• ×
  • تسجيل

الثلاثاء 31 مارس 2020 اخر تحديث : 03-27-2020

قائمة

almushref
بواسطة  almushref

النساء والصحة في المغرب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
دة/الزهرة الخمليشي
النساء والصحة في المغرب

تعد الصحة حقا من حقوق الإنسان،كما تشكل الركيزة الأساسية لحياة سعيدة ومزدهرة،باعتبارها عماد التنمية والتطور سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي،مما جعلها مركز اهتمامات الناس والمجتمعات منذ أزمنة غابرة في التاريخ،وحتى يومنا هذا،وهم يبحثون عن الأساليب الناجعة للحفاظ على الصحة وتجنب المرض.
ورغم التقدم العام في مجال الصحة الذي حققته الإنسانية منذ القرن الماضي،حيث تم القضاء على الكثير من الأمراض والأوبئة،إلا أن هذا لم يقض على الخلل العام في مجال الصحة،وعدم المساواة و التفاوتات،سواء بين المجتمعات(شمال/جنوب)،أو داخل المجتمع الواحد،أو بين الطبقات أو بين الجنسين.
فكيف تؤثر هذه العوامل على صحة النساء؟وعلى مدى استفادتهن من حقهن في الصحة؟.
قبل محاولة الإجابة عن هذين السؤالين لابد من تقديم بعض التحديدات لتوضيح كل من مفهوم الصحة،والنوع الاجتماعي.
I:تحديد المفاهيم
1:تحديد مفهوم الصحة:
الصحة حسب ابن منظور في لسان العرب هي غياب المرض،أو السقم،والمرض هو غياب الصحة.
لكن المنظمة العالمية للصحة تذهب أبعد من ذلك وتعرف الصحة بأنها حالة من اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية ولا تفرض فقط غياب المرض أو العجز.
فالصحة من خلال هذا التعريف،منظومة شاملة لا تعني فقط الخلو من المرض،بل تشمل حالة الاكتمال أو الرفاه على المستوى البدني والنفسي والاجتماعي.
ورغم الانتقادات التي وجهت لهذا التحديد باعتباره مثالي ولا يلامس الواقع،لأن الظروف التي يمر فيها الإنسان لاتتسم بالثبات التي يجعلها في صحة جيدة،كالضغوطات اليومية،والتأثيرات الاجتماعية(موت الأقارب،فقدان الممتلكات،مشاكل العمل...)وكذلك التحولات الجسدية،وما يسببه كل هذا من آلام نفسية وتوعكات جسدية،إلا أن الايجابي فيه هو النظرة الشمولية للصحة التي تجمع بين الجانب الجسدي والنفسي والاجتماعي للإنسان، وغالبا ما يعتبر الوضع الاجتماعي هو السبب الرئيسي للمرض،وهو الذي ركز عليه كثيرا أوغست كونت"الذي لم يكن يعترف طبعا بعلم النفس،واعتبر الأطباء الذين لا يأخذون بعين الاعتبار المحيط أو الوضع الاجتماعي للمريض هم مجرد أطباء الحيوانات des vétérinaires، لأن الإنسان ليس فقط جسد بل نفس وروح تتأثر بما هو خارجي .
وهو ما ركزت عليه التحديدات الأنثروبولوجية في مجال الصحة التي لا تعتبرها مجرد منتوج طبيعي فقط بل اجتماعي كذلك،والخلل الصحي ينتج كذلك عن الخلل في البنية الاجتماعية .
كما يسعى هذا التحديد كذلك إلى تأمين أبسط الشروط الصحية والصحة للجميع من خلال البحث عن الشروط المثلى والراقية،ففي البحث عن الدرجات العليا تتأمن وتتحقق لا محالة الدرجات الدنيا .
2-تحديد مفهوم النوع الاجتماعي(الجندر):تعرف المنظم العالمية للصحة هذا المفهوم كما يلي:" هو المصطلح الذي يفيد استعمال وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعيا،لا علاقة لها بالاختلافات العضوية"
بمعنى أن الاختلافات الجنسية التي يرتكز عليها الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى،تترتب عنها تمايزات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي،وكذلك الأدوار الاجتماعية وما ينتج عنها من تراتبيات جنسية وعدم المساواة،نظرا للعوامل الاجتماعية والثقافية للمجتمع.
فهذا الاختلاف المبني على العوامل السوسيوثقافية، يشكل نواة الهوية الجندرية،وهو غير ثابت بالولادة (الفطرة)كالاختلاف الجنسي(العضوي)،بل يتشكل بفعل التنشئة الاجتماعية،التي بفعل التطورات التي مرت منها الإنسانية،حيث احتكر فيها الرجل السلطة والقرار،فوجد المجتمع الذكوري الممجد لقيم الذكورة والمبخس لقيم الأنوثة وأنتج تقاليد وعادات وتصورات نمطية وأحكام مسبقة اتجاه كل جنس .
وهذا التمييز المبني على النوع الاجتماعي أضر بالنساء على جميع المستويات،وخلق فوارق كبيرة وواضحة بين الرجال والنساء في كل المجالات، فنتيجة الامساواة المبنية على النوع الاجتماعي تصبح النساء أكثر عرضة للمخاطر الصحية،وتحد من فرص حصولهن على الرعاية الصحية والثقافة الصحية مما يعمق من سوء وضعهن الصحي.
ونتيجة التحولات الاجتماعية ارتفعت الأصوات المنادية بضرورة تحسين الوضع السنوي في كافة أرجاء العالم،والقضاء على كل أشكال التمييز والعنف ضد النساء(اتفاقية السيدوا)،وتمكينهن من الاستمتاع بكافة حقوقهن حتى يتمكن من الاندماج بفعالية في المجتمع.
فهل تحقق هذا المطلب المتمثل في تمتيع النساء بكافة الحقوق وعلى رأسها الحق في الصحة للنساء في المغرب؟
II:النساء والصحة في المغرب
إن القطاع الصحي بالمغرب كغيره من القطاعات الأخرى، لازال يعاني من التخلف والخصاص سواء على مستوى البنيات التحتية، التي تتسم بقلة المستشفيات ،وضعف قدرتها الاستيعابية،وقلة أو انعدام التجهيزات حتى الأساسية منها،أو على مستوى الموارد البشرية،حيث تمتاز بقلة وعدم كفاية الأطر الطبية وخاصة المتخصصة منها،وطاقم التمريض،هذا ناهيك عن التوزيع غير المتساوي لهذه الموارد المادية والبشرية بين المناطق المغربية،بحيث تقل في المدن الصغرى وتكاد تنعدم في القرى،وتنعدم تماما في القرى النائية. فكيف يؤثر هذا الوضع على حالة النساء الصحية؟.
الحديث عن النساء يعني الحديث عن خصوصية بيولوجية وثقافية تحدد مجموعة من الأدوار والوظائف،التي تؤثر على صحتهن منها بالأساس وظيفة الحمل والإنجاب.
الحمل والإنجاب:
تتطلب الصحة الإنجابية من المرأة الخضوع لمراقبة طبية،تبدأ من بداية الحمل،وتمر بمرحلة الولادة(سواء كانت بطريقة طبيعية،أو قيصرية)،ثم مراقبة صحة الأم والجنين بعد الولادة.
إلا أن هذه العناية لا تحظى بها كل النساء في المغرب، حيث بينت الإحصاءات،أن فقط 85% من النساء الحوامل في الوسط الحضري من يستفدن من العناية الطبية،مقابل 48%في الوسط القروي ،هذه العناية التي قد تقتصر على زيارة واحدة،يعني أنها محدودة وغير منتظمة،مما لا يبين المضاعفات الصحية وتأثيراتها على عملية الولادة الذي غالبا ما تكون موعدا للمرأة مع الموت. إذ تبين الإحصاءات أن نسبة وفيات الأمهات أثناء الوضع مرتفعة جدا،392 من كل 1000 حالة ولادة في العالم القروي،و268 في المناطق الحضرية .

ينعكس هذا الوضع الصحي في المغرب ، سلبا على انتشار الثقافة الصحية بين النساء، الثقافة التي تعد أحد أهم روافد التمتع بصحة جيدة بتجنب المرض ونهج سبل الوقاية منه،وخاصة الأمراض المعدية كالأمراض المنقولة جنسيا(السيدا)بالأساس،حيث بلغت نسبة المصابات بهذا الداء في المغرب حسب وزارة الصحة سنة 2008 إلى 39% منها 83% في المجال الحضري،و12% في المجال القروي.
كما تنقص الثقافة الصحية والتوعية بالأمراض الأخرى،التي تتعرض لها بالخصوص النساء،(كسرطان الثدي،وسرطان عنق الرحم..) هذا الجهل يجعل المرض يستفحل لعدم القيام بالعلاجات الكشفية والوقائية والعلاج المبكر،كما تحول الأمية دون تتبع العلاج الصحيح.
وهذه الأوضاع النسائية تختلف باختلاف انتمائهن المجالي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي،بحيث تستفحل الأوضاع عند الطبقات الدنيا،بينما تنعدم الطبقات العليا (المحظوظة)بالاستفادة من العلاج.
الانتماء السوسيو-اقتصادي والصحة عند النساء
تتحكم مكانة النساء الاجتماعية والاقتصادية بشكل كبير في وضعهن الصحي،بحيث أنه بقدر ما يرتفع المستوى المادي والاجتماعي،،بقدر ما يرتفع المستوى الصحي،لأن ارتفاع المستوى المادي يعني توفير الشروط الأساسية للتمتع بصحة جيدة، من غذاء جيد،وسكن لائق،وماء صالح للشرب،وتعليم،وانخفاض الأمية التي تعد مسألة أساسية في مجال الصحة لما يوفره"التعليم"من شروط الوعي واكتساب للثقافة الصحية.
وبقدر ما ينخفض المستوى المادي(الفقر)بقدر ما تكون المرأة عرضة لكافة الأمراض كسوء التغذية(الأنيميا)،وسوء ظروف العيش،وقلة أو انعدام الحصول على الخدمات الصحية الجيدة،لانعدام الإمكانيات المادية، والوقت للذهاب للمستشفى،إضافة إلى سوء استعمال المتوفر من وسائل العلاج،نتيجة الأمية التي تحول دون الاستفادة من ثقافة صحية سليمة(الكشف الوقائي،العلاج المبكر،الاستعمال السليم للأدوية،عدم فهم الثقافة الطبية،التي في الغالب ما تكون بعيدة كل البعد عن ثقافتها.(أسماء أعضاء الجسد،أسماء الأمراض،أسماء الأدوية...)
عدم القدرة على نسج علاقة صحية مع الطبيب،لسوء التواصل بينهما،المرأة تتكلم بلغتها والطبيب بلغته،هذا إلى جانب اختلاف وجهات النظر اختلاف وجهات النظر بينهما في الغالب حول مفهوم الصحة والمرض والعلاج أو الوقاية ،بحث يستمد كل منهما مفهومه من ثقافته الخاصة،المتخصصة أو العامة. هذه العوامل الثقافية التي تؤثر بقوة كذلك في الصحة والمرض عند النساء.
العوامل الثقافية وصحة النساء
أكدت دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية بأن الثقافة هي الموجه لسلوك الأفراد في المجتمع،وهي المحرك لسلوك أعضائه في مواقف مختلفة. ويقصد بمفهوم الثقافة العادات ،التقاليد،المعايير،المبادئ ،التصورات،الأفكار وأنماط الحياة،هذا الكل المشكل للثقافة،والذي يؤثر في سلوكات الأفراد وتمثلاتهم لذواتهم،ولمفهوم الصحة والمرض، بحيث ينبنيان كذلك انبناءا ثقافيا، نتيجة التحديد الذاتي الذي غالبا ما ما يختلف عن التحديد الموضوعي/الطبي . وتشكل هذه البناءات دورا مهما في التعامل مع مجال الصحة والمرض، مما يجعل من الصحة منتوجا اجتماعيا كذلك.
والثقافة تتحكم في عملية التنشئة الاجتماعية،إذ يستدخل الفرد كل المبادئ والقواعد والقيم والتقاليد المميزة لمجتمعه ليعيد إنتاجها، والثقافة السائدة في المجتمع المغربي"المجتمع المركب" تختلف باختلاف شرائحه الاجتماعية،لكنها لازالت في غالبيتها تتعامل مع المرأة كموضوع وكأداة في خدمة الآخر والمجتمع،وقيمتها تكمن في هذا الدور،ومن ثم فهي تعيش تجربة المرض في صمت حتى لا يؤثر هذا الوضع على قيمتها ومكانتها داخل المجتمع ،أو تنبذ أو تهمش (الحرمان من الزواج الذي تعد فيه القوة البدنية المعيار الأساسي) أو يتم تطليقها لسوء صحتــــــها.
لازالت تعتبر المرأة في هذه الثقافات كمخلوقات دونية،وترسم للمرأة حدودا مجالية ضيقة للتحرك،وتحدد لها أدوارا معينة في الحياة،لا تتيح لها إمكانية التعبير عن ذاتها،أو الشعور بالرضى عن الذات،والحضور الفاعل في المجتمع،مما يدمر حياتها،وتعرضها للإصابة بمجموعة من الأمراض الجهاز الهضمي،والأمراض النفسية أو العقلية ،ثقافة تنتج شخصيات سلبية انهزامية متوارية.
كما أن الانحصار في مجالات مغلقة وأدوار ضيقة، مع انتشار الأمية،وقلة التوعية يمنع النساء من الارتقاء واكتساب ثقافة طبية،ويدفعها لاستهلاك الثقافات التقليدية المتوارثة،وما تحتويه من تمثلات للمرض وأشكال العلاج البديلة (الأضرحة،العشوب...).
وازداد هذا الوضع سوءا مع زحف الليبرالية و استحواذها على القطاع الصحي محاولة إياه إلى سلعة تباع وتشترى كباقي السلع، وحصول الفرد على العلاج أصبح متوقفا على إمكانياته المادية.فجعلت بذلك من المستشفيات درجات لكل فئة زبنائها: مرضى المستشفيات و مرضى الأطباء. القطاع العام/ القطاع الخاص، درجات علاج دنيوية / درجات علاج مرتفعة الجودة.
يعني أن الأغنياء (رجالا ونساء)سيحصلون على خدمات صحية جيدة بينما يحرم الفقراء من ذلك. فاللبرالية عملت على ضرب دمقرطة العلاج والحق في الصحة والعلاج المجاني، وأصبحت هذه الأخيرة تساوي ،أي المجانية، رداءة الخدمات. ومن جهة أثرت على إمكانية التثقيف الصحي للنساء الذي يتحدث عنه نبيل صبحي بقوله :"تثقيف السلوك الصحي لإحداث نوع من التنمية الصحية لأفراد المجتمع من خلال تعليمهم لبعض الممارسات الصحية ومحاولة تغيير اتجاهاتهم ومواقفهم اتجاه تفسيراتهم لبعض الأمراض،وخلق مواقف عدائية ضد المرض" .
خاتمة
الاهتمام بالنساء يفرض تمتيعهن بحقوقهن كاملة من حق التعليم فالشغل، فالصحة، دون تمييز لأن جل هذه الحقوق تؤثر على وضعهن الصحي فتمكين والمساواة مسالة ضرورية لإدماجهن في المجتمع و الارتقاء بأوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية والقانونية.






إرسال لصديق
بواسطة : almushref
 0  0  1.9K

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 12:29 صباحًا الثلاثاء 31 مارس 2020.