• ×
  • تسجيل

الأربعاء 26 فبراير 2020 اخر تحديث : 02-24-2020

قائمة

almushref
بواسطة  almushref

الهدف والنموذج للرعاية اللاحقة للمفرج عنهم من السجون

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الاسم : د/ هانى جرجس عياد
الدرجة العلمية والتخصص : دكتوراه فى الاداب تخصص علم الاجتماع
الكلية والجامعة والبلد : كلية الاداب - جامعة طنطا - جمهورية مصر العربية

- - - - - - - - - - - - - - - - -
مقدمة :

تعد مرحلة الرعاية اللاحقة للإفراج مكملة للعملية الإصلاحية بكاملها ، بحيث يتوقع أن تهدر نتائج برامج المعاملة وإعادة التنشئة ما لم تعقبها برامج رشيدة تمكن السجين المفرج عنه من مواجهة الحياة في المجتمع بدون انتكاس يدفع به إلى عالم الجريمة من جديد فيعود إلى السجن مرة أخرى . وفى الوقت نفسه فان مرحلة الرعاية اللاحقة تعد مرحلة حصاد لكل نتائج برامج المعاملة السجونية ، ولا شك أن نجاح وكفاءة برامج المعاملة أو فشلها وعدم كفاءتها إنما تكشفها المرحلة التالية للإفراج . إن هناك جهودا أنتجت آثارا بالقدر الذي اتاحة الوقت الذي بذلت خلاله والوسائل التي استعين بها أثناء تنفيذ المحكوم عليه العقوبة السالبة للحرية ، ويغلب أن تكون هذه الآثار في حاجة إلى ما يكملها حتى تبلغ النطاق الذي يقتضيه التأهيل الاجتماعي ، وهذا الإكمال هو ( الدور الأول للرعاية اللاحقة ) . كذلك فان آثار الجهود في حاجة إلى صيانة كي لا تفسدها العوامل التي قد يتعرض لها المفرج عنه عقب الإفراج عنه مباشرة ، وهذه الصيانة هي ( الدور الثاني الذي تؤديه الرعاية اللاحقة ) .

ويبرز أهمية الدور العقابي للرعاية اللاحقة أن المفرج عنه يغلب أن يتعرض عقب الإفراج لظروف سيئة اصطلح على التعبير عنها ( بأزمة الإفراج ) ، وتفرض ظروف هذه الأزمة على السلطات العامة أن تخف إلى معونة المفرج عنه ، لأنها إن لم تفعل ذلك عرضت المجتمع لخطر عودته إلى الجريمة تحت وطأة هذه الظروف القاسية ، وهددت تبعا لذلك بالإفساد وخلخلت الجهود التي سبق أن بذلت ، وقد عبر البعض عن ذلك بالقول " إن الإيلام الحقيقي للمحكوم عليه يبدأ لحظة الإفراج عنه " .

ولا شك أن الفلسفة الحديثة للنظام العقابي في اى دولة متقدمة تستهدف إصلاح المذنب وتقويمه والنهوض بمستوى قيمه ومفاهيمه مما يستدعى تعديلا وتحويرا في شخصيته وتغييرا في نظرته العامة للحياة حتى يستطيع أن يعود إلى زمرة المجتمع من جديد مواطنا صالحا شريفا وعاملا نافعا منتجا . والواقع انه مهما بلغت قيمة برامج الإصلاح والتقويم المتبعة في السجون والمؤسسات العقابية فهي ليست كافية بذاتها لتحقيق هذا الهدف إذا لم يوجد إلى جوارها نظام انسانى متكامل لرعاية المسجون بعد الإفراج عنه حتى يمكن المحافظة على المستوى الذي وصل إليه من الفهم والتربية والتأهيل المهني والسلوك السوي استجابة لتلك البرامج الإصلاحية ، والعمل على تنمية تلك القدرات والاستفادة منها . وهذا النظام يقدم للمسجون بعد الإفراج عنه العون الذي يقوده ويوجهه ويرشده ، وعليه أن يتابعه ويرعاه ويشرف على سلوكه ويساعده على التغلب على المشكلات المختلفة التي تواجهه خارج السجن كالحرمان المادي وفقدانه لبعض الحقوق والمزايا ومتاعبه الخاصة بالأسرة وبعدم إمكانية الحصول على عمل إلى غير ذلك من الصعاب . ولقد أصبح من المسلم به أن مسئولية الهيئة المشرفة على برنامج الرعاية الاجتماعية للمسجونين لا تنتهي بمجرد إطلاق سراح المسجونين ، بل يجب عليها أن تواصل معاملته بطريقة إنسانية فعالة تساعده على الاندماج في الجماعة .

إن المفرج عنه يواجه بالاختلاف الكبير بين ظروف الحياة التي اعتاد عليها في المؤسسة العقابية وظروف الحياة في المجتمع ، كما أن له مطالب متنوعة والتي قد فشل في تدبيرها ، فقد لا يجد المأوى ولا المال الذي تقتضيه متطلبات العيش الأولى ، كما انه قد يعانى من الشعور بالتخلف إزاء مواطني المجتمع وان هناك ثمة تغيرات لا يعلمها وقد لا يفهمها أو لا يتكيف معها فيتولد لديه ذلك الشعور الذي يضعف من ثقته في نفسه ويغرس لديه الاعتقاد بصعوبة اندماجه في المجتمع . وقد يواجه المفرج عنه بالنفور وعدم الاكتراث من جانب المجتمع حيث ينظر إليه أفراده باعتباره مجرما سابقا فيتجنبوه ويرفضون تقبله بينهم فتغلق سبل العمل أمامه فتخل بذلك علاقاته العائلية ويتولد لديه العداء الاجتماعي الذي قد يدفعه إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى .

والرعاية اللاحقة عون على تخطى أزمة الإفراج ، كما أنها وقاية للمفرج عنه من سوء ظن الناس به وفقدانه ثقته بنفسه وعوزه المادي وما يتفرع عن ذلك كله من إغراءات شديدة بالعودة إلى الجريمة ، وهى ليست إحسانا وإنما هي التزام تتحمله الدولة وتفرضه عليها وظيفتها في مكافحة العود إلى الجريمة ، كما أنها معاملة عقابية من نوع خاص تكمل المراحل المتعاقبة من التنفيذ العقابي .

ويجب ألا نتحدث عن الرعاية اللاحقة في مجال الكبار المفرج عنهم دون أن نتطرق بإيجاز شديد إلى النقاط التالية :

1- تعريف الرعاية اللاحقة وتطورها التاريخي :

يشير مفهوم الرعاية اللاحقة بصفة عامة إلى الاهتمام والمساعدة التي تمنح لمن يخلى سبيله من مؤسسة عقابية ، بغرض معاونته في جهوده للتكيف مع المجتمع الذي يعيش فيه . ورغم الاتفاق بين الباحثين على هذا المضمون ، إلا أن الطرائق والوسائل ، بل والمؤسسات المنوطة بذلك تختلف باختلاف المجتمع (1) .

ومن المتعارف عليه أن سياسة الردع وما لازمها من عقوبات قاسية استمرت تمثل الطابع المميز للبرامج العقابية حتى أواخر القرن التاسع عشر . وبظهور الفلسفة الوضعية وإسهامها في كشف طبيعة السلوك الاجرامى تحول الغرض من العقوبة بشكل جذري ، كما تحولت نوعيتها ، وأصبح هدفها هو إصلاح المجرم لتقليل إن لم يكن منع عودته إلى السلوك الاجرامى ، ولابد أن تستمر مسئولية المجتمع حيال نزلاء مؤسسات التقويم بعد الإفراج عنهم حتى يتمكنوا من التغلب على المشكلات المسماة ( بصدمة الإفراج ) ، ويندمجون بالتدريج مع مجتمعهم ويعودون مواطنين منتجين شرفاء (2) .

ويعتقد البعض أن مفهوم الرعاية اللاحقة يشير إلى رعاية لاحقة للإفراج فقط . أما اعتبارها إجراء لاحقا للحكم يشمل المحكوم عليه وأسرته حتى بعد الإفراج فلم يجد تحمسا لدى فقهاء القانون حتى الآن . ورغم هذا تبنت جمعيات أهلية كثيرة في بلد مثل المملكة العربية السعودية هذا المفهوم الأخير ، وقدمت للمحكوم عليهم ، وخاصة في السجون ، الرعاية اللازمة لهم ولأسرهم ، بإنشاء مؤسسات صناعية لتشغيل النزلاء وتدريبهم على حرف وأعمال تكون عونا لهم بعد التخرج من المؤسسة . ويمكن القول باْن مفهوم الرعاية كما هو مطبق في مصر - مثلا- يعنى الرعاية اللاحقة للإيداع في المؤسسة العقابية وليس فقط الرعاية اللاحقة للإفراج كما هو الحال في أوربا (3) .
ويلزم التفرقة بين الرعاية اللاحقة والاختبار القضائي ونظام البارول والإفراج الشرطي . فالأولى أسلوب للمعاملة العقابية يتبع بعد الإفراج التام على المحكوم عليه لمتابعة تقويمه ومعاونته على التكيف مع مجتمعه الأول . وفيما يتصل بالاختبار القضائي فهو إجراء يطبق على المتهم أو المحكوم عليه خلال زمن معين لتأهيله ، وهو يعنى تقييد حرية الشخص الذي يطبق عليه هذا النظام بتكليفه بالتزامات محددة والإشراف عليه ومعاونته ، فإذا انتهت مدة الاختبار بنجاح دون إخلال من جانب الشخص بالتزاماته سقطت التهمة أو الحكم ، وإلا تابع القضاء الدعوى لسلب حرية الشخص أو إصدار الأوامر لتنفيذ الحكم المرجأ . أما نظام البارول أو الإفراج بوعد الشرف فبمقتضاه يفرج عن المحكوم عليه بعقوبة تسلب حريته بعد قضاء مدة منها إذا تعهد بالخضوع لإشراف اجتماعي وبالمحافظة على حسن السلوك ، وإلا وجب عليه استكمال العقوبة إذا ما خالف التعهد . أما الإفراج الشرطي فهو أن يطلق بمقتضاه سراح المحكوم عليه قبل إتمام مدة العقوبة شريطة الالتزام بأداء واجبات معينة ، يترتب على إخلاله لها العودة للمؤسسة العقابية .

إن الرعاية اللاحقة هي امتداد لجهود التهذيب والتأهيل المبذولة أثناء تنفيذ العقاب . ويلزم أن يبدأ الإعداد للرعاية اللاحقة منذ بدء تنفيذ العقاب . إلا أن الجانب الأكبر من الإعداد يبدأ مباشرة قبل الإفراج . ولابد أن تلقى الفترة التالية تماما للإفراج الاهتمام . فقد ثبت بحثيا وإحصائيا أن معظم الجرائم التي يرتكبها العائدون تتم في الستة أشهر اللاحقة مباشرة للإفراج (4) .

وقد تأثرت فكرة الرعاية اللاحقة في ظل السياسة العقابية القديمة بأغراض العقوبة التي انحصرت في أول الأمر في إيلام المحكوم عليه تحقيقا للردع العام والعدالة ، ولذلك كانت مهمة الدولة تنتهي بانتهاء مدة العقوبة ، فلا يصبح لها بالمحكوم عليه شان . كذلك كان من التناقض في ظل استهداف إيلام المحكوم عليه عن طريق العقوبة أن تقدم له الدولة بعد الإفراج عنه رعاية ومساعدة على شق طريق في الحياة ، إذ يعتبر ذلك نوعا من تخفيف العبء على المحكوم عليه بينما كانت تستهدف إيلامه (5) .

إلا أن تخلف الدولة عن رعاية المفرج عنه لم يكن يحول دون أن يلقى هذه الرعاية عن طريق الأفراد أو الهيئات الخاصة التي لم تكن الدولة تمانع في أدائهم لهذه المهمة .

فابتدأت الرعاية اللاحقة في صورة مساعدات بعثت عليه التعاليم الدينية أو مجرد اعتبارات الشفقة . ولم تكن لهذه الرعاية عندئذ صفة عقابية وإنما اعتبر المفرج عنهم صنف من بؤساء الناس يقدم إليهم العون كما يقدم إلى سائر البؤساء . ويعنى ذلك انه كان لهذه الرعاية طابع خاص بحت ، فتولتها جمعيات الخير ولم تحمل الدولة في شانها مسئولية قط (6) .

وقد تحقق التطور في نظم الرعاية اللاحقة حينما تغيرت النظرة إلى أعراض العقوبة ، فغلب التأهيل عليها .

فإذا كانت العقوبة لا تدرك غرضها الحقيقي إلا بتأهيل المحكوم عليه ، فانه لا وجود لتلازم حتمي بين تحقيق التأهيل وانقضاء اجل العقوبة الذي حدده الحكم القضائي . فإذا انقضى الأجل قبل تحقق التأهيل ، فمن المنطقي أن تستمر الجهود من اجل تحقيقه في صورة الرعاية اللاحقة . وإذا ما تحقق التأهيل عند بلوغ ذلك الأجل ، فمن المتعين المحافظة عليه ضد العوامل الاجتماعية المفسدة عن طريق الرعاية اللاحقة كذلك (7) .
وتعنى هذه النظرة الجديدة أن النشاط المتخذ صورة الرعاية اللاحقة هو من طبيعة النشاط الذي بذل أثناء التنفيذ العقابي ، فلهما ذات الأغراض . والنتيجة التي تترتب على هذا التماثل هي وجوب أن تتولى الدولة تنظيم الرعاية اللاحقة .

وقد تأكد هذا الدور للدولة في مجموعة قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين ( جنيف 1955 ) حيث قررت المادة 80 منها أن يوضع مستقبل المحكوم عليه بعد الإفراج عنه في الاعتبار منذ بداية التنفيذ العقابي . ونص قانون السجون الانجليزي في المادة 32 على ضرورة إعطاء مستقبل المحكوم عليه العناية منذ بداية التنفيذ العقابي . كذلك اخذ المشرع المصري بفكرة الرعاية اللاحقة في المادة 64 من قانون تنظيم السجون . كما جاءت في توصيات المؤتمر الثاني لهيئة الأمم المتحدة ( لندن 196 ) ضرورة إمداد السجين وقت الإفراج عنه بمساعدات كافية في سبيل مواجهة ضرورات العيش . وقد أوصى مؤتمر خبراء الشئون الاجتماعية العرب ( القاهرة 1964 ) بضرورة توجيه العناية منذ بدء تنفيذ العقوبة إلى مستقبل المسجون بعد الإفراج عنه وكفالة أسباب العيش الشريف له ، إذ أن واجب الدولة لا ينتهي بالإفراج عنه ، ولذلك ينبغي قيام هيئات حكومية وأهلية قادرة على مد المفرج عنه برعاية لاحقة فعالة (8) .

وعلى ذلك أصبحت الرعاية اللاحقة في ظل السياسة العقابية الحديثة من صميم مسئوليات الدولة . إما على نحو مباشر ، بان تقوم بها أجهزة تابعة مباشرة للدولة ، أو أن تدخل الدولة لتنظيم عمل الهيئات الطوعية ووضع قواعد ومعايير تنظيمية لها ومدها بالعون المالي والفني بجانب إشراف الدولة على أنشطتها وتوجيهها وممارسة الرقابة على أعمالها .


2- مظاهر وصور الرعاية اللاحقة :

إن الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم غالبا ما تتخذ صورتين هما :

الصورة الأولى : هي إمداد المفرج عنه بعناصر بناء مركزه الاجتماعي التي يعجز عن توفيرها بنفسه .

وتتطلب هذه الصورة إمداد المفرج عنه بمأوى مؤقت ، وملابس لائقة ، وأوراق إثبات شخصية ، ومبلغ من النقود يفي باحتياجاته العاجلة ، والحصول على عمل له (9) .

ويعتبر توفير المأوى المؤقت للمفرج عنه من أهم عناصر الرعاية اللاحقة . وتتمثل أهمية ذلك في أن المفرج عنه قد يخرج من المؤسسة العقابية دون أن يجد له مأوى أو دون أن يجد من يرحب بإيوائه من أقاربه أو معارفه . فوصمة الإجرام تصاحبه في كل مكان والمجتمع ينفر منه ولا يرحب أفراده بوجوده بينهم ويرفضون التعاون معه .

وطبقا للإحصاءات التي أجريت في أواخر عام 1980 بالولايات المتحدة الأمريكية فان تعداد المواطنين الذين كانوا يعيشون بدون مأوى بلغ حوالي 230.000 مواطن وما يقرب من ربع هذا التعداد قد سبق إيداعهم في السجن لقضاء عقوبة سالبة للحرية . وفى ولاية كاليفورنيا تشير الإحصاءات إلى أن ما يقرب من (10%) من الذين تم الإفراج عنهم كانوا بلا مأوى خلال هذا العام . أما في ولايتي سان فرانسيسكو ولوس انجلوس فقد تراوح هذا المعدل ما بين (30 %) (50%) (10) .

ومن هنا يعتبر إيجاد أو معاونة المفرج عنه في العثور على مكان ياْوى إليه إذا كان قد فقد مأواه السابق من أهم عناصر الرعاية اللاحقة . لان عدم توفير مأوى للمفرج عنه يعنى تشرده مما يؤدى به غالبا إلى أن يعود إلى طريق الإجرام .

بينما تأتى أهمية توفير العمل الشريف للمفرج عنه في انه السبيل إلى شغل الوقت في نشاط ذي قيمة اجتماعية ايجابية . وبالإضافة إلى ذلك فانه الوسيلة إلى انتظام مورد للعيش . ومن هاتين الوجهتين يكفل العمل الشريف ابتعاد المفرج عنه عن طريق الجريمة .

وتبدو أهمية هذه الصورة من صور المعونة اللاحقة إذا تبينا قدر الصعوبة التي يعانيها المفرج عنه في سبيل العثور على عمل . إذ قد تبين من إحدى الدراسات انه ما يكاد يخرج المفرج عنه من المؤسسة العقابية إلا وتعترضه العديد من الصعوبات والمعوقات التي تحول دون امكانيه عثوره على عمل يتعيش منه . وذلك نظرا لعدم تعاون السلطات العامة معه ، ولرفض جهات العمل المختلفة تشغيله . فانه يندر أن يقبل رب عمل أن يشغل لديه مفرج عنه يوصف بأنه مجرم سابق ، كما انه يسوده الشك في أن يكون قد انصرف عن الإجرام نهائيا . وتضرب الدولة لأرباب العمل المثل في ذلك ، إذ تضع قوانينها القيود - بل والخطر على تعيين المفرج عنهم في الوظائف العامة بل وعلى إمكانية استخراجهم أو تجديدهم لتراخيص قيادة أو إشغال طريق لإقامة مشروعاتهم التي يسعون إلى إقامتها ليتعيشوا منها بما يكفل معه ابتعادهم عن طريق العودة للجريمة (11) .

ولكن هذه العقبات لا يجوز أن تثنى عن بذل الجهود لتوفير العمل الشريف للمفرج عنهم . وتحمل الدولة واجبا أساسيا في هذا المجال ، يضم بين أجزائه تخفيف القيود الموضوعة على تعيين المفرج عنهم في الوظائف العامة ، بحيث لا يكون محل لخطر إلا إذا رجح - على نحو واضح احتمال إساءة استغلال الوظيفة العامة . ويغلب ألا يكون لهذا الاحتمال خطورة اجتماعية في الوظائف الدنيا التي لا تخول سلطة ولا ترتبط بها مسئوليات على درجة من الأهمية . ويجدر بالدولة أن تقدم المعونات إلى المؤسسات التي تقبل تعيين المفرج عنهم . وعلى الدولة عند الضرورة إنشاء مؤسسات يعمل فيها أساسا المفرج عنهم .

وتقتضى الرعاية اللاحقة إمداد المفرج عنه بالمعونة النقدية العاجلة التي قد يكون في حاجة إليها . ويغلب أن يكون المفرج عنه في حاجة إلى هذه المعونة لينفق على رحلته إلى المكان الذي يريد الاستقرار فيه ، وكي يحصل على مطالب العيش الأولى ريثما ينتظم له مورد رزق شريف .

وتحقيق هذه الصورة من صور الرعاية اللاحقة أمر ميسور ويحققه القائمون على المؤسسات العقابية . فالمسجون يقوم بالعمل داخل السجن وينال على عمله هذا أجرا ، ويجرى العمل في المؤسسات العقابية على احتجاز جزء من مقابل العمل يدخر لحساب المحكوم عليه حتى يكون رصيدا له تقدمه له المؤسسة عند الإفراج عنه فيستعين به على مواجهة الحياة .

وليس نادرا أن يقصر الرصيد عن توفير الموارد المالية العاجلة للمفرج عنه بالنظر إلى طول المدة التي قد يتعين عليه الانتظار خلالها قبل الحصول على عمل . وفى هذه الحالة يتعين على الدولة توفير هذه المعونة له باعتباره متعطلا أو معوزا ، ومن ثم يستحق الإعانة التي تمنح للعاطلين ، أو باعتباره معوزا يحق له الاستفادة من المعونات التي يقدمها المجتمع لأبنائه (12) .

وقد جاءت توصيات مختلف الحلقات الدراسية الإقليمية والمؤتمرات الدولية المهتمة بشئون الجريمة مؤكدة ضرورة العون المادي للمفرج عنهم وداعية المصالح والهيئات الحكومية والأهلية التي تعنى بمساعدة المفرج عنهم على الاستقرار وتيسير اندماجهم في المجتمع أن تبذل ما في وسعها لتزويد المفرج عنهم بالمستندات وأوراق تحقيق الشخصية الضرورية لهم ، ومدهم بالمسكن والعمل والملابس اللائقة والمناسبة لحالة الطقس وكذلك بالوسائل اللازمة لوصولهم إلى حيث يرغبون الإقامة ، وتهيئة من يقوم بإيوائهم خلال الفترة التالية مباشرة للإفراج عنهم (13) .

الصورة الثانية : وتتمثل في إزالة العقبات التي تعترض جهود المفرج عنه في بناء مركزه الاجتماعي

فيتعين في المقام الأول توجيه عناية كبيرة إلى المفرج عنهم الذين يحتاجون إلى علاج طبي يكفل تخلصهم من عارض مرضى يقف عقبة بينهم وبين التأهيل الكامل . وغنى عن البيان انه إذا كان العارض عقليا أو نفسيا فان اعتراضه سبيل التأهيل يكون أوضح ، ومن ثم تكون لعلاجه أهمية اكبر . ويتعين توجيه عناية خاصة إلى المفرج عنهم الشواذ والمدمنين على الخمور والمخدرات (14) .

ومن ابرز العقبات التي تواجه المفرج عنه عداء الرأي العام في المجتمع ، وهو عداء يتمثل في سوء الظن به والنفور منه . وخطورة هذا العداء انه يضع المفرج عنه في عزلة عن المجتمع فيعرقل بذلك اندماجه فيه على النحو الذي يتحقق به تأهيله ، وهو بالإضافة إلى ذلك يضيق من فرص استفادته من النظم الاجتماعية .

وقد اتفقت نتائج العديد من الدراسات على أن الفرد المفرج عنه يواجه نبذا اجتماعيا من قبل أفراد المجتمع السوي متمثلا في عملية الرفض الكامل لما بدر منه من سلوك ، ومستمرا في توجيه النقد اللاذع لتصرفه الذي نتج عنه هذا السلوك ، ومؤكدا رفض فكرة التعضيد الاجتماعي له ، وذلك إما بالإعلان الاجتماعي أو بالسلوك الظاهر لعيان المجتمع . على اعتبار أن الموصوم (عار) وان في ارتباطهم بهذا العار ستكون إدانتهم واردة ، وعليه فان الغالبية منهم يتجهون إلى بتر هذه العلاقة مع هذا الشخص (15) .

ووسيلة مواجهة هذه العقبة هي تنوير الراْى العام بإقناعه بان تقديم الرعاية اللاحقة هو في المصلحة العامة للمجتمع . لأنه يكافح احد أسباب العود إلى الجريمة . ويتعين إقناع الراى العام كذلك بأنه لا يجوز المبالغة في احتقار المجرمين ، ذلك أن جانبا أساسيا من أسباب الإجرام يرجع إلى تأثير عوامل إجرامية يحمل المجتمع بأفراده كافه نصيبه من المسئولية عنها . وعلى الدولة أن تضرب المثل للأفراد بالناي بالمفرج عنهم من عداء لا تبرره مصلحة اجتماعية .

وقد أشار المؤتمر الثاني للأمم المتحدة ( لندن 1960 ) إلى ذلك على النحو التالي " لا يمكن أن تتحقق إعادة التأهيل الاجتماعي الناجح إلا بمعاونة الراى العام ، ولذا يجب بث روح التعاون لدى الراى العام باستخدام جميع وسائل الإعلام في سبيل الوصول إلى مشاركة المجتمع بكافة عناصره وعلى الأخص الجهات الحكومية واتحادات الصناعة وأصحاب الأعمال في إجراءات التأهيل الاجتماعي . ومن المرغوب فيه كذلك أن تكف الصحافة عن توجيه الأنظار إلى المفرج عنهم من المسجونين " (16) .

ومن العقبات التي تعترض تأهيل المفرج عنه نظم مراقبة الشرطة التي تفرض عليه باعتبارها عقوبات تبعية أو تكميلية أو تدابير احترازية ، وتتضمن من القيود على الحرية ما يضيق من مجال نشاطه ، ويغلق دونه ميادين كان يستطيع أن يبذل فيها جهود تأهيل مثمرة .

وتقتضى مواجهة هذه العقبة مراجعة النظم السابقة بحيث تقتصر على حماية المجتمع برقابة نشاط من يخشى عليه خطورتهم ، مع الحرص في الوقت ذاته على تفادى قيود لا مبرر لها على النشاط المشروع الذي يبذله شخص في سبيل تأهيله . ويتصل بذلك وجوب أن تراجع قواعد رد الاعتبار بحيث تتيح السبل لكل شخص تحقق تأهيله الكامل أن يسترد مكانه في المجتمع على نحو يتساوى فيه مع سائر أفراده (17) .

ولا شك أن هذه الصور وغيرها تعيد ثقة المفرج عنه في نفسه ، وفى شعوره بأنه مواطن لا يختلف عن غيره من المواطنين أو انه لديه وصمة اجتماعية ( إجرامية أو انحرافية ) ، مما يسهم في حصوله على مصدر رزق شريف يؤمن له حياة اجتماعية مستقرة تكون بمثابة السياج الذي يحميه من مجرد التفكير في اقتراف الجريمة مرة أخرى .

3- نماذج عربية ودولية للرعاية اللاحقة :

وقد أقرت العديد من النظم العقابية بأهمية الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم من المؤسسات العقابية المختلفة فنجد على سبيل المثال :

1- في المملكة المتحدة :

تتخذ الرعاية اللاحقة في النظام العقابي الانجليزي صورتين أساسيتين هما (18) :

(ا) إمداد المفرج عنه بمأوى مؤقت وملابس لائقة وأوراق إثبات شخصيته ومبلغ من النقود . ويعتبر توفير المأوى المؤقت للمفرج عنه أهم عناصر الرعاية اللاحقة في بريطانيا ، إذ في الغالب يترتب على سلب الحرية فقد المأوى السابق ، ويعنى عدم توفير المأوى للمفرج عنه تشرده مما يؤدى به غالبا إلى العودة إلى طريق الإجرام . ويوجد في انجلترا عدد من المأوى الجماعية التي أنشئت بجوار المؤسسات العقابية الكبيرة لينزل فيها المفرج عنهم ريثما يتاح لهم الاستقرار في مركز اجتماعي شريف .

(ب) إتاحة حصول المفرج عنه على عمل شريف يحقق له مورد منتظم للعيش . وتقوم وزارة العمل في انجلترا بدور اساسى في البحث عن العمل للمفرج عنهم ، حيث يقوم مندوبو هذه الوزارة بزيارة السجون على نحو دوري ويتصلون بالمحكوم عليهم الذين قرب يوم الإفراج عنهم ويعرفون منهم المنطقة التي سوف يستقرون بها ونوع العمل الذي يرغبون في مزاولته ويبلغون أسمائهم والبيانات المتعلقة بهم إلى مكتب العمل في هذه المنطقة لكي يعد لهم العمل الذي يستطيعون مباشرته عند الإفراج عنهم .

ووفقا للنظام العقابي الانجليزي تمنح الدولة كل جمعية تسهم في جهود الرعاية اللاحقة إعانة تمثل نصف ما تنفقه على المفرج عنهم الذين تتولى رعايتهم ، بيد انه يشترط لتلقى كل جمعية مثل هذه الإعانة حصولها على اعتراف من الأجهزة الحكومية بصلاحيتها لأداء مثل هذا النشاط . وتنضم هيئات الرعاية اللاحقة في انجلترا في جمعية عامة يطلق عليها ( التجمع الوطني لجمعيات مساعدة المسجونين المفرج عنهم ) .

2- في فرنسا :

وتنصرف الرعاية اللاحقة في فرنسا إلى تدبير المأوى المناسب للمفرج عنه والطعام وذلك بصفة مؤقتة ثم تدبير العمل الشريف لمن يرغب فيه بصفة دائمة . وتقوم وزارة العمل الفرنسية بدور اساسى في البحث عن العمل المناسب للمفرج عنه . ويبدأ الإعداد للرعاية اللاحقة منذ الوقت السابق مباشرة على الإفراج حتى تتاح الفرصة الكافية لتأهيل المسجون للإفراج وللإفادة من هذه الرعاية عندما يحين وقتها (19) .

3- في الولايات المتحدة الأمريكية :

حتى الخمسينيات لم تكن الجهود الحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية قد تبلورت فيما يتعلق بالرعاية اللاحقة ، بيد انه في أوائل الستينيات بدأت بعض الأجهزة الحكومية الأمريكية في إنشاء ما أطلق عليه ( منازل منتصف الطريق ) لاستقبال المفرج عنهم لإعادة تأهيلهم اجتماعيا .

وترتكز فلسفة منازل منتصف الطريق على أن السجين يفقد طوال مدة العقوبة السالبة للحرية صلاته العادية بأسرته وعمله وبأدواره الاجتماعية ، وخلال فترة السجن أيضا يبدأ المذنب في التوافق مع الحياة داخل السجن ، ومن ثم فانه بعد الإفراج عنه يجد صعوبة في إعادة علاقاته مع أسرته وعمله وأدواره الاجتماعية ، ولذلك فان المفرج عنه يحتاج إلى فسحة من الوقت لاستعادة توافقه مع مجتمعه.

واستجابة لهذا الاحتياج أنشئت منظمات منازل منتصف الطريق لتسهيل عملية الانتقال من مجتمع المؤسسة العقابية إلى المجتمع الحر(20) .

وفى عام 1961 انشات مصلحة السجون التي تتبع الحكومة الفيدرالية الأمريكية ما يسمى بمراكز العلاج المجتمعي ، وتخدم هذه المراكز المذنبين سواء أكانوا من الذكور أم الإناث ، وفيما قبل عام 1970 كانت هذه المراكز مخصصة للمذنبين ممن تبقت فترة محدودة للإفراج عنهم ، وكانوا ينقلون إلى هذه المراكز كمقدمة لانتقالهم اللاحق إلى المجتمع ، غير انه الحق بها فيما بعد المفرج عنهم شرطيا والموضوعون تحت المراقبة .

وتعتبر مراكز العلاج المجتمعي حاليا بمثابة منازل منتصف الطريق وان كانت تتميز بما يلي (21) :
ا- تقديم برامج تعليمية وتدريبية للنزلاء استمرارا لتلك البرامج التي تلقوها بالمؤسسات العقابية .
ب- المساعدة في توفير الأعمال المناسبة للمفرج عنهم .
ج- الاستفادة من إمكانيات المجتمع في تأهيل من سيفرج عنهم للعودة إلى حياتهم الطبيعية .
د- توفير العون النفسي والاجتماعي للمفرج عنه في أزمة إعادة توافقه مع مجتمعه.

ومن السائد في معظم دول العالم إن المذنب أو السجين السابق يجد مشقة ومعاناة في الحصول على عمل شريف إذ أن كثيرا ما يمتنع أصحاب العمل عن تشغيل حتى المؤهلين منهم مفضلين عليهم من لم يسبق لهم ارتكاب أية جريمة . ولقد قامت الولايات المتحدة في محاولة التغلب على هذا العائق وتشجيع أصحاب العمل على توظيف خريجي السجون بتجربة فريدة قد تكون قدوة لبعض المجتمعات الأخرى المشابهة في نظمها الاقتصادية والسياسية . فلقد صدر قانون فيدرالي عام 1979 بأثر رجعى من عام 1978 ينص على خفض معدل الضرائب لأصحاب الأعمال الذين يوظفون المسجونين المفرج عنهم بشركاتهم أو مصانعهم ، إذ يخصم من ضريبة صاحب العمل خمسين في المائة من اجر المذنب السابق خلال العام الأول لاشتغاله ، ويخصم خمسة وعشرين في المائة من اجر العام الثاني لاشتغاله (22) .

كما تبنت الحكومة الأمريكية فكرة أن تحدد نسبة معينة من الوظائف في مصالحها للمفرج عنهم وخاصة في الأماكن التي تحتاج إلى ايدى عاملة كمصانع الغزل والنسيج والدخان وعيرها . فنجد شركة جنرال إلكتريك الأمريكية مثلا تحدد (2%) من وظائفها للمفرج عنهم (23) .
4- في النمسا :

ومن النماذج المتقدمة في معاملة المحكوم عليهم بدرجة تؤمن مستقبلهم فكرة اشتراك نزلاء السجون في نظام التامين الاجتماعي مثلهم كمثل المواطنين العاملين خارج المؤسسة العقابية . وتتميز دولة النمسا بقانون حديث يعطى المسجون الحق في الإسهام اختياريا في عمل تامين اجتماعي له بما في ذلك من ضمانات مماثلة لدى المواطن بالمجتمع الخارجي . غير أن رسوم الاشتراك بهذا التامين تستهلك أكثر من نصف اجر النزيل المشتغل بالسجن مما يقلل العائد إليه مستقبلا بشكل كبير . ولقد تقدم المسئولون عن الجهاز العقابي بالنمسا لمعالجة ذلك بتوصية لزيادة هذا الأجر لتشجيع المسجونين على الاشتراك بنظام التامين الاجتماعي (24) .

5- في سيرلانكا :

وفى سيرلانكا قامت جمعية رعاية المسجونين بإمداد المفرج عنهم من السجون بأدوات الأعمال الحرفية ما بين نجارة وحدادة وميكانيكا السيارات وأعمال الكهرباء ، حيث يبدأ بها السجين السابق على أنها سلفه من الجمعية ، وذلك بدلا من إعطائه مبلغا من المال قد ينفقه في أشياء يفتقدها أو أمور يشتهيها بعد حرمانه من الحرية لفترة طويلة (25) .




6- في نيوزيلندا :

أما في نيوزيلندا فقد تم إصدار قانون يعاقب من يتحيز ضد السجناء المطلق سراحهم ويمتنع عن تشغيلهم ، إذا ما ثبت استقامتهم وعدم عودتهم للجريمة بعد الإفراج عنهم (26) .

7- في مصر :

يقع عبء الرعاية اللاحقة للمسجونين المفرج عنهم في مصر على عاتق الجمعيات الأهلية لرعاية المسجونين والتي ظهرت خلال العقود الأخيرة ، ولكن من الإنصاف أن نشير إلى أن المشرع المصري خلال عشرات السنين الماضية لم يغفل أمر المسجونين المفرج عنهم أو يتركهم دون مساعدة ، فقد أولى هذه الناحية اهتماما ظهر في القوانين واللوائح المنظمة للسجون (27) .

وتنوعت أشكال المساعدات المقدمة من هذه الجمعيات سواء إلى اسر المسجونين أثناء تنفيذ العقوبة أو المفرج عنهم بعد الإفراج ، فعرفت المساعدات النقدية العاجلة وبعض الهبات العينية وإقامة بعض المشروعات البسيطة . وذلك في حدود الإمكانات المالية والبشرية المتاحة والمحدودة(28) .

وتشارك وزارة الداخلية المصرية أيضا في هذا المجال من خلال قسم الرعاية اللاحقة في مصلحة الأمن العام الذي صدر القرار الوزاري (1272/1972) بإنشائه ، وتتبعه وحدة متابعة للإعداد المهني ووحدة لرعاية المفرج عنهم . ثم صدر القرار الوزاري (725/1973) بإنشاء وحدات للرعاية اللاحقة بإدارة البحث الجنائي بمديريات الأمن في المحافظات تختص كل منها في نطاقها بمهام الرعاية اللاحقة للمسجونين المفرج عنهم ومن في حكمهم الذين امضوا في السجن ستة أشهر فأكثر . وأخيرا صدر القراران الوزاريان (1460/1979) و(11/19801) بشان رفع مستوى قسم الرعاية اللاحقة إلى مستوى إدارة مستقلة عن مصلحة الأمن العام تتبع قطاع الأمن الاجتماعي بالوزارة ، ورفع مستوى وحدات الرعاية اللاحقة إلى مستوى الأقسام ، وإعادة تنظيم تلك الإدارة لتشمل على أربعة تقسيمات نوعية هي : قسم التأهيل المهني ، وقسم رعاية المسجونين المفرج عنهم ، وقسم رعاية اسر المسجونين ، وقسم الشئون المالية والإدارية والذي تتبعه وحدة للعلاقات العامة تقوم بالحملات الإعلامية لإقناع الراى العام بجدوى مساعدة المفرج عنهم وإتاحة الفرص أمامهم للعمل الشريف (29) .

8- في تونس :

يعتبر نشاط الرعاية اللاحقة للمسجونين المفرج عنهم في تونس من الأنشطة الحكومية البحتة التي تقوم بها الإدارة العامة للسجون ضمن أعمال مصلحة معينة تسمى بمصلحة الرعاية اللاحقة لها مراقب ومرشدون اجتماعيون من الجنسين . وتقوم المصلحة بإعطاء ضمان ادبى لأصحاب العمل فيما يتعلق بتشغيل المفرج عنهم . ويبدأ عملها بإجراء بحث اجتماعي عن كل مسجون عند دخوله السجن والاتصال بأصحاب المؤسسات قبل الإفراج عنه حتى يحصل له على عمل وإرسال مندوبين عن المصلحة لزيارة المفرج عنه في مكان عمله ليطمئن صاحب العمل من جهة والمفرج عنه من جهة أخرى . وتقوم الجهات المختصة بإعادة المفرج عنه بصلاح شرطي إلى السجن في حالة إذا ما كان تقرير مصلحة الرعاية اللاحقة عنه سلبيا . كما يلاحظ أن هناك مصالح أخرى تتبع وزارتي العمل والشئون الاجتماعية تساعد في عملية الرعاية اللاحقة حسب طلب مصلحة السجون (30) .
9- في السودان :

بدا تطبيق الرعاية اللاحقة في السودان كنشاط رسمي خلال الخمسينيات وذلك في شكل لجنة استشارية برئاسة مدير مصلحة السجون لمساعدة محافظي الأقاليم على تشغيل السجناء المطلق سراحهم وتقديم العون الممكن لأسرهم . وتضم هذه اللجنة ممثلين حكوميين وأهليين من بينهم رجال الأعمال وضباط السجون . ثم ما لبث أن ألغيت خلال الستينيات وحل محلها إدارة صغيرة برئاسة مصلحة السجون في الخرطوم لدراسة احتياجات المسجونين المفرج عنهم في جميع أنحاء البلاد وتقديم منحة مالية صغيرة لمن يستحق منهم . وقد انتقلت لجنة الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم في أوائل الثمانينيات إلى مصلحة الرعاية الاجتماعية بوزارة الصحة السودانية التي تقوم حاليا بالدور الحكومي الرئيس للرعاية اللاحقة ولها ميزانية خاصة بها وهيئة للعاملين في هذا المجال ، ويتبع هذه المصلحة مكتب للرعاية الاجتماعية في جميع الأقاليم السودانية حيث تقوم أساسا بتقديم المساعدات للسجناء المفرج عنهم وأسرهم (31) .

10- في السعودية :

تدخل الرعاية اللاحقة للسجناء المطلق سراحهم في المملكة العربية السعودية ضمن نظام التكافل الاجتماعي النابع من الشريعة الإسلامية السمحاء على اعتبار أن الرعاية اللاحقة بمفهومها المتكامل تبدأ عند دخول السجين المؤسسة العقابية، وخاصة فيما يتعلق بالتعرف على وضع أسرته والعمل على المساعدة العاجلة لأفرادها، والتكفل بأمورها المعيشية بما في ذلك توفير المأكل والمسكن وتعليم الصغار وعلاج المرضى إلى غير ذلك من الاحتياجات الضرورية. وللإسلام، باعتباره دين لا تنفصل فيه العبادة والشرائع والأخلاق، موقف إيجابي وواضح من مسائل الرعاية الاجتماعية وتلبية احتياجات فئات المجتمع، ويتجلى هذا الموقف في دعوة الناس إلى معونة الفئات المحتاجة والفقيرة انطلاقاً من دوافع حب الخير والإحسان. وتطبيقاً لذلك تنتشر في المملكة العربية السعودية عدد من الجمعيات الأهلية التي تهتم برعاية أسر السجناء والمفرج عنهم من أهمها (32) :
ا- جمعية تراحم : وهي لجنة لديها 15 فرع تنتشر في مناطق المملكة العربية السعودية، وتقوم بالعديد من البرامج لتأهيلهم للاندماج بالمجتمع والمساعدة أيضاً في أزماتهم المالية وأيضاً في مشاريعهم الخاصة .
ب- صندوق المئوية : وهو صندوق تمويل للأنشطة التجارية الصغيرة يمنح الأولوية للمساجين والمفرج عنهم وأسرهم .

من جملة ما سبق يتبين مدى الاهتمام الذي توليه الدول المختلفة بالرعاية اللاحقة للمفرج عنهم بعد أن أصبحت برامج المعاملة والتأهيل المطبقة في المؤسسات العقابية لا تكفى بذاتها لضمان إعادة تكييف المحكوم عليه واندماجه في المجتمع من جديد ، لكنه لابد وان يدعم هذه البرامج نظام فعال للمساعدة والرعاية . يتم الإعداد له منذ بدء إيداع السجين السجن حتى وقت الإفراج عنه ، وهى الفترة التي تعد أحرج واخطر فترة تواجه المحكوم عليه فلا تزال تجربة السجن ماثلة أمامه ، فإذا وجد الرعاية والمساعدة التي تأخذ بيده وتضمن له سبل العيش الشريف استجاب لها ، أما إذا وجد المجتمع يطارده ويلاحقه بجرمه الذي وفى عنه دينه فلا يكون أمامه إلا رفقاء السوء وإلا طريق الجريمة سبيلا إلى ضمان لقمة العيش .


والخلاصة :

يعد الاهتمام بالمعاملة داخل السجن من أكبر اهتمامات الدارسين في الدراسات العقابية. وفي السابق كان الإصلاح والمعاملة الهادفة لإصلاح السجين ينتهيان فور انتهاء مدة حبسه، غير أن هذا الاتجاه يحمل في طياته تناقضاً واضحاً، فإذا كانت الأساليب الإصلاحية داخل السجن تستهدف إعادة تأهيل النزيل وإعداده للاندماج في المجتمع من جديد حتى لا يعود لارتكاب الجريمة، فيجب أن تستمر مسئولية المجتمع حيال نزيل السجن حتى بعد الإفراج عنه ليتمكن من التغلب على كافة الصعوبات التي تواجهه بعد خروجه بما يضمن عدم عودته، بما في ذلك ما يطلق عليه البعض "صدمة الإفراج" أو "رهبة الإفراج" وليتمكن كذلك من أن يندمج تدريجياً مع المجتمع، و يعود لمجتمعه فرداً صالحاً. وهذه المسئولية ومتطلباتها هي ما تسمى بـ"الرعاية اللاحقة".

ولا يجب أن تقتصر الرعاية اللاحقة على الجهاز الحكومي سواء كان ممثلاً في إداراتها الإصلاحية في مصلحة السجون، أو في خدماتها الاجتماعية في الوزارات الأخرى، وخاصة وزارة الشئون الاجتماعية، حيث يجب أن يتولى القطاع الخاص دوراً مهماً في هذه الرعاية معتمداً في ذلك على الأنشطة التطوعية التي تتبناها المنظمات غير الحكومية لرعاية المسجونين المفرج عنهم ورعاية أسرهم. ولقد انتشرت جمعيات الرعاية هذه في العالم الغربي منذ بداية القرن العشرين، وانتقلت فكرة هذه الجمعيات المؤسسية إلى مجتمعات عديدة أخرى من بينها المجتمعات العربية .
وتتحقق الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم بشكل فاعل من خلال ثلاثة أساليب مترابطة مع بعضها لإكمال هدفها بحيث يمكن القول بأن ابتعاد أحدها يؤثر سلباً في تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الرعاية اللاحقة. ويهتم الأسلوب الأول برعاية نزلاء السجون منذ اللحظة الأولى لتنفيذ العقوبة السالبة للحرية إلى لحظة الإفراج عنهم. ويهتم الأسلوب الثاني برعاية أسر النزلاء خلال فترة تنفيذ العقوبة، وتمتد هذه الرعاية إلى ما بعد الإفراج عن النزيل. أما الأسلوب الثالث فهو رعاية المفرج عنهم بعد انقضاء فترة العقوبة وعودته إلى المجتمع الذي يعيش فيه لتحقيق عنصري تكيفه مع المجتمع واستقراره فيه مواطناً صالحاً يسهم في بناء نفسه وبناء مجتمعه مثله في ذلك مثل باقي المواطنين. وكذلك لمساعدته في مواجهة التحديات المتوقعة والتي من أهمها :
ا- فقدان السجين لبعض الحقوق والمزايا .
ب- الوضع تحت مراقبة الشرطة
ج- المشاكل المادية .
د- صعوبة الحصول على عمل .
ه- عدم تقبل المجتمع المحلي .
ه- تأثير العناصر الإجرامية .

وباستعراض جهود بعض الدول في مجال الرعاية اللاحقة وبعرض المضمون العلمي للرعاية اللاحقة بشقيه السوسيولوجي والمهني، يمكن استخلاص نموذج للرعاية اللاحقة الاجتماعية ويشمل العناصر التالية :

ا- مجموعة القوانين التي تكفل سرعة اندماج المفرج عنهم مع المجتمع، خاصة من لم يرتكب جرائم خطيرة منهم، مثل إلغاء السابقة الأولى وإلزام الجهات الحكومية والخاصة بتشغيل نسبة مئوية من المفرج عنهم إلى جملة حجم العاملين بكل مؤسسة .
ب- نسق متكامل من المؤسسات الاجتماعية الحكومية والأهلية تلعب فيها المؤسسات الحكومية دوراً رائدا في تقديم خدمات الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم .

ج- التخطيط لبرامج الرعاية اللاحقة، بحيث تكون بدايتها أثناء فترة العقوبة وتكثيفها بعد الإفراج مع تصنيف لنوعية خدمات الرعاية اللاحقة وأولويتها بحيث تختص كل مؤسسة أو مجموعة من المؤسسات بنوعية معينة من خدمات الرعاية اللاحقة، بحيث يستفيدون من خدمة مؤدية إلى خدمة أخرى.. وهكذا حتى يحصلوا في نهاية الأمر على مجموعة خدمات الرعاية اللاحقة المتكاملة التي يحتاجون إليها .

د- إيجاد نسق فعال لتخطيط برامج الرعاية اللاحقة، والتنسيق بين مؤسسات الخدمات، ومتابعة التنفيذ وإجراء البحوث القيمة وربط بين مختلف أجهزة اتخاذ القرار فيما يتعلق بالعقاب والاحتجاز والمراقبة بعد الإفراج بجانب مخططي ومنفذي برامج الرعاية اللاحقة .

ه- الاهتمام بالعنصر العلمي للرعاية اللاحقة فهو العنصر الذي يؤدي الخدمة فعلا، والذي يحول الخطط والبرامج إلى واقع ملموس يفيد المفرج عنهم . ويعتبر هذا العنصر حالياً أكثر العناصر افتقاداً في الرعاية اللاحقة لذلك يجب أن ينمي الأخصائيون الاجتماعيون تقنية (تكنولوجية) الرعاية اللاحقة لان ذلك هو المحك الرئيس لفاعليتها .

(*) وهناك بعض التدابير التي يلزم أخذها في الاعتبار من اجل الإعداد الملائم للأخصائيين الاجتماعيين وخاصة أولئك الذين ينخرطون في أعمال الرعاية اللاحقة . واهم هذه التدابير ما يلي :
(-) تحقيق الانتماء للمهنة والولاء لها .
(-) إعداد الكوادر الملائمة والكافية من أعضاء هيئة التدريس القائمين بالإعداد المهني للأخصائيين الاجتماعيين .
(-) تطوير مقررات الدراسة دون التقييد الأعمى بالتراث الاجنبى حول المسائل والقضايا الإنسانية والاجتماعية ، كما هو الحال في عصرنا الراهن .
(-) تطوير طرائق وأساليب الإعداد الميداني للباحث الاجتماعي .
(-) تبنى أساليب للممارسة نابعة من الثقافة الوطنية ، وذلك بعد استحداث هذه الأساليب وتطويرها .
(-) التكامل في أساليب وطرائق واستراتيجيات العمل الاجتماعي .
(-) التركيز على قضايا وأهداف التنمية في ممارسة العمل الاجتماعي .
(-) تنمية المهارات الأساسية للقائمين بالرعاية الاجتماعية .

(*) وهناك بعض المهارات التي يلزم توافرها في اخصائى الرعاية اللاحقة مثل :
(-) بث ثقة المفرج عنه في نفسه ، ومنحه مشاعر الاطمئنان ، وعليه أن يشعر المفرج عنه أنه صديق نافع له .
(-) إقناعه بأهمية استمراره بعيداً عن طريق الإجرام .
(-) رسم خطة تستهدف مساعدته على الخروج من عزلته وإعادة إيصاله بالمجتمع الطبيعي الذي عاد إليه .
(-) مساعدة المفرج عنه على الاعتماد على نفسه أثناء قيامه بأدواره الجديدة .
(-) التعرف على أهم المشاكل التي تعترض المفرج عنه ومحاولة إيجاد الحلول لها .
(-) أن يبذل عناية خاصة للمحافظة على علاقة المفرج عنه بعائلته أو تحسين هذه العلاقة .
(-) مساعدة المفرج عنه على ترتيب أمور حياته بعد الإفراج ( المأوى ـ العمل ـ تزويده بأوراق تحقيق الشخصية ) وغيرها من الأوراق والمستندات اللازمة له .
(-) ويجب أن ينتهي هذا الدور باكتساب المفرج عنه بالبصيرة الكافية والرؤية الواضحة للمستقبل والتعرف على دوره وواجباته فيه .
و- ثم يأتي أخيراً العنصر الدولي.. أو نموذج الرعاية اللاحقة فيجب أن يتضمن التعاون الدولي لتبادل الخبرات بين مختلف الأجهزة المعنية بالرعاية اللاحقة للاستفادة من الخبرات الناجحة وتقنينها وتطبيقها بما يلائم كل مجتمع .

المراجع والهوامش :

1- اْحمد ضياء الدين خليل ، " حقوق المحكوم عليه في مرحلة تنفيذ الحكم الجنائي " ، مجلة مركز بحوث الشرطة ، أكاديمية الش

إرسال لصديق
بواسطة : almushref
 0  0  5.2K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 01:36 مساءً الأربعاء 26 فبراير 2020.