليها، وكذلك عن الإبداع الإنساني في مجالات الثقافة المتنوعة التي تشمل : التراث الفكري وأنماط القيم وأنساق الفكر والإبداع الأدبي والفني ، بل والعادات والتقاليد ومظاهر السلوك في المجتمعات الإنسانية المختلفة ، وإن كانت لا تزال تعطي عناية خاصة للمجتمعات التقليدية(7).
وهذا يتوافق مع تعريف تايلور الذي يرى أن الأنثربولوجيا "هي الدراسة البيوثقافية المقارنة للإنسان " (8) . إذ تحاول الكشف عن العلاقة بين المظاهر البيولوجية الموروثة للإنسان ، وما يتلقاه من تعليم وتنشئة اجتماعية . وبهذا المعنى تتناول الأنثربولوجيا موضوعات مختلفة من العلوم والتخصصات التي تتعلق بالإنسان .
ثانيا : طبيعة الانثربولوجيا
إن هذا الكائن الفريد الذي اسمه الإنسان كان دائما ولا يزال موضع التأمل والدراسة من قبل كثير من العلوم الطبيعية والإنسانية على حد سواء ، فمنذ قديم الزمان لاحظ الإنسان بصفة عامة الفروق القائمة بين شعوب الجنس البشرى ، واهتم بمعرفة الطبيعة الإنسانية ، وتفسير الاختلافات في الملامح الجسمية ، ولون البشرة ، والعادات والتقاليد ، والديانات ، والفنون ، وغير ذلك من مظاهر الحياة . وفى إطار هذا الاهتمام تطورت الدراسات خلال العصور وتبلورت بنشأة فرع جديد من فروع المعرفة اصطلح على تسميته بالانثربولوجيا ، ولكن ما هي طبيعة الانثربولوجيا ؟ وما هو موضوعها ؟ ، إذ أن لكل علم عادة مجموعة من الظواهر يعكف الباحثون على دراستها بالوصف والتحليل والتفسير .
وفى هذا الصدد كتبت الباحثة الانثربولوجية الأمريكية الشهيرة مارجريت ميد تقول : " نحن نصف الخصائص الإنسانية ، البيولوجية ، والثقافية للنوع البشرى عبر الأزمان وفى سائر الأماكن . ونحلل الصفات البيولوجية والثقافية المحلية ، كأنساق مترابطة ومتغيرة ، وذلك عن طريق نماذج ومقاييس ومناهج متطورة . كما نهتم بوصف وتحليل النظم الاجتماعية والتكنولوجيا ، ونعنى أيضا ببحث الإدراك العقلي للإنسان ، وابتكاراته ومعتقداته ووسائل اتصالاته . وبصفة عامة فنحن الانثربولوجيين نسعى لربط وتفسير نتائج دراساتنا في إطار نظريات التطور ، أو مفهوم الوحدة النفسية المشتركة بين البشر . إن التخصصات الانثربولوجية التي قد تتضارب مع بعضها ، هي في ذاتها مبعث الحركة والتطور في هذا العلم الجديد ، وهى التي تثير الانتباه ، وتعمل على الإبداع والتجديد ، هذا وتجدر الإشارة إلى أن جزءا لا باس به من عمل الانثربولوجيين يوجه نحو القضايا العلمية في مجالات الصحة والإدارة والتنمية الاقتصادية ومجالات الحياة الأخرى " (9) .
يعبر هذا النص ولاشك عن تصور الانثربولوجيين الأمريكيين بصفة عامة لأهم مجالات الانثربولوجيا ، والتي تعنى في نظرهم دراسة الإنسان من الناحيتين العضوية والثقافية على حد سواء . ويستخدم الأمريكيون مصطلح الانثربولوجيا الجسمية/ الفيزيقية للإشارة إلى دراسة الجانب العضوي أو الحيوي للإنسان ، بينما يستخدمون مصطلح الانثربولوجيا الثقافية ليعنى مجموع التخصصات التي تدرس النواحي الاجتماعية والثقافية لحياة الإنسان . ويدخل في ذلك الدراسات التي تتعلق بحياة الإنسان القديم ( أو حضارات ما قبل التاريخ ) ، والتي يشار إليها بعلم الاركيولوجيا . وتتناول الانثربولوجيا الثقافية كذلك دراسة لغات الشعوب البدائية ، واللهجات المحلية ، والتأثيرات المتبادلة بين اللغة والثقافة بصفة عامة ، وذلك في إطار ما يعرف بعلم اللغويات . علاوة على ذلك يوجد مجلان دراسيان آخران ذوا أهمية كبيرة ، وهما الاثنولوجيا والاثنوجرافيا . وبالرغم من التداخل بين المصطلحين ، إلا أن مصطلح الاثنوجرافيا يعنى الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد ، والعادات والقيم ، والأدوات والفنون ، والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة أو مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة . أما الاثنولوجيا فتهتم بالدراسة التحليلية ، والمقارنة للمادة الاثنوجرافية بهدف الوصول إلى تصورات نظرية أو تعميمات بصدد مختلف النظم الاجتماعية الإنسانية ، من حيث أصولها وتطورها وتنوعها. وبهذا تشكل المادة الاثنوجرافية قاعدة أساسية لعمل الباحث الاثنولوجى ، فالاثنوجرافيا والاثنولوجيا مرتبطتان إذن وتكمل الواحدة الأخرى .
هذا هو معنى الانثربولوجيا ومجالات دراساتها الرئيسة في الولايات المتحدة الأمريكية . أما في أوروبا ، فان الوضع يختلف تماما حتى من بلد اوروبى إلى آخر . ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى تباين الخلفيات الثقافية والمصالح القومية للدول الأوروبية ، فبصدد كلمة الانثربولوجيا ذاتها ، يذكر الباحث الفرنسي جان بوارييه إنها ظهرت أولا في كتابات علماء الطبيعة أبان القرن الثامن عشر لتعنى دراسة التاريخ الطبيعي للإنسان. وربما كان لعالم الطبيعة الالمانى جوهان بلومينباخ في رأى بوارييه أيضا أول من ادخل كلمة الانثربولوجيا في منهج تدريس التاريخ الطبيعي بالمقررات الجامعية ، كما استخدمه في الطبعة الثالثة من كتابه الذي صدر عام 1795 بعنوان " عن التنوعات الطبيعية الجوهرية بين البشر " . ويذكر بوارييه أيضا أن الفيلسوف الالمانى ايمانويل كانت أشاع استخدام هذا المصطلح خاصة بعد صدور كتابه " الانثربولوجيا من منظور علمي " ، ومع أن إسهام كانت في دراسات التاريخ الطبيعي للإنسان كان محدودا للغاية إلا انه كان مهتما بقراءة مدونات الرحالة كما انه درس موضوع تصنيف السلالات البشرية(10) . هذا ولا يزال استخدام كلمة الانثربولوجيا بمعنى ( دراسة التاريخ الطبيعي للإنسان ) سائدا في أوروبا إلى حد كبير ، إلا أن موضوعات الانثربولوجيا بهذا المعنى قد اتسعت وتنوعت لتشتمل على الدراسات المقارنة بين الإنسان والحيوان ، ودراسة تنوع السلالات البشرية ، والخصائص الوراثية للشعوب ، علاوة على دراسات المقارنة بين الإناث والذكور من حيث الصفات التشريحية ، والعمليات البيولوجية ، وصلة ذلك بتحديد الوظائف أو الأدوار الاجتماعية لكل نوع.
إن ما يدركه الأمريكيون تحت عبارة الانثربولوجيا الثقافية يصطلح الفرنسيون على الإشارة إليه بالاثنولوجيا أو الاثنوجرافيا في بعض الأحيان ، وهم يدرسونها تحت مظلة علم الاجتماع . أما الانجليز فقد اختاروا تسمية أخرى ، وهى الانثربولوجيا الاجتماعية ، ونظروا إليها باعتبارها علما قائما بذاته ، لا يدرج تحته اى من الاركيولوجيا أو اللغويات مثلا . وإذا نظرنا إلى استخدام كلمة الانثربولوجيا في بلاد أوروبية أخرى ، نجد أنها تستخدم في ألمانيا مثلا للإشارة إلى الدراسة الطبيعية للإنسان ، بينما تستخدم كلمة اثنولوجيا لتشير إلى علم الشعوب ، إلا أن الاتجاهات تتعدد في المدارس الألمانية الاثنولوجية ، هناك مثلا اهتمامات بالنواحي النظرية الفلسفية ، وهناك أيضا اهتمامات بالنواحي المادية في الثقافات الإنسانية . وقد برز مؤخرا اتجاه جديد نحو الدراسات الميدانية(11) .
وإذا انتقلنا إلى الاتحاد السوفيتي ، ومعه معظم بلاد شرق أوروبا ، نجد أن مصطلح الاثنوجرافيا يشيع استخدامه. ومن أهم مجالات الاثنوجرافيا لديهم دراسة التنظيم الاجتماعي للمجتمعات البدائية وخاصة فيما يتعلق بالتحولات التي تحدث في تلك المجتمعات عند تحولها إلى دول جديدة ، وما يتبعه من بروز للطبقات الاجتماعية . علاوة على ذلك يهتم الاثنوجرافيون السوفيت بدراسة المشاكل المتصلة بالجماعات العرقية ، والمشاعر القومية للأقليات ، كما يهتمون بطبيعة الحال بدراسة تطور المجتمعات الإنسانية في إطار النظرية الماركسية ونتائج الثورة البلشفية التي حدثت في عام 1917 (12) .
وكما هو الحال في أوروبا ، تتنوع مسميات الانثربولوجيا في العالم العربي . ففي مصر مثلا يأخذ البعض بالتسمية الانجليزية اى الانثربولوجيا الاجتماعية ، بينما يسميها البعض الأخر بالانثربولوجيا الثقافية وذلك وفق الاتجاه الامريكى .إلا أن اصطلاح الانثربولوجيا الحضارية غير شائع.
وتأسيسا على ما تقدم ، فان الانثربولوجيا تهتم بالدراسة المقارنة لأوجه الشبه والاختلاف بين المجتمعات الإنسانية . وهى تركز بصفة خاصة على المجتمعات التي تعرف بالمجتمعات البدائية أو غير المتأدبة أو البسيطة غير المتحضرة . والانثربولوجيا تدرس الإنسان من جوانبه الفيزيقية أو البيولوجية والاجتماعية والثقافية ، بالإضافة إلى دراسة أصول الإنسان وتطوره في مراحل ما قبل التاريخ . ومن هذا المفهوم يتضح أن الانثربولوجيا علم كلى شمولي يهتم بإصدار التعميمات حول الإنسان وأنماط سلوكه وتفكيره ومعيشته .
ثالثا : أهداف دراسة الانثربولوجيا
استناداً إلى مفهوم الانثربولوجيا وطبيعتها، فإن دراستها تحقق مجموعة من الأهداف ، يمكن حصرها في الأمور التالية:
1- وصف مظاهر الحياة البشرية والحضارية وصفاً دقيقا، وذلك عن طريق معايشة الباحث المجموعة أو الجماعة المدروسة، وتسجيل كل ما يقوم به أفرادها من سلوكيات في تعاملهم، في الحياة اليومية .
2- تصنيف مظاهر الحياة البشرية والحضارية بعد دراستها دراسة واقعية، وذلك للوصول إلى أنماط إنسانية عامة، في سياق الترتيب التطوّري الحضاري العام للإنسان : (بدائي- زراعي- صناعي معرفي تكنولوجي) .
3- تحديد أصول التغير الذي يحدث للإنسان، وأسباب هذا التغير وعملياته بدقة علمية ، وذلك بالرجوع إلى التراث الإنساني وربطه بالحاضر من خلال المقارنة، وإيجاد عناصر التغيير المختلفة.
4- استنتاج المؤشرات والتوقعات لاتجاه التغيير المحتمل، في الظواهر الإنسانية / الحضارية التي تتم دراستها، وبالتصور بالتالي لإمكانية التنبؤ بمستقبل الجماعة البشرية التي أجريت عليها الدراسة .
رابعا : مجالات الانثربولوجيا
تنقسم الانثربولوجيا إلى عدة مجالات رئيسة ، هي :
1- الانثربولوجيا العضوية (الطبيعية) :
تهتم الانثربولوجيا العضوية بدراسة جسم الإنسان وتكوينه وخصائصه المختلفة . فهي تتناول شكل الإنسان من حيث سماته العضوية ، والتغيرات التي تطرأ عليها بفعل المورثات . كما تتناول السلالات الإنسانية ، من حيث الأنواع البشرية وخصائصها ، بمعزل عن ثقافة كل منها . وهذا يعني أنّ الأنثربولوجيا العضوية تتركّز حول دراسة الإنسان / الفرد بوصفه نتاجا لعملية عضوية ، ومن ثم دراسة التجمعات البشرية / السكانية ، وتحليل خصائصها.
وتقسم الأنثربولوجيا العضوية بحسب طبيعة الدراسة، إلى فرعين أساسيين ، هما:
أ- فرع الحفريات البشرية :
وهو يهتم بدراسة الجنس البشري منذ نشأته، ومن ثم مراحله الأولية وتطوره ، من خلال ما تدل عليه الحفريات والآثار المكتشفة. أي أنه يتناول بالبحث نوعنا البشري واتجاهات تطوره ، ولا سيما ما كان منها متصلا بالنواحي التي تكشفها الأحافير(13) .
ومهمة هذا النوع من الدراسة ، هي محاولة استعادة (معرفة) ما نجهله عن الإنسان البائد ، وذلك من خلال الحفريات التي تكشف عن بقاياه وآثاره وما خلفه وراءه من أدوات ، ومحاولة تحليل هذه المكتشفات من أجل معرفة الأسباب التي دعت إلى حدوث تغيرات مرحلية في شكل الإنسان ،الذي أصبح كما هو عليه الآن(14).


ب- فرع الأجناس البشرية أو الأجسام البشرية:
وهو يهتم بدراسة الصفات العضوية للإنسان البدائي (المنقرض) والإنسان الحالي ، من حيث الملامح الأساسية والسمات العضوية العامة . ولذا كرس علماء الأجسام معظم جهودهم لدراسة الأصناف البشرية ورصد الفروقات بينها ، ومحاولة معرفة الأسباب المحتملة لهذه الفروقات . ويلاحظ أن اهتمامهم انصب إلى عهد قريب جدا على تصنيف الأجناس البشرية المختلفة على أساس العرق، وإيجاد العلاقات المحتملة بين هذه الأجناس .
وعلى هذا الأساس ، فإن فرع الأجناس البشرية ، يدرس التغيرات البيولوجية التي تحصل بين مجموعات إنسانية في مناطق جغرافية مختلفة ، على أساس تشريحي ووراثي ، وذلك من خلال المقارنة مع الهياكل العظمية للإنسان القديم ، والموجودة في المقابر المكتشفة حديثا . وهذا ما ساعد العلماء كثيرا ، في وضع التصنيفات البشرية على أسس موضوعية وعلمية ، يمكن الاعتماد عليها في دراسة أي من المجتمعات الإنسانية(15).
وتعمد الأنثربولوجيا العضوية من أجل أن تحقق أهدافها في دراسة أصل الإنسان دراسة تاريخية وفق منهجية علمية ، إلى الاستعانة بعلم الأحياء وعلم التشريح، إلى درجة يمكن معها أن يطلق اى الدراسة التي Human Biologyعلى الانثربولوجيا العضوية اسم " علم الأحياء الإنسانية " تتعلق بالإنسان وحده دون غيره من الكائنات الحية الأخرى .
2- الانثربولوجيا النفسية :
تسمى الأنثربولوجيا النفسية أيضا (الثقافة والشخصية)، وذلك بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين الثقافة والشخصية الإنسانية. فقد أثبتت بعض الدراسات أن التطابق في التقييمات المستقلة للمعلومات التي جمعت ، بقصد دراسة معادل " الثقافة الشخصية " بلغ حدا كبيرا يدل على توقع حدوث تعاون مثمر، بين الأنثربولوجيين والتحليل النفسي في أبحاث أخرى.ويدل أيضا، على أن من المستحسن أن يتدرب الباحث على فروع علمية عديدة حتى يتمكن من إجراء المراحل المختلفة من البحث والتحليل، والتي تتطلبها طريقة التركيب " السيكو- ثقافي"(16) .
ومن هذا المنطلق أكّدت معظم التعريفات التي تناولت مفهوم الثقافة ارتباطها بشكل أساسي بالنتاجات الإبداعية والفكرية للإنسان . وهذا يعني أن الثقافة ظاهرة ملازمة للإنسان باعتباره يمتلك اللغة ، واللغة وعاء الفكر ، والفكر ينتج عن تفاعل العمليات العقلية والنفسية التي يتمتع بها الإنسان دون غيره من الكائنات الحية . فالعناصر الثقافية وجدت معه منذ أحس بوجوده الشخصي / الاجتماعي ، وأخذ مفهومها يتطور ويتسع ، وتتحدد معالمها مع تطور الإنسان ، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن(17) .
فموضوع الأنثربولوجيا النفسية يتحدد إذن في العلاقة بين الثقافة والشخصية ، هذه العلاقة التي تسير في اتجاهين متكاملين : اتجاه يأخذ أثر الثقافة في الشخصية ، واتجاه يأخذ أثر الشخصية في الثقافة . ومن هنا فقد ساعد ظهور الأنثربولوجيا النفسية ، علماء النفس في الوصول إلى فهم أفضل للمبادئ التي تحكم تشكيل الشخصية ، وأثار في الوقت ذاته اهتمام علماء الأنثربولوجيا لدراسة الأنماط الأساسية للشخصية في المجتمعات المختلفة ، قديمها وحديثها.
إن شخصية الفرد تنمو وتتطور من جوانبها المختلفة داخل الإطار الثقافي الذي تنشأ فيه ، وتعيش ، وتتفاعل معه حتى تتكامل وتكتسب الأنماط الفكرية والسلوكية التي تسهل تكيف الفرد ، وعلاقاته بمحيطه الاجتماعي العام .
وليس ثمة شك في أن الثقافة مسئولة عن الجزء الأكبر من محتوى أية شخصية ، وكذلك عن جانب مهم من التنظيم السطحي للشخصيات ، وذلك عن طريق تشديدها على اهتمامات أو أهداف معينة . ويكمن سر مشكلة العلاقة بين الثقافة والشخصية في السؤال التالي : " إلى أي مدى يمكن اعتبار الثقافة مسئولة عن التنظيم المركزي للشخصيات ؟ أي عن الأنماط السيكولوجية ؟ وبعبارة أخرى : هل يمكن للتأثيرات الثقافية أن تنفذ إلى باب الشخصية وتعدلها؟"(18) .
إن الجواب على هذا التساؤل ، يكمن في أن عملية تكوين الشخصية هي عملية تربوية / تعليمية تثقيفية ، حيث يجري فيها اندماج خبرات الفرد التي يحصل عليها من البيئة المحيطة ، مع صفاته التكوينية ، لتشكل معا وحدة وظيفية متكاملة تكيفت عناصرها ، بعضها مع بعض تكيفا متبادلا ، وإن كانت أكثر فاعلية في مراحل النمو الأولى من حياة الفرد.
على جوانب تجربة التعليم التي يتميزEnculturationويمكن أن نطلق اسم التثقيف أو المثاقفة
بها الإنسان عن غيره من المخلوقات ، ويوصل بها إلى إتقان معرفة ثقافته . والتثقيف في جوهره ، سياق تشريط شعوري أو لا شعوري ، يجري ضمن الحدود التي تعينها مجموعة من العادات . ولا ينجم عن هذه العملية التلاؤم مع الحياة الاجتماعية القائمة فحسب ، بل ينجم أيضا الرضي ، وهو نفسه جزء من التجربة الاجتماعية ، ينجم عن التعبير الفردي وليس عن الترابط مع الآخرين في الجماعة(19) .
وإذا كان هرسكو فيتز ركز على الاستمرارية التاريخية في الثقافة ، من خلال عملية (المثاقفة )، فإن سابير يشدد على العلاقة بين الثقافة والشخصية ، استنادا إلى الأساس اللغوي الذي كان لـه التأثير الكبير في الأنثربولوجيا البنيوية . يقول سابير: " هناك علاقة أساسية بين الثقافة والشخصية . فلا شك في أن أنماط الشخصية المختلفة تؤثر تأثيرا عميقا في تفكير عمل المجموعة بكاملها ، وعملها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، تترسخ بعض أشكال السلوك الاجتماعي في بعض الأنماط المحددة من أنماط الشخصية ، حتى وإن لم يتلاءم الفرد معها إلا بصورة نسبية"(20) .
وإذا كانت المفاهيم العلمية الأولى تصف سلوك الإنسان وتربطه بعدد من الدوافع والسمات العامة ، فإن العلم الحديث يؤكد أهمية العوامل النفسية والاجتماعية والقيم السائدة في المجتمع التي تظهر في هذا السلوك .
فالثقافة إذن ترتبط بالشخصية ، حيث تكون رافدا أساسيا من روافد هذه الشخصية وتحدد سماتها ، ولذلك فإن دراسة الثقافة والشخصية تمثل نقطة التقاء بين علم النفس وعلم الإنسان (الأنثربولوجيا ) . فلا يمكن فهم أي شخص فهما جيدا ، من دون الأخذ في الاعتبارات الثقافية التي نشأ عليها . كما لا يمكن فهم أي ثقافة إلا بمعرفة الأفراد الذين ينتمون إليها ويشاركون فيها.
3- الانثربولوجيا الثقافية :
تحتفظ الأنثربولوجيا بتاريخ حيوي وعريق من العلاقة والارتباط بالثقافة ، وتختلف هذه العلاقة وتتمايز عن جميع صور وأنماط علاقات العلوم الأخرى بالثقافة ، بحيث لا يغني النظر إلى الثقافة بواسطة هذه العلوم على تعدد أقسامها وحقولها الاجتماعية والإنسانية ، دون الكشف عن موقف الانثربولوجيا من الثقافة .
ومن شدة هذه العلاقة كادت الأنثربولوجيا تتملك الثقافة، وتجعل منها امتيازا لها، وتتحول إلى العلم الذي يتحدث باسمها وعنها وحولها. وذلك على خلفية أن الثقافة هي من مكتشفات الأنثربولوجيا، أو أنها -أي الأنثربولوجيا- هي التي عملت على اكتشافها بالعودة إلى العقل البدائي والمجتمعات البدائية، ومحاولة البحث عن جذور الثقافة وبداياتها وكيف تنشأ وتنمو وتتطور؟ وتجيب على سؤال لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة ؟ وهو السؤال الذي عنون به مايكل كاريزرس كتابه في الأنثربولوجيا. ويرى الأنثربولوجيون أنفسهم أنهم - دون غيرهم- من يمتلكون تجريبات عملية، واستدلالات برهانيه، وسجلات اثنوجرافية ، يبرهنون بها على ذلك ، من بين جميع المشتغلين في حقول الدراسات الاجتماعية والإنسانية .
وقد ترسخت هذه العلاقة بين الأنثربولوجيا والثقافة مع تشكل وظهور ما عرف بالأنثربولوجيا الثقافية أحد أقدم أقسام الأنثربولوجيا العامة ، ومن أكثرها اهتماما إلى جانب الأنثربولوجيا الاجتماعية . وبين هذين القسمين الثقافي والاجتماعي في الأنثربولوجيا جدل ونزاع قديم في تحديد من هو الأصل ، ومن هو الفرع ، وما يترتب على ذلك من صياغة وتحديد هوية وشخصية علم الأنثربولوجيا . فمن ينتمون إلى الأنثربولوجيا الثقافية يعدون هذا الحقل هو الأصل ، والأنثربولوجيا الاجتماعية هي الفرع . بينما يرى الذين ينتمون إلى الأنثربولوجيا الاجتماعية أن حقلهم هو الأصل ، والأنثربولوجيا الثقافية هي الفرع .
وتفاقم هذا الجدل والنزاع مع الانقسام الذي حصل بين أشهر مدرستين في الأنثربولوجيا ، وهما المدرسة الأنثربولوجية البريطانية التي انحازت إلى الجانب الاجتماعي ، والمدرسة الأنثربولوجية الأمريكية التي انحازت إلى الجانب الثقافي . وعُرف هذا الانقسام وظهر على السطح مع صدور كتاب أنماط الثقافة عام 1935م للأنثربولوجية الأمريكية الشهيرة روث بنيديكت ، الكتاب الذي وصفه الأنثربولوجي العربي الدكتور أحمد أبو زيد بأنه من أوسع كتب الأنثربولوجيا انتشارا ليس في أمريكا وحدها بل في العالم أجمع .
ولقد ساهم العالم البريطاني الأنثربولوجي الشهير إدوارد تايلور في تدعيم العلاقة بين الثقافة والأنثربولوجيا ، بحيث أصبح من غير الممكن النظر إلى الثقافة دون العودة إلى الأنثربولوجيا التي قدمت أجود تعريف للثقافة ، وهو التعريف الذي اشتهر به تايلور في عصره وما بعد عصره ، وحقق به إنجازا معرفيا استفادت منه الأنثربولوجيا في تعزيز مكانتها بين العلوم الاجتماعية الأخرى .
وبهذا التعريف برهن تايلور أن الأنثربولوجيا في عصره كانت الأقدر من بين العلوم الاجتماعية على تكوين المعرفة بالثقافة ؛ حيث قدمت تعريفا من الممكن القبول به ، والتوافق عليه عند معظم المشتغلين بالدراسات الاجتماعية والثقافية ، وهذه كانت من أصعب المهام التي واجهت العلوم الاجتماعية والإنسانية ، وتناغمت فيما بينها حول هذه المهمة العسيرة من حيث الضبط والتحديد ، وبقيت هذه المهمة شائكة ومعقدة خصوصا بعد محاولة التفكير في تجاوز التعريف التايلوري .
ومنذ أن طرح تايلور تعريفه للثقافة ، دخل هذا التعريف في المجال التداولي بقوة وزخم لا يقارن به تعريف آخر ، واحتفظ هذا التعريف بقيمته وفاعليته ولم يستطع أحد أن يخرجه من مجاله التداولي في جميع الأزمنة التي مرت عليه . ومع أنه اليوم لم يعد بتلك القوة والزخم اللذين كان عليهما من قبل ، مع ذلك بقي حاضرا داخل المجال التداولي ولم يفارقه .
وقد جاء هذا التعريف في الكتاب الذي أصدره تايلور عام 1871م بعنوان الثقافة البدائية . الكتاب الذي عرف دويا هائلا على حد تعبير لويس دوللو ، وكان للعنوان نفسه كما يقول دوللو أثر الصدمة لدى قرائه لجمعه بين كلمتين غير متوافقتين أصلا .
في هذا الكتاب يعرف تايلور الثقافة في أول فقرة منه بقوله : هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون ، وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع . وهذا النص هو أكثر نص عرف به تايلور ، وهناك الكثيرون من الكتاب والمثقفين الذين لا يعرفون عن تايلور ، وعن كتابه المذكور إلا هذا التعريف الذائع الصيت ، والذي لا يخلو منه كتاب يتحدث عن الثقافة ، أو يقترب منها ، وغالبا ما يرجح هذا التعريف على غيره من التعريفات الأخرى ، وبالذات في الكتابات العربية (21) .
ولاشك في أهمية وقيمة ما أضافته الأنثربولوجيا في مجال الثقافة والدراسات الثقافية ولا أظن أن المشتغلين في الحقل الثقافي يشككون في ذلك ، أو يقللون من أهمية تلك الإضافات ، لكن قد يجادلون في المغالاة التي يصورها البعض على خلفية أن الأنثربولوجيا ، والأنثربولوجيا الثقافية تحديدا هي التي جعلت من الثقافة قضيتها الأساسية ، واعتمدت عليها بوصفها مدخلا رئيسيا في دراسة المجتمعات ، وهي التي أعلت من شأن الثقافة ، وواجهت الشكوك التي اعترضتها ، وسعت لتحويل الثقافة إلى علم يستقل بذاته ، وهذا لا يعني في نظر المجادلين أن الثقافة أصبحت حقا وامتيازا للأنثربولوجيا .
فتعرف الأنثربولوجيا الثقافية - بوجه عام - بأنها العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع لـه ثقافة معينة . وعلى هذا الإنسان أن يمارس سلوكا يتوافق مع سلوك الأفراد في المجتمع (الجماعة) المحيط به ، يتحلى بقيمه وعاداته ويدين بنظامه ويتحدث بلغة قومه .
ولذلك فإن الأنثربولوجيا الثقافية هي ذلك العلم الذي يهتم بدراسة الثقافة الإنسانية ، ويعنى بدراسة أساليب حياة الإنسان وسلوكياته النابعة من ثقافته . وهي تدرس الشعوب القديمة ، كما تدرس الشعوب المعاصرة (22) .
فالأنثربولوجيا الثقافية إذن تهدف إلى فهم الظاهرة الثقافية وتحديد عناصرها . كما تهدف إلى دراسة عمليات التغيير الثقافي والتمازج الثقافي ، وتحديد الخصائص المتشابهة بين الثقافات ، وتفسر بالتالي المراحل التطورية لثقافة معينة في مجتمع معين .

ولهذا استطاع علماء الأنثربولوجيا الثقافية أن ينجحوا في دراساتهم التي أجروها على حياة الإنسان ، سواء ما اعتمد منها على التراث المكتوب للإنسان القديم وتحليل آثارها ، أو ما كان منها يتعلق بالإنسان المعاصر ضمن إطاره الاجتماعي المعاش .
وهذا يدخل إلى حد بعيد- فيما يسمى (علم اجتماع الثقافة) والذي يعني تحليل طبيعة العلاقة بين الموجود من أنماط الإنتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية، وتحديد وظائف هذا الإنتاج في المجتمعات ذات التركيب التنضيدي أو الطبقي (23) .
على الرغم من تعدد العناصر الثقافية ، وتداخل مضموناتها وتفاعلها في النسيج العام لبنية المجتمع الإنساني ، فقد اتفق الأنثربولوجيون على تقسيم الأنثربولوجيا الثقافية إلى ثلاثة أقسام أساسية ، هي :
أ- علم اللغويات :
هو العلم الذي يبحث في تركيب اللغات الإنسانية ، المنقرضة والحية، ولا سيما المكتوبة منها في السجلات التاريخية فحسب ، كاللاتينية أو اليونانية القديمة، واللغات الحية المستخدمة في الوقت الحالي كالعربية والفرنسية والإنجليزية . ويهتم دارسو اللغات بالرموز اللغوية المستعملة ، إلى جانب العلاقة القائمة بين لغة شعب ما ، والجوانب الأخرى من ثقافته ، باعتبار اللغة وعاء ناقلا للثقافة .
إن اللغة من الصفات التي يتميز بها الكائن الإنساني عن غيره من الكائنات الحية الأخرى ، فهي طريقة التخاطب والتفاهم بين الأفراد والشعوب ، بواسطة رموز صوتية وأشكال كلامية متفق عليها ، ويمكن تعلمها . علاوة على أنها وسيلة لنقل التراث الثقافي / الحضاري ، حيث يمكن استخدام معظم اللغات في كتابة هذا التراث (24) .
يدرس علماء الأنثربولوجيا ، اللغة في سياقها الاجتماعي والثقافي ، في المكان والزمان . ويقوم بعضهم باستنتاجات تتعلق بالمقومات العامة للغة وربطها بالتماثلات الموجودة في الدماغ الإنساني . ويقوم آخرون بإعادة بناء اللغات القديمة من خلال مقارنتها بالمتحدرات عنها في الوقت الحاضر ، ويحصلون من ذلك على اكتشافات تاريخية عن اللغة .
وما يزال عدد من علماء الأنثربولوجيا اللغوية يدرسون اختلافات اللغة ليكتشفوا الادراكات والنماذج الفكرية المختلفة ، في عدد وافر من الحضارات. ويدخل في ذلك دراسة الاختلافات اللغوية في سياقها الاجتماعي ، وهو ما يدعى (علم اللغة الاجتماعي) الذي يدرس الاختلاف الموجود في لغة واحدة ، ليظهر كيف يعكس الكلام الفروقات الاجتماعية (25) .

ب- علم الآثار القديمة (الحفريات) :
يعنى بشكل خاص بجمع الآثار والمخلفات البشرية وتحليلها ، بحيث يستدل منها على التسلسل التاريخي للأجناس البشرية ، في تلك الفترة التي لم تكن فيها كتابة، وليس ثمّة وثائق مدوّنة (مكتوبة) عنها .
ويبحث هذا الفرع من علم الأنثربولوجيا الثقافية في الأصول الأولى للثقافات الإنسانية ، ولا سيما الثقافات المنقرضة. ولعل علم الآثار القديمة أكثر شيوعا بين فروع الأنثربولوجيا ، وربما كانت مكتشفاته مألوفة لدى الشخص العادي أكثر من مكتشفات الفروع الأخرى . ومثال ذلك ، أن اسم (توت عنخ آمون) أحد ملوك قدماء المصريين ، يكاد يكون معروفا لدى الأوساط الشعبية العامة (26) .
وعلى الرغم من أن الهدف الأول من هذه الأبحاث ، هو الحصول على معلومات عن الشعوب القديمة ، إلا أن الهدف النهائي يتمثل في مساعدة القراء والدارسين ، في تفهم العمليات المتصلة بنمو الثقافات أو (الحضارات) وازدهارها أو انهيارها، وبالتالي إدراك العوامل المسئولة عن تلك التغيرات .
فعالم الآثار يعتمد في دراسته على البقايا التي خلفها الإنسان القديم ، والتي تمثل طبيعة ثقافاته وعناصرها . وقد توصل علماء الآثار إلى أساليب دقيقة لحفر طبقات الأرض التي يتوقع وجود بقايا حضارية فيها . كما توصلوا إلى مناهج دقيقة لفحص تلك البقايا وتحديد مواقعها ، وتصنيفها من أجل التعرف عليها ، ومن ثم مقارنتها بعضها مع بعض . ويستطيع علماء الآثار باستخدام تلك المناهج ، استخلاص الكثير من المعلومات عن الثقافات القديمة ، وتغيراتها ، وعلاقة كل منها بغيرها (27) .
ويستخدم علماء الأنثربولوجيا بقايا المواد كمعطيات رئيسة لاستخدام المعرفة العلمية والنظرية ، حيث يقوم علماء الآثار بتحليل النماذج الحضارية والتطورات التي طرأت عليها ، فتكشف النفايات عن الأوضاع الخاصة بالاستهلاك والنشاطات .
ولذلك يلجأ علماء الآثار الأنثربولوجيون إلى الاستفادة من أبحاث علماء الجيولوجيا والمناخ ، للتحقق من (هوية) البقايا التي يكتشفونها ، وتاريخ وجودها . كما يتعاون علماء الآثار أيضا، مع المتخصصين في الأنثروبولوجيا الطبيعية ، وذلك لكثرة وجود ( اللُقى) الإنسانية في الحفريات ، مع البقايا الثقافية . وقد نجح علماء الآثار المحدثون ، في استخدام (الكربون المشع) كوسيلة لتحديد عمر " البقايا " بدقة(28) .
ج- علم الثقافات المقارن (الأثنولوجيا )
تعتبر الأثنولوجيا من أقرب العلوم إلى طبيعة الأنثربولوجيا ، بالنظر إلى التداخل الكبير فيما بينهما من حيث دراسة الشعوب وتصنيفها على أساس خصائصها ، وميزاتها السلالية والثقافية والاقتصادية ، بما في ذلك من عادات ومعتقدات ، وأنواع المساكن والملابس ، والمثل السائدة لدى هذه الشعوب .
وتدخل في ذلك دراسة أصول الثقافات والمناطق الثقافية ، وهجرة الثقافات وانتشارها والخصائص النوعية لكل منها ، ودراسة حياة المجتمعات في صورها المختلفة . أي أنه العلم الذي يبحث في السلالات القديمة وأصولها وأنماط حياتها ، كما يبحث في الحياة الحديثة في المجتمعات الحاضرة ، وتأثّرها بتلك الأصول القديمة (29) .
ولذلك تعرف الأثنولوجيا بأنها دراسة الثقافة على أسس مقارنة وفي ضوء نظريات وقواعد ثابتة ، بقصد استنباط تعميمات عن أصول الثقافات وتطورها ، وأوجه الاختلاف فيما بينها ، وتحليل انتشارها تحليلا تاريخيا (30) .
وتهتم النظرية الأثنولوجية بدراسة الثقافة عن طريق القوانين المقارنة ، ولا سيما مقارنة قوانين الشعوب البدائية ، حيث يهتمّ علماء القانون المقارن بدراسة بعض العادات والنظم والقيم والتقاليد، مثل : النسب الأبوي أو الأمومي ، سلطة الأب ، الحياة الإباحية ، الاختلاط الجنسي ، وطرائق الزواج المختلفة (31) .
ويبحث علم الأثنولوجيا في طرائق حياة المجتمعات التي لا تزال موجودة في عصرنا الحاضر ، أو المجتمعات التي يعود تاريخ انقراضها إلى عهد قريب ، وتتوافر لدينا عنها سجلات تكاد تكون كاملة . فلكل مجتمع طريقته الخاصة في الحياة ، وهي التي يطلق عليها العلماء الأنثربولوجيون مصطلح " الثقافة " . ويعد مفهوم الثقافة من أهم الأدوات التي يتعامل معها الباحث الأثنولوجي (32) .
ومن ميزات الأثنولوجيا أنها تعتمد على عمليتي التحليل والمقارنة ، فتكون عملية التحليل في دراسة ثقافة واحدة، بينما تكون عملية المقارنة في دراسة ثقافتين أو أكثر. وتدرس الأثنولوجيا الثقافات الحية (المعاصرة) والتي يمكن التعرف إليها بالعيش بين أهلها، كما تدرس الثقافات المنقرضة (البائدة) بواسطة مخلفاتها الأثرية المكتوبة والوثائق المدونة . وتهتم إلى جانب ذلك ، بدراسة ظاهرة التغيير الثقافي من خلال البحث في تاريخ الثقافات وتطورها .
4- الانثربولوجيا الاجتماعية :
تعرف الانثربولوجيا الاجتماعية بأنها الدراسة التكاملية المقارنة القائمة على ملاحظة السلوك الانسانى في مضمونها الاجتماعي ، وهى في أهدافها تهتم بالبناء الاجتماعي ونظمه .
وهنا تعد تصنيفات المؤسسات والأنظمة الاجتماعية أدوات نافعة للأغراض الوصفية ، كما أن التعميمات بالنسبة للعلاقات المتداخلة والمتبادلة بين النماذج والمؤسسات تساعد في الاهتداء إلى نوع من النظام وسط أوضاع تبدو مشوشة وغامضة ، وفي زيادة الفهم الحقيقي للعمليات الاجتماعية . وفي الوقت ذاته ، يعتمد هذا الفهم على دراسة النسق الكلي الذي يؤلف النظام الاجتماعي جزءا منه. ويضم هذا النسق ثلاثة عناصر متميزة ، هي : شخصيات الأفراد الذين يؤلّفون المجتمع ، والبيئة الطبيعية التي يتعين على المجتمع أن يكيف حياته وثقافته معها ، وأخيرا المجموعة الكاملة من الوسائل الفنيّة اللازمة للمعيشة ، التي تضمن استمرار بقاء المجتمع عن طريق نقلها من جيل إلى جيل (33) .
فالنظام الاجتماعي إذن هو التعبير التقني الأنثربولوجي الذي يدل على المظهر الأساسي في حياة الجماعة الإنسانية ، وهو يشمل النظم التي تؤلف إطارا لأنواع السلوك جميعها ، سواء كان فرديا أو اجتماعيا .
وبناء على ذلك تهدف دراسة الأنثربولوجيا الاجتماعية إلى تحديد العلاقات المتبادلة بين هذه النظم ، سواء في المجتمعات القديمة التي تدرس من خلال آثارها المادية والفكرية ، أو في المجتمعات الحديثة والمعاصرة التي تدرس من خلال الملاحظة المباشرة لمنجزاتها وتفاعلاتها الخاصة والعامة . ونستطيع أن ننتقى بعض من ملامحها في : نظم الزواج ، والبناء العائلي ، وعلاقات القرابة والنسب ، وصور العلاقات الداخلية في بنية الطوائف المغلقة .
وهناك أوجه شبه واختلاف بين الانثربولوجيا الاجتماعية وعلم الاجتماع . فكل منهما يهدف ويسعى لفهم ودراسة النظم الاجتماعية كالأسرة والنظم الاقتصادية والسياسية ، بالإضافة إلى فهم أنماط السلوك والتفكير وأشكال الثقافات في المجتمعات المختلفة . ويجمع بين الانثربولوجيا الاجتماعية وعلم الاجتماع أيضا الاهتمام بدراسة العلاقات الاجتماعية سواء بين الأفراد أو بين الجماعات مع التركيز على الثقافة والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع . ولعل أهم رابط بين الانثربولوجيا الاجتماعية وعلم الاجتماع هو الإطار النظري الذي من الصعب في كثير من الأحيان إقامة فاصل حاد بين الإطار النظري في الانثربولوجيا الاجتماعية والإطار النظري في علم الاجتماع. وذلك يرجع إلى تأثير علماء الاجتماع أمثال دوركيم وفيبر في علم الانثربولوجيا الاجتماعية . فعلى سبيل المثال نجد أن نظرية (دوركيم) في التضامن الاجتماعي ومفهوم الوظيفة في تحليله الاجتماعي كانت لها عظيم الأثر في الانثربولوجيا الاجتماعية وظهور ما يعرف باسم المدرسة البنائية الوظيفية . وكان تأثير (فيبر) وخاصة نظريته عن الفعل الاجتماعي في ظهور النظريات التي تربط المعنى بالفعل الاجتماعي في الانثربولوجيا الاجتماعية عظيم جدا(34) .
ومن ناحية أخرى فان تطبيقات علماء الانثربولوجيا الاجتماعية لتلك النظريات الاجتماعية قد أثرى تلك النظريات ووضع الأسس التجريبية لإثبات صحتها . ولقد كانت كتابات علماء الانثربولوجيا الاجتماعية وخاصة تلك الكتابات الوصفية الاثنوجرافية هي المراجع التي كان أصحاب النظريات الكبرى في علم الاجتماع يعتمدون عليها في صياغة نظرياتهم . ومثال على ذلك كتاب (دوركيم) الشهير "الأشكال الأولية من الحياة الدينية" حيث اعتمد (دوركيم) في هذا الكتاب على التقارير الاثنوجرافية الوصفية التي قام بها الانثربولوجيون الاجتماعيون(35) .
وبالتالي تعتبر الانثربولوجيا الاجتماعية بصفة خاصة اقرب المجالات الانثربولوجية لعلم الاجتماع ، فكلاهما يدرسان الظواهر والنظم الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي بين الأفراد . وهذا التشابه قريب جدا لدرجة أن (براون) احد علماء الانثربولوجيا الاجتماعية يعرف الانثربولوجيا الاجتماعية بأنها " علم الاجتماع المقاربة " ، بينما يذهب (بريتشارد) إلى أن الانثربولوجيا تعنى علم الاجتماع.
ولكن على الرغم من ذلك التشابه الكبير إلا أن هناك اختلافات بينهما :
أ- الاختلاف من حيث طبيعة المجتمع :
تدرس الانثربولوجيا الاجتماعية المجتمعات صغيرة الحجم من حيث عدد السكان والرقعة أو المنطقة التي تعيش عليها ومجالات الاتصالات الاجتما

إرسال لصديق
بواسطة : almushref
 0  0  3.2K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 02:37 مساءً الأربعاء 26 فبراير 2020.